Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد تعطيل انعقاد القمة مستقبل الجامعة العربية إلى أين؟

إسرائيل تدفع لنظام إقليمي جديد ينهي دور الجامعة فعليّاً وتروج لفكرة التهديدات المشتركة

تواجه الجامعة العربية في الوقت الراهن لحظات مصيرية في تاريخها السياسي، إذ تجابه تحديات ومخاطر حقيقية تهددها للمرة الأولى، وتعرقل مسار تحركاتها، بل وأيضاً مستقبلها في ظل عدم انعقاد القمة العربية في موعدها، بسبب أزمة كورونا، ثم انتهاء الحديث المعلن حول تحديد موعد بديل، لانعقاد القمة في موعد لاحق من العام الحالي.

معطيات مهمة

لم تتحمّس الجزائر، الدولة التي كانت ستستضيف القمة، لعقدها أصلاً، وتحجج المسؤولون الجزائريون بوجود أزمة كورونا، ما اضطر الأمين العام أحمد أبو الغيط إلى السفر للجزائر، ولقاء الرئيس الجزائري، واُتفق على تأجيل انعقاد القمة إلى يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما لم يحدث.

وكان من الواضح أنّ هناك رأيين. الأول يرى عدم جدوى انعقاد القمة العربية أصلاً، وأنها حدث بات شكليّاً، ولن تخرج بأي نتائج إيجابية، بالتالي فإن تأجيلها كان مهماً، ولعل وجهة النظر هذه كان وراءها كل من الجزائر والمغرب والعراق وقطر، وكان التذرّع بأزمة كورونا رغم تأكيدات الأمانة العامة والأمين العام بأن القمة ستُجرى لاحقاً، بل وجرى تحديد يونيو تحديداً، ومع ذلك لم تنعقد.

 

والرأي الثاني ركّز على أنه لا بدّ من انعقاد القمة العربية، بصرف النظر عن قضاياها التي كانت ستعالج الأوضاع في ليبيا، وموضوع سد النهضة، والملفات الفلسطينية والسورية واليمنية والعراقية والتهديدات الإقليمية، وغيرها من القضايا العربية المعتادة في كل قمة. المنطق أن انعقاد القمة مهم في توقيت تتعرّض فيه الجامعة لاستهداف إقليمي من أطراف إقليمية متعددة، لا تريد الإبقاء على النظام الإقليمي العربي حتى في أسوأ حالاته.

جوهر المشكلة

الواضح، أنه لم تكن المشكلة أصلاً في الجامعة العربية وميثاقها ونظامها الأساسي، ولا في مشروعات التطوير المقترحة، التي بدأت منذ سنوات طويلة، ولم تتحقق على أي مستوى، نتيجة لسعي دول عربية معينة إلى إبقاء الجامعة العربية على وضعها الراهن، وعدم الدخول في مراحل تطوير حقيقية، وباعتبار أن الجامعة تعبّر عن إرادات الدول العربية الأعضاء بالأساس، خصوصاً أن بعض الدول عملت على تأخير تقديم التزاماتها المالية تجاه الجامعة، والبعض الآخر دخل في مساومات على تولي مواقع في منظمات الجامعة، بل وفي داخل الجامعة.

وعاد الحديث المكرر حول ضرورة إعادة تدوير منصب الأمين العام مجدداً، رغم أن هذا المنصب ظل مصريّاً، ولم يتغير إلا في مرحلة تجميد عضوية مصر بالجامعة، بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، وتولي الشاذلي القليبي مهام الأمين العام، كما عكس اختيار السفير نبيل العربي ثم السفير أحمد أبو الغيط حرص دولة المقر على إبقاء المنصب مصريّاً باعتباره عرفاً دبلوماسيّاً غير منصوص عليه في النظام الأساسي للجامعة.

خلافة أبو الغيط

رغم كل ما جرى ويجري من أحاديث مبكّرة حول خلافة أحمد أبو الغيط، ومن سيحلّ محله، فإن واقع ما جرى في الجامعة العربية أخيراً لحظة مناقشة التطورات الليبية بناءً على المطلب المصري وموضوع سد النهضة والقضايا العربية على مستوى وزراء خارجية العرب يعكس حضوراً عربيّاً واضحاً وثقلاً للجامعة، لا يقل عن حالة الزخم التي يشهدها الاتحاد الأفريقي في الوقت الراهن، مع تولي دولة جنوب أفريقيا رئاسة الاتحاد، ويتجاوز اختصار ما سيجري بشأن اختيار أمين عام جديد أو استمراره.

 

من الواضح أن الجامعة خرجت ببيان حقيقي وشامل بصرف النظر عن بعض التحفظات التي أبدتها تونس والصومال وجيبوتي وقطر، في حين مررت الجزائر والمغرب مواقفهما من الشأن الليبي، وكان القرار العربي بشأن التعامل مع التهديدات الإثيوبية لمصر والسودان واضحاً ومباشراً ومهماً، وأكد أن الجامعة العربية حاضرة في المشهدَين العربي والإقليمي على مستوى وزراء الخارجية، وأن عدم انعقاد القمة العربية كان خطأ بمعنى الكلمة، وكان لا بدّ من أن تنعقد، وأن قادة الدول العربية مطالبون بالحفاظ على دورية الانعقاد، وإلا فإنّ الجامعة ستواجه إشكالية حقيقية في الاستمرار في ظل التهديدات الإقليمية، وتصاعد المدّ التركي والخطر الإيراني، والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

تحديات جمة

ومع مواجهة الجامعة تحديات جديدة، تتمثل في المخطط الإسرائيلي لضم المستوطنات والأغوار وبقاء دور الجامعة مغيباً في بعض الملفات العربية الخطيرة، ومنها تطورات المشهد الليبي والتدخلات التركية في أسس وأركان النظام الإقليمي العربي بوجوده في ليبيا، وتطلعه لحضور استراتيجي مقيم امتداداً إلى طول الساحل المغاربي، فإنّ الجامعة مطالبة بالتحرك والمبادرة ليس من خلال إطفاء الحرائق في الأراضي الفلسطينية بعد أن عزمت الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ خطة الضم بصرف النظر عن تفاصيله، أو في ليبيا حيث الخطر التركي الكبير، وكذلك الممارسات الإثيوبية في ملف الأمن المائي، الذي يشمل  مصر والسودان معاً.

الجامعة العربية عليها دور حقيقي في التعامل مع مهددات الأمن القومي العربي بصورة مباشرة بدلاً من الإبقاء على الأمور كما هي، في ظل عدم إيمان بعض الأنظمة العربية بالجامعة، إذ لا يوجد بديل عربي مطروح، في ظل الانفتاح العربي غير الحذر على الجانب الإسرائيلي، الذي يتفاخر بأنه يقيم علاقاته مع أكثر من عشر دول عربية، ومردداً الحاجة إلى تعاون عربي إسرائيلي في مواجهة المخاطر المشتركة، التي تبدأ بإيران وتمر بالكوارث والأزمات، التي تضم الدول العربية وإسرائيل معاً.

نطاقات إقليمية

إنّ الخطر الحقيقي الذي يواجه الجامعة هو مسعى إسرائيل وتركيا لتوسيع نطاق (الإقليمية) في مواجهة (العربية)، ولهذا كان الطرح الشرق أوسطي بديلاً عن النظام الإقليمي، وكانت مشروعات التعاون الإقليمي والحديث عن الخيارات الإقليمية في مواجهة الخيارات العربية والاتجاه إلى السلام الاقتصادي أولاً بديلاً عن السلام السياسي، ومن ثمّ بناء نظام شرق أوسط مختلف ومحدّث عن النظام العربي بكل مؤسساته وكياناته.

إن الجامعة العربية وأمينها العام مطالبان بإعادة ترتيب الأولويات العربية في منظومة عمل واحدة تُبنى على أساس دول ثلاث هي مصر والسعودية والإمارات، وتضم كلاً من الأردن والكويت والبحرين والعراق وسوريا بالأساس، على أن يُنصت إلى توجهات دول المنطقة المغاربية، خصوصاً الجزائر والمغرب، اللذين لديهما خطاب عربي مختلف، يمكن أن يُعاد صياغته والبناء عليه إن خلصت النيات، وتوحّدت التوجهات في سياق عربي واحد.

انكفاء التجمعات العربية على ذاتها

ليست إذن المشكلة في الجامعة العربية، ولا في أزماتها التي تعايش معها النظام الإقليمي العربي، وما زال يتعايش إذ لا يوجد بديل عربي حقيقي في ظل انكفاء التجمّعات العربية على ذاتها، بعد انهيار مجلس الوحدة العربية، وتجمّد مسارات الاتحاد المغاربي، وتوقف مجلس التعاون الخليجي بعد المقاطعة العربية، كما أخفقت اللقاءات العربية، ومنها مصر والأردن والعراق، في بلورة مواقف موحدة، وأخفقت تباعاً فكرة القوة العربية المشتركة.

 

واتجهت بعض الدول العربية إلى تحالفات إسلامية ودولية، بل ومتخصصة مثل مجلس خليج عدن والبحر الأحمر وغيرهما، بينما وقفت الجامعة تتابع وتراقب عن قرب وعن بعد ما يجري من خروقات لمواقف الدول العربية من المقاطعة العربية لإسرائيل، بل وإجراء اتصالات وعقد لقاءات رسمية، بل ووقفت الدول العربية تتابع التدخلات التركية والإيرانية في أمن النطاق القومي العربي من دون أن تفعل شيئاً، ما دفع تركيا وإيران وإسرائيل وإثيوبيا إلى التمادي والإمعان في التدخل، وتنفيذ مخططاتها الشيطانية في عمق الكيان العربي.

ولم يعد الأمر مقصوراً على الأراضي الفلسطينية، بل وفي الأردن حيث المسعى الإسرائيلي لضم أغوار الأردن، وتهديد أمن مصر والسودان من قِبل إثيوبيا التي تستقوى بأطراف عربية ودولية لها استثماراتها الكبيرة في الداخل الإثيوبي، وهو ما كان يتطلب موقفاً عربياً على مستوى الجامعة تجاه الدعم العربي لإثيوبيا، وليس صدور قرار بشأن سد النهضة وفقط.

الصالح العربي

ليس من مصلحة الدول العربية أن تفشل الجامعة العربية أو تجمّد مهامها نتيجة لمساعي بعض الدول في الاتجاه إلى فكرة الإقليمية، أو إثارة قضايا إعادة هيكلة الجامعة ومنظماتها، واعتبارها عديمة الجدوى والاستمرار في استهدافها، والعمل على تصدير الأزمات العربية تباعاً لها.

الجامعة في النهاية ونظامها السياسي وآليات تحرّكها محصلته مواقف عربية في المجموع. والقضية ليست في الأمين العام، ولا في دور الجامعة، لكن الإشكالية الحقيقية في مخطط البعض لإنهاء عصر الجامعة، والاتجاه إلى بناء إقليمي جديد، ووقتها لن تكون الدول العربية وحدها في هذا النظام، بل ستكون جزءاً من كل أشمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى الآن، لم تجرؤ دولة عربية على تجميد عضويتها، ولم تنسحب دولة من النظام الإقليمي، بل ظلت الدول العربية حريصة على الوجود في نطاقها، رغم فشل مخططات إصلاح الجامعة تباعاً، ومن الآن فإنّ السؤال المطروح: ماذا إذن لو لم تنعقد الجامعة العربية بصورة دورية في سبتمبر (أيلول) من كل عام؟ ماذا سيفعل الأمين العام؟ وماذا ستفعل دول الجامعة التي لا تزال مخلصة للنظام الإقليم العربي؟ هل من بدائل حقيقية؟

البديل الأول: الاتجاه إلى نظام أكثر اتساعاً وشمولاً في ما يعرف باسم نظام الأمن الإقليمي أو الشرق أوسطي، وانتهت عصبة الأمم المتحدة، لتحلّ محلها الأمم المتحدة، فما الإشكالية الحقيقية في إنشاء جامعة عربية بديلة وفقاً لنظام سياسي وأمني جديد؟ هل يمكن أن يكون ذلك محوراً لنقاش عربي حقيقي، يلعب فيه السياسيون والأكاديميون وفقهاء القانون دوراً حقيقياً؟ والسؤال من سيكون له البدء بالمبادرة؟ وهل يكون هذا مطروحاً من قِبل الأمين العام أو من رئيس أو ملك عربي يبدأ الطرح من أعلى على أن يكون التنفيذ من خلال استعادة مشروعات الإصلاح السابقة والتطوير، وهي موجودة وقابلة للتنفيذ أم أن الأمر مرحّل لحين تولي أمين عام جديد قد يأخذ المبادرة بذلك؟

البديل الثاني: أن تبقى الجامعة العربية في موقعها الراهن في ظل تتالي وتعدد المتغيرات من حولها، ما يؤدي إلى تجمد نشاطها، خصوصاً أن العالم العربي والنظام الإقليمي سيشهدان تطورات دراماتيكية حقيقية، لا يمكن للجامعة العربية وأمينها العام أن يقفا في موقف المتفرج، خصوصاً أنّ الأطراف الإقليمية لا تريد دوراً حقيقياً للجامعة أو مؤسساتها، بل ستعمل على إفشالها، كما أنّ سلوك بعض الدول العربية ذاتها قد يُسهم في مواجهة ما يجري جراء ما يتردد من خطاب إعلامي وسياسي مكرر يتهم دولة المقر بالسيطرة على قرار الجامعة، وأن أمينها العام المصري لا يعبر إلا عن الإرادة المصرية، وهو الأمر الذي يدخلنا في دائرة ضيقة من الخيارات.

الخلاصات الأخيرة

ما زالت الجامعة العربية مؤسسة قابلة للحياة، ولا تزال معبرة عن النظام الإقليمي العربي بصرف النظر عن ضعفه وهشاشة مؤسساته، ولا تزال الدول العربية عضواً في الجامعة، ولم تجمّد أي دولة عضويتها، وهو الأمر الذي يتطلب جهداً عربياً حقيقياً من الأمين العام والدول العربية المركزية من أجل الانطلاق إلى تحقيق الحد الأدنى من التوافقات العربية العربية وعدم الاستمرار في هذا المشهد العربي العبثي.

إن تعطيل مؤسسة القمة العربية لن يخدم سوى الأطراف الإقليمية العابثة بأمن الإقليم، والساعية بقوة لإنهاء وتصفية الجامعة ومؤسساتها من المشهد السياسي الراهن.

المزيد من العالم العربي