الانتخابات البلدية في ليبيا... مفتاح لانفراج أو مزيد من التأزم بين الشرق والغرب

"الجيش الوطني" و"حكومة الوفاق" يرغبان في إجرائها إذ تكتسب أهمية خاصة من كونها ستجري في ظل انقسام سياسي وإداري معقد في البلاد

مواطن ليبي يمارس حقه بالاقتراع في الانتخابات البلدية في العام 2014 (اندبندنت عربية)

 

يُعتبر عام 2019 الحالي عاماً حاسماً بالنسبة إلى الانتخابات البلدية في ليبيا. وتكتسي تلك الانتخابات طابعاً مهماً جداً، قد يكون مرده إلى تدخل البلديات في الصراع السياسي الليبي، إذ شكّلت طرفاً بارزاً في جولات التفاوض والحوارات والاتفاقات التي أفضت إلى الوضع القائم حالياً في البلاد.
 
بلديات ليبيا... بداية متعثرة
 
وكانت معظم مدن ليبيا انتخبت في العام 2014، مجالسها البلدية، التي أدت اليمين القانونية في مايو (أيار) من العام ذاته. ولم تكد تلك البلديات تباشر عملها حتى أطلق قائد "الجيش الوطني" المشير خليفة حفتر "عملية الكرامة" في شرق البلاد، ثم بدأت عملية "فجر ليبيا" في العاصمة طرابلس في يوليو (تموز) 2014، ليتكرس بذلك الانقسام على مختلف الصعد.
قال عضو هيئة التدريس في جامعة سبها مسعود أحمد إن كل فريق من الخصوم السياسيين كان يسعى إلى أن يضمن جانب المجالس البلدية إلى صفه، بخاصة أن هذه المجالس تتمتع بشرعية كونها منتخبة، وضمان انحيازها لفريق ما سيعزز من قوته تجاه خصمه، كما أن المجالس البلدية كانت تسعى إلى ضمان الكثير من الصلاحيات والأموال التي تحتاجها لتسيّر الأعمال في مدنها وأيضاً لتقدم خدماتها لمَن انتخبوها.
يضيف مسعود "البلديات ايضاً دارت في فلك القبائل والمكونات الاجتماعية التي تنتمي إليها، وتحكمت فيها الجغرافيا، فانضوت بلديات الغرب تحت لواء فجر ليبيا، ما عدا بلديات الزنتان وما حولها. وتبعت بلديات الجنوب ايضاً تيار فجر ليبيا، ما عدا بعض بلديات التبو التي رأت في عملية الكرامة شرعيةً تفصلها عن تبعيتها لعاصمة الإقليم سبها، أما بلديات الشرق فبطبيعة الحال انضوت تحت عملية الكرامة".
 
دور جديد للبلديات 
 
في تلك الفترة، أصرّت الأمم المتحدة على إشراك المجالس البلدية في عمليات التفاوض بين الطرفين، التي شهدت زخماً كبيراً في العامين 2015 و2016، لأن كل الجهات المتفاوِضة آنذاك كانت أنهت ولايتها أو تكاد، فـ"المؤتمر الوطني العام" كانت ولايته انتهت منذ انتخاب البرلمان (يترأسه عقيلة صالح)، وكان إحياؤه على يد قوات "فجر ليبيا" غير مقبول من أطراف عدة، كما انتهت ولاية مجلس النواب منذ العام 2016 ولم توافق الأطراف المعادية له على تمديده هذه الولاية، هنا أضحت المجالس البلدية الجسم الوحيد المنتخب الذي يستمد قوته من شرعية صندوق الاقتراع.
أما بالنسبة إلى المنطقة الشرقية، فبادرت مؤسسة الجيش إلى تعيين مجالس بلدية عسكرية بديلة من تلك المدنية المنتخبة، في إطار سعيها إلى ضبط الأوضاع لتستكمل حربها مع الجماعات المتطرفة في بنغازي ودرنة. وخرجت بذلك تلك المجالس من المشهد تماماً، بعكس نظيراتها في الغرب والجنوب، التي تملك حضوراً واسعاً في المفاوضات. كما تتواصل مباشرةً مع الدول والمنظمات والبعثات الدولية.
 
 
إنهاء الولاية والبحث عن الشرعية
 
اقتربت غالبية المجالس البلدية مع انتصاف العام 2018، من انتهاء مدة ولاياتها، وصارت بحاجة إلى تجديد شرعيتها. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الانتخابات البلدية، التي ينظر إليها الجميع وسيلةً لتغيير آليات الضغط لمصلحة فريق أو آخر من الخصوم السياسيين.
وبدأت اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية بالتنسيق مع لجانها الفرعية استعداداً للاستحقاق الانتخابي الذي يسعى إليه الجميع هذا العام، إلا أن بعض الأصوات يدعو إلى تأجيل الانتخابات البلدية، بخاصة في ظل التطورات العسكرية الأخيرة التي تشهدها البلاد، والتي تحتاج إلى بعض الوقت حتى يُسْتشفّ ما يمكن أن ينتج منها. كما أن البعض ينادي بتعديل القانون الرقم 59 الخاص بالحكم المحلي.
 
أصوات تنادي بالتأجيل
 
في السياق نفسه، يقول عضو مجلس النواب علي السعيدي إن على البرلمان تعديل قانون الحكم المحلي، والعمل على منح وزير الحكم المحلي صلاحيات أوسع، تسمح له بتعيين عمداء البلديات بدل انتخابهم. وطالب السعيدي بتفعيل نظام المحافظات، الذي يعزز اللامركزية ويساعد في الاعتماد بشكل أكبر على السلطات المحلية، مشيراً إلى أن اجراء انتخابات في هذه الفترة قد يزيد تدهور الأوضاع المعيشية.
كذلك يرى متابعون أن انتخاب رئيس بلدية يعني عدم التمكن من محاسبته، فهو يملك حصانة انتخابية، وهذا ما دفع السعيدي للدعوة إلى عدم انتخاب مجالس بلدية إلى حين تشكيل حكومة وحدة وطنية ترعى هذه الانتخابات وتضمن شفافيتها، بخاصة أن "تجربة الحكم المحلي في ليبيا تُعتبر جديدة تماماً ولم يستوعبها الناخبون فضلاً عن المنتخَبين".
 
هل يمكن تجاوز العثرات؟
 
في المقابل، يدافع رئيس اللجنة الفرعية لانتخاب المجلس البلدي في سبها، ابراهيم زيد عن الانتخابات البلدية، ويرى أنها فرصة لتصحيح المسار وتدارك الاخطاء التي حصلت في الانتخابات السابقة، مشيراً إلى أن الاستحقاق المقبل سيشهد اقتراعاً وفق نظام القوائم، الذي يقلل من احتمال توزّع اصوات الناخبين. 

 

أضاف زيد أن "اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية فتحت باب التسجيل أمام الراغبين في الترشح لعضوية المجالس البلدية في أربع بلديات هي مصراتة، وزليتن، والجفرة، وسبها، بين 18 و25 مارس (آذار) الحالي".
تالياً تدخل الاستعدادات للانتخابات مرحلةً جدية قد تدفع باتجاه استقطاب حاد جديد بين أطراف المعادلة الليبية، وستطرح في الوقت ذاته، في حال اجرائها، واقعاً جديداً يسمح بتحريك الأزمة الليبية نحو الانفراج أو التأزم، بخاصة ان حكومة الوفاق الوطني تعوّل كثيراً على هذا الاستحقاق لتكريس وضعها المسيطر على جزء واسع من بلديات ليبيا ولو إدارياً، وهذا ما يساعدها على وضع خططها التفاوضية وإطالة أمد المنافسة مع غريمها في الشرق.
كما يعول "الجيش الوطني" على هذه الانتخابات لتكريس صورة يكون فيها الصندوق خياراً وحيداً للجميع، إذ يريد أن يؤسس لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل الاستفتاء على الدستور.
وبين تطلعات "الجيش الوطني" وآمال "حكومة الوفاق"، لا يعلم أحد المشهد الذي قد تفرزه هذه الانتخابات التي تكتسب أهميتها من كونها ستجري في ظل انقسام سياسي وإداري معقد في ليبيا.

المزيد من العالم العربي