Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل باتت المواجهة بين الحكومة العراقية والسلاح المنفلت وشيكة؟

لن تقتصر على العمليات العسكرية بل إن أشكالها ستتعدد لتشمل جوانب سياسية واقتصادية

هل يشهد العراق مواجهة بين القوى الأمنية والأذرع المسلحة خارج إطار الدولة (أ ف ب)

أثارت العملية العسكرية التي أدارها جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الخميس 25 يونيو (حزيران)، التي أدت إلى مداهمة ورشة لتصنيع الصواريخ ومنصات إطلاقها واعتقال عناصر تابعين لـ "كتائب حزب الله" فيها، ردود فعل واسعة في الشارع العراقي، لكنها فتحت الباب أمام التساؤلات حول شكل الصراع المقبل بين الحكومة العراقية والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة.

ويعتبر مراقبون تلك العملية ممهدة لمواجهة طويلة الأمد مع الأذرع المسلحة خارج إطار الدولة، فضلاً عن كونها تكشف عن مدى جدية حكومة الكاظمي في التعاطي مع ملف حصر السلاح بيد الدولة.

أشكال عدة للمواجهة

ويبدو أن المواجهة لن تقتصر على العمليات العسكرية، بل إن أشكالها ستتعدد لتشمل جوانب سياسية واقتصادية أيضاً، إذ سبقت عملية اعتقال عناصر متهمة بأنها تقف خلف الهجمات الصاروخية على مواقع تابعة للجيش الأميركي وبعثات دبلوماسية دولية، خطوات حكومية ركّزت على ضبط المنافذ الحدودية ومتابعة قضايا الفساد والتهريب داخلها، والتي يصفها متابعون بأنها واحدة من أبرز أبواب الفساد الذي تستفيد منه فصائل مسلحة موالية لإيران في دعم نشاطها.

وإضافة إلى هذا التحرك، يبدو أن ملف ربط الطاقة مع السعودية، الذي أعلن العراق، السبت 27 يونيو، عبر وزارة الكهرباء اكمال جميع خطوط وشبكات النقل الخاصة بالربط مع دول الخليج، قد يشكّل ضغطاً إضافياً على طهران، الداعم الرئيس لتلك الفصائل، ويعطي انطباعاً أن المواجهة ستتعدد أشكالها ولن تقتصر على الجوانب الأمنية، بحسب مراقبين.

وتتحدث تسريبات عن أن جولة إقليمية قد يخوضها الكاظمي قبل ذهابه إلى واشنطن الشهر المقبل تشمل زيارتين لطهران والرياض، الأمر الذي يفسره مراقبون بأنه يأتي ضمن محاولات إقناع طهران بضبط الأذرع الموالية لها أو الضغط عليهم للرضوخ للدولة العراقية، وحسم ملف السلاح المنفلت مقابل تطمينات من أن العراق لن يدخل ضمن إطار محور معاد لها.

ضربة مزدوجة

في السياق، قال الأكاديمي دياري الفيلي "ما قام به الكاظمي ضروري تحديداً بتفضيله استعادة هيبة الدولة وسيادتها قبيل حوارات مرتقبة مع طهران والرياض وواشنطن، وإيصال رسالة لكل تلك الأطراف بأنه قادر على إعادة ضبط الوضع العراقي". أضاف لـ "اندبندنت عربية"، "تبدو خطوات الكاظمي استباقية لمرحلة الانتخابات المبكرة، لضمان أن تكون بعيدة من تأثير المال والسلاح"، مشيراً إلى أن "التحرك الحكومي لن يقتصر على العمل العسكري، لكنه سيشمل البحث عن أبواب الفساد ومكافحته ما يشكّل ضربة مزدوجة".

ويعتبر أن "الأزمات الوجودية التي يعاني منها العراق وتحديداً أزمتي المال وكورونا، فضلاً عن الأزمة الأكبر المتعلقة بدور الدولة الذي كان غائباً خلال الفترة الماضية، ثمثّل الدوافع لهذا التغير في السلوك السياسي"، مبيناً أنه "من دون هذا التغيير ستكون النتائج كارثية على قادة العمل السياسي ما بعد عام 2003"، ولفت إلى أن "هناك محاولة لإعطاء انطباع إلى المجتمع الدولي بأن تحولاً سلمياً يحصل تدريجاً في العراق ويأتي منسجماً مع الاشتراطات الدولية لتقديم الدعم للدولة".

وأشار إلى أن "العملية العسكرية الأخيرة تشير بشكل واضح إلى أن حكومة الكاظمي تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة واللاعبين خارج إطارها، وتحديداً المجاميع المسلحة التي تستظل بمؤسسات تابعة للدولة"، معبراً عن اعتقاده أن "الحوار السياسي وإعادة ترسيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة هو الخيار المقبل، إذ أدرك الأطراف كافة أن محاولة إجبار القائد العام للقوات المسلحة على الركون للخيار العسكري أمر له تداعيات مضرة".

لا إطلاق سراح إلا بأمر قضائي

وكانت القوات الأمنية قد أعلنت أن المداهمة استهدفت أفراد فصيل مسلح يشتبه بضلوعهم بعمليات إطلاق صواريخ على سفارات في المنطقة الخضراء وقاعدة أميركية في محيط مطار بغداد الدولي، فيما أشارت إلى اعتقال 14 عنصراً منهم.

وأثارت هذه العملية غضب قادة الفصائل المسلحة، إذ قال زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي في كلمة مصورة إن "من واجب فصائل المقاومة أن تقاوم المحتلين وفقاً للشرائع السماوية والقوانين"، وأشار إلى أن "هناك محاولات أجنبية لضرب قوات الحشد الشعبي"، لافتاً إلى أنه "ليس هناك معسكر عراقي خالص تم استهدافه وإنما ما يستهدف كان مقرات للقوات الأميركية، حيث لا تستهدف فصائل المقاومة المؤسسات الحكومية في المنطقة الخضراء بل تستهدف السفارة الأميركية"، وتابع أن "ما من مسؤول عراقي قبل الكاظمي تجرأ على استهداف فصائل المقاومة العراقية".

وبينما يستمر تضارب الأنباء حول مصير المعتقلين، بين مصادر تؤكد إطلاق سراحهم وأخرى تؤكد إحالتهم إلى التحقيق، تقول مصادر مقربة من أروقة الحكومة العراقية إن "الحكومة لم تعتذر وتشدد على عدم إطلاق سراح أي معتقل إلا بأمر قضائي"، في حين تؤكد المصادر أن "الاعتقال لم يتم في مقرات للحشد الشعبي، بل في كوخ داخل مزرعة مهجورة".

إدارة الهدنة وتأجيل المواجهة

ولعل هذه العملية هي الأولى من نوعها وتعد انتقالة واضحة في سلوك الحكومات العراقية مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ويرى مراقبون أن المراد منها  توجيه رسالة شديدة بأن تلك الفصائل لن تكون في مأمن من الملاحقة مستقبلاً، فضلاً عن كونها محاولة لاستعادة ثقة المجتمع العراقي والمحيط الإقليمي والدولي بالحكومة وقدرتها على استعادة هيبة الدولة، فيما يعتقد آخرون أن ما جرى لا يتعلق بالمواجهة مع الفصائل وضبط السلاح بيد الدولة، بل أنه محاولة لمنع استهداف القواعد الأميركية فقط تمهيداً للحوارات المرتقبة في واشنطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى ذلك، قال مستشار المركز العربي للدراسات الاستراتيجية يحيى الكبيسي، "لحظة المواجهة لا تزال بعيدة، لكن التساؤل المهم يتعلق بتعريف الدولة، فحملة السلاح هم المهيمنون على القرار السياسي داخل الدولة، بالتالي هم الدولة، وهذا هو الإشكال في العراق"، وأضاف لـ "اندبندنت عربية"، "المشكلة تتعلق بإرادة الفاعل السياسي الشيعي، هل يريد دولة بمنطقها الحقيقي أم يريد الإبقاء على السلاح العقائدي لأنه ما زال يخشى على قدرته في السيطرة على الدولة"، مبيناً أن "الفاعل السياسي الشيعي لم يحسم أمره بعد، وما زال يعتقد أنه بحاجة إلى السلاح العقائدي لضمان هيمنته على الدولة"، وتابع أن "حملة السلاح المهيمنين على الدولة والقرار السياسي وجدوا في لحظة ما أن مجيء الكاظمي ربما سيشكل نوعاً من المرحلة الانتقالية، بسبب الوضع الاقتصادي السيء وطبيعة المواجهة الأميركية- الإيرانية في العراق"، مشيراً إلى أن "هذه الجهات ما زالت تؤمن بالفكرة الإيرانية لعقد هدنة إلى الانتخابات الأميركية المقبلة لتحديد استراتيجية تعاطيهم، والكاظمي قبل بهذه المعادلة"، ولفت إلى أن "ما جرى مجرد محاولة لمنع استهداف القواعد الأميركية وليس قراراً ضد حملة السلاح"، مردفاً أن "هذا الإجراء جاء للحفاظ على شكل الدولة الرسمية قبل زيارة الكاظمي إلى واشنطن لإقناعهم أنه قادر على إيجاد تلك الهدنة".

مواجهة حتمية

أما الكاتب والصحافي علي رياض، فيعتقد أن "المواجهة أصبحت حتمية قبل أن تكون وشيكة، فكلا المعسكرين، معسكر الدولة الشرعية الذي يمثله اليوم مصطفى الكاظمي على الرغم من التحفظات عليه، ومعسكر الفصائل المسلحة التي كانت تمثل الدولة في حكومة عبد المهدي، تجاوزا مرحلة الصلح والتفاوض"، مبيناً أن "التصعيد والاتهامات المتبادلة بين الطرفين أنهت خيارات الهدنة ولن يحسم الصراع إلا بانتصار أحدهما"، وأضاف لـ "اندبندنت عربية"، "صراع الحكومة مع الفصائل المسلحة بات يعني هيبتها فضلاً عن كونه مفتاحاً ذهبياً للتفاوض المرتقب مع واشنطن"، واعتبر أن "مسألة الصراع مرهونة بحركة الكاظمي التالية، والتي ألمح لها الناطق باسم القائد العام يحيى رسول، بالقول إن التحقيقات هي التي ستحدد الخطوات المقبلة لحفظ هيبة الدولة، فضلاً عن أن جميع الأوساط المقربة من الكاظمي قرعت طبول الحرب المقبلة".

وخلص إلى أن "الفرصة الذهبية التي يتملكها الكاظمي الآن للقصاص من السلاح المنفلت، والمتهم باغتيال ناشطين ومهاجمة ساحات الاحتجاج، ستسهل الطريق له لتحقيق مهام حكومته الموقتة، وستجعل الشارع الذي يؤرقه رفضه المستمر لحكومته، سلاحاً فتاكاً ضد القوى غير المؤمنة بالدولة ونظامها".

المزيد من العالم العربي