Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانهيار الاقتصادي يشد الخناق على الحكومة في لبنان

 تعثر القروض وارتفاع نسبة الجريمة وتآكل قيمة الودائع وتعويضات نهاية الخدمة

بيفاني خلال مؤتمره الصحافي في نادي الصحافة في بيروت الإثنين 29 يونيو الحالي (أ ب)

تسابق الحكومة المأزومة في لبنان الانهيار الذي يهدّد كل المؤسسات العامة كما الخاصة في ظل تخبّط واضح في إدارة الدولة.
داخلياً، سعر صرف الليرة في السوق السوداء حطّم كل المستويات القياسية ليزيد من استنزاف القدرة الشرائية والمعيشية للمواطن اللبناني. التعيينات القضائية ما زالت معلّقة وما زاد الطين بلّة، سقطة قاضي الأمور المستعجلة في صور الذي أصدر قراراً يمنع سفيرة الولايات المتحدة لدى بيروت دوروثي شيا من التصريح ويحظّر على وسائل الإعلام نقل ما تقوله. شحّ مادة المازوت الحيوية المستمر يهدّد بالعتمة وانقطاع الاتصالات، وتخبّط الأفران مع وزارة الاقتصاد بشأن التسعير يُترجم هلعاً وطوابير طويلة للمواطنين لشراء الخبز.
أما خارجياً، فأتت تحذيرات صندوق النقد الدولي من إمكانية وقف المفاوضات إذا لم يوحّد لبنان الرسمي مواقفه، كصدمة قاضية لآمال البلاد بالخروج من نفق مظلم ينذر بمجاعة جماعية.
 

استقالة بيفاني

تهديدات صندوق النقد لم تمرّ مرور الكرام وتُرجمت اليوم باستقالة مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني من منصبه، احتجاجاً على طريقة تعامل الزعماء السياسيين مع الأزمة المالية بحسب تصريحاته، إذ اعتبر أن المسار الذي يسلكه قادة لبنان محفوف بالمخاطر وسيلحق الضرر بالشعب.

وشنّ بيفاني في مؤتمر صحافي حرباً شرسة على المصارف والسلطة السياسية والحكومة التي وصفها بـ"الخائفة والخاضعة". 

وكان آلان بيفاني عنصراً أساسياً ضمن فريق الحكومة وعلى رأسه وزارة المالية، للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، فريق اصطدم بخلاف مع بنك لبنان المركزي والمصارف واللجنة النيابية التي تشكّلت لتقصّي الحقائق بشأن حجم خسائر النظام المالي وكيفية توزيعها.

ولا بد من الإشارة إلى أن استقالة بيفاني هي الثانية من فريق الحكومة المفاوض بعد استقالة مستشار وزير المال هنري شاوول، المدافع عن الخطة الحكومية الذي عزا أسباب تنحّيه أيضاً إلى فشل الحكومة في تطبيق الإصلاحات.

وتوحي هذه الاستقالات بتوجّه جديد في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، يخفّف من حدة شطب الخسائر وتحميلها للقطاع المالي العام والخاص، علماً أن أسبابها الرئيسة تعود إلى فشل السلطة السياسية والهدر والفساد المستشري في إدارة الدولة.


انهيار الأمن الاجتماعي 

ويحذّر الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين من انهيار الأمن الاجتماعي من باب سعر صرف الدولار، موضحاً أنه "لا يمكن وضع تصور أو تقدير دقيق للخسائر في ظلّ غياب سعر مستقر أو حتى متقلّب بهوامش مقبولة لسعر صرف الدولار والعملات الأجنبية مقابل الليرة اللبنانية وإنما بقراءة لانعكاسات تفلّت سعر الصرف عند المستوى الذي حدّده مصرف لبنان للتعاملات النقدية بالعملات الأجنبية عند 3950 ليرة للدولار، كافٍ لإعطاء صورة واضحة عن الانهيار الاجتماعي المرتقب.


التعثر في سداد القروض

أي تبديل في سعر الصرف الرسمي، بخاصة بعدما تحدثت الحكومة في خطتها عن تعديل لسعر الصرف إلى مستوى 3500 ليرة للدولار، سيجعل المقترضين لا سيما الصغار منهم في حالة تعثّر، بحسب شمس الدين.

فمثلاً مَن دخله الشهري مليونَيْ ليرة وقسطه سواء السكني أو سيارة أو غيره، يُقدَّر بـ 300 دولار أي 450 ألف ليرة بحسب سعر الصرف الرسمي المحدّد بـ 1510 ليرات تقريباً، وبحال تبديل سعر الدولار إلى 3000 أو 4000 ليرة، سيعني ذلك تلقائياً تعثّره وعدم قدرته على السداد لأن القسط سيستهلك ما بين 45 إلى 80 في المئة من الدخل الذي لن يعود كافياً لتوفير الطعام.
وهذا يعني أن التسليفات المصرفية المعطاة بالعملات الأجنبية للقطاع الخاص التي بلغت نحو 30 مليار دولار في نهاية شهر أبريل (نيسان) الماضي قد تكون تسليفات متعثّرة، وقيمة الضمانات التي أخذتها المصارف لقاء هذه التسليفات قد لا تكفي، خصوصاً إذا حصل انهيار عقاري.

تآكل الأجور الشهرية
 

يوضح شمس الدين أن "الحدّ الأدنى للأجور هو 675 ألف ليرة أي ما كان يوازي 450 دولاراً، بينما الآن وإذا اعتمدنا سعر 4000 ليرة للدولار، ينخفض الحدّ الأدنى إلى 168 دولاراً أي بتراجع قدره 62.6 في المئة. والحدّ الأدنى عند 168 دولاراً يوازي مستواه عام 1995 أي قبل ربع قرن، إذ كان يسجل 165 دولاراً. ولكن إذا احتسبنا القدرة الشرائية الحالية وفقاً لأسعار عام 1995، فهي تساوي أقل من 80 دولاراً، ما يعني تآكل القدرة الشرائية بالكامل للمواطن اللبناني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


بطالة قياسية
 

مع ازدياد عدد العاطلين عن العمل إلى 430 ألف شخص، بحسب شمس الدين أي بنسبة بطالة عند 32 في المئة ومع تقاضي 220 ألف عامل 25 أو 50 أو 75 في المئة من رواتبهم، تشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 55 في المئة من اللبنانيين المقيمين في لبنان والبالغ عددهم 4.2 مليون لبناني أي أن في البلاد 2.3 مليون فقير، منهم 1.1 مليون تقريباً يعيشون تحت خط الفقر، لا يكفي دخلهم لتوفير كميات الغذاء الضرورية والصحية. وهذه النسب والأعداد مرشحة للارتفاع.
والمعروف أن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل 75 في المئة من الشعب اللبناني انخفضت إلى 40 في المئة مقابل 55 في المئة من الفقراء و5 في المئة من الأغنياء والأثرياء، بالتالي فهذه الطبقة الوسطى قد تتراجع إلى 25 في المئة، مع ما يسبّبه ذلك من أزمات اجتماعية وربما أمنية لأن أسس المجتمع اللبناني وتوازنه تكون قد اهتزّت.
 

ارتفاع نسب السرقة والجرائم

بدأت بحسب شمس الدين مستويات جرائم القتل والسرقة بالارتفاع خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2020، مقارنةً بالفترة ذاتها من عام 2019، فوصل عدد حوادث السرقة إلى 158 حادثة، بنسبة 22 في المئة وبلغت سرقة السيارات 112 سيارة أي بنسبة 58 في المئة. وزادت حوادث القتل بواقع 51 حالة أي بنسبة 124 في المئة.


تآكل مدخرات اللبنانيين
 

في السياق، أدى ارتفاع سعر الصرف إلى تآكل مدخرات اللبنانيين، فالودائع في المصارف انخفضت من نحو 177 مليار دولار في أبريل 2019 إلى 152 مليار دولار في أبريل 2020، أي 25 مليار دولار. ومن بين هذه الودائع، هناك نحو 32 مليار ليرة لبنانية، أصبحت قيمتها نحو 12 مليار دولار في حال اعتماد سعر صرف عند 4000 ليرة للدولار الواحد.
كما أن موجودات صندوق تعويضات نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي والبالغة نحو 15 ألف مليار ليرة التي كانت تُقدّر بنحو 10 مليار دولار، تآكلت وباتت تُقدّر بنحو 3.7 مليار دولار، ما يهدّد استقرار المتقاعدين.
ولا يزال السعر الرسمي مستقراً عند متوسط 1507.5 ليرة مقابل الدولار، ما يخفّف الأزمة جزئياً، فالمشتقات النفطية والدواء والخبز والكهرباء والاتصالات وضرائب ورسوم الدولة تُسدَّد على هذا السعر وكذلك القروض المصرفية بالدولار، إنّما في ظل اشتداد المأزق الحكومي والأزمة المالية والنقدية، أيّ توجه إلى تغيير سعر الصرف بحسب متطلّبات صندوق النقد الدولي أو حتى الواقع الاقتصادي من دون خطة متكاملة، سيعني إعدام اللبنانيين لسنوات مقبلة.