Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القناع وجه آخر لبث الرعب وإخفاء الذات

بات رمزاً للمطالبة بإحقاق العدل والدفاع عن الضعيف ضد المتسلّط القوي

من تظاهرة في هونغ كونغ (أ ف ب)

في الأشهر الأخيرة، أُجبِر عدد كبير من البشر على ارتداء "القناع الطبي" من أجل الحماية أو عدم نقل عدوى فيروس كورونا. كان الأمر في البداية اختيارياً، وسرعان ما بات إجبارياً في معظم الدول التي قررت التخفيف من إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، فكان مقابل القليل من الحرية الجسدية في العمل والتنقّل والترفيه واللقاءات، قيد أساسي، وهو ارتداء القناع على الوجه لتغطية الأنف والفم.

القناع كمخبأ

كُثُر من "المقنّعين" الجدد أبدوا استنكارهم لهذا الإخفاء الإجباري لقسمات وجوههم، واعتبر بعض علماء الاجتماع أن إخفاء القسمات الذي فرضه القناع أصعب من العزلة الإجبارية ومن التباعد الاجتماعي، لأن البشر بطبيعتهم يتعرفون على بعضهم من خلال قسمات وجوههم  خصوصاً أن الوجه نفسه يمكنه أن يكون قناعاً ذا تعبيرات معينة في حالات مختلفة. فوجه الشخص الآخر يُعلمنا بحالته النفسية إذا ما كان حزيناً، أو مسروراً، أو قلقاً، أو منشرحاً، أو ذا ثقة بالنفس، أو ضعيف الشخصية...إلخ.

فالوجه قبل أن يوضع عليه أي غطاء يشكّل قناعاً لصاحبه يتقدّم به إلى الآخرين، ويُعرّف من خلاله عن نفسه. لكن القناع الطبي يأتي ليخبىء هذا القناع "الأصلي"، أو الذي يتربى معنا ونربى معه منذ نشأتنا، قبل أن نجعل لأنفسنا أقنعة مختلفة لمعالجة أمور حياتنا، والتأقلم مع الظروف المحيطة بنا.

لذا يأتي القناع الطبي "الكوروني" ليكون ذا فائدة ومصلحة لكثر من الناس الذين يرهقهم تركيب الوجوه المختلفة فوق وجوههم، أو الخجلين منهم أو التواقين إلى عدم التعبير عن مشاعرهم تجاه الآخرين.

لكنه في الوقت عينه كان عائقاً أمام الذي يتمتعون بالوسامة والنجومية بسبب مظهرهم، والذين يعرفون كيف يستخدمون أقنعة وجوههم لإبهار الآخرين وجذبهم كأصحاب "الكاريزما"، مثلا. لذا دأبت دور الأزياء والموضة على إيجاد أقنعة، وكمامات خاصة بهؤلاء ذات ألوان وتصاميم مختلفة بعضها مطرّز وبعضها شفاف، وأخرى تحمل صورة أنف وفم الشخص، ليبدو كأنه لا يرتدي قناعاً.

القناع كوسيلة دفاع

لو ابتعدنا قليلاً عن قناع الوجه الشخصي، وقناع الفيروس المستجد الذي يقتحم العالم اليوم، هناك القناع النفسي الذي يمتلكه كل إنسان، وقد حلّله عالم النفس كارل يونغ مطلقاً عليه لفظ "برسونا" أو "الوجه المزيّف"، ومعناه "القناع" باللغة اليونانية القديمة، وهو الوجه الذي يتقدم به الإنسان للمجتمع.

 بحسب يونغ يكون هذا القناع مشروطاً بوضع الفرد الاجتماعى ووظيفته وجنسيته، وثمة العديد من الأقنعة التي نلجأ إليها في المواقف المختلفة، لكننا نتبنى قناعاً عاماً يجعل التبادل الاجتماعي أمراً ممكناً. ورأى كارل يونغ، أن اختلال التوازن ما بين الإنسان وأقنعته يؤدي إلى مشاكل جمة للفرد وللمجتمع على السواء.

وبرأي الفيلسوف أليساندرو بيزورنو صاحب كتاب "مقال عن القناع، 2005"، فإنه يُخفي ويَكشف في الوقت ذاته. في البداية، تجد القناع في العائلة. إنك تعتقد أن لا أحد يملكه، بعد ذلك تدرك أن الآخرين يضعونه.

هكذا يبدأ المسار الطويل الشاق للتدّرب على التعامل مع القناع. فتصبح مُلاحِظ وممثل، تسعى لفهم ما يكمن خلف القناع الذي يضعه الآخرون، وفي الوقت نفسه تحاول صناعة قناعك الأفضل حتى تحمي نفسك من الآخرين.

وحين تغدو مراهقاً تقرر ارتداءه وأنت غير متيقن من الأمر الذي تحاول إخفاءه، فتبحث عن الأقنعة الأكثر غموضاً أو الأكثر إخافة، أو الشاذ منها. وتروح تكبر داخل القناع الذي صنعته بنفسك، وتصبح مجبراً على ارتدائه.

أما لدى المسنين فمن المحتمل أن تتوقف هذه التواصلات الداخلية، ويصبح كل شيء قناعاً ويتحوّل إلى صمت متكرّر تجاه الآخرين ولامبالاة بهم. وأكثر المسنّين يرتدون قناع الموت  فيصبح واحدهم غير عابئ بالآخرين الذين يرونه عديم الفائدة. لذلك تصبح أقنعتهم كالأقنعة التي يجمعها علماء الآثار من مواقع الحفر، كأنها أثر تاريخي.

غموض القناع المادي

يثير القناع الغموض بالتأكيد، والخوف في كثير من الأحيان. حين يذاع أي خبر عن "شخص مقنّع" لا بد أن هذه العبارة ستثير شعوراً باللاطمأنينة لدى السامع. فالطبيعي هو انكشاف الوجه  أما تغطيته فاستثناء، ولكن بعض الأقنعة تثير الشعور بالأمان، كقناع الطبيب الجرّاح، أو القناع المضاد للغازات السامة، أو أقنعة الممثلين في المسارح، أو أقنعة المهرجين، وحتى تزيين الوجه بالألوان والمساحيق لدى النساء غالباً ما يثير الارتياح لدى الناظر إليهن، فيما لو اعتبرنا التجمّل بالمساحيق قناعاً.

لكن يقال إن هدف بث الرعب والخوف في نفوس الأعداء كان أول هدف للأقنعة، فقد دلّت الحفريات الكثيرة على أن المحاربين القدماء في العصر البرونزي وربما قبله كانوا يغطّون وجوههم بالألوان وجلود الحيوانات خلال الهجوم والإغارة.

وهذه العادة كانت معروفة أيضاً عند الإغريق والرومان، وخلال القرون الوسطى في أوروبا  وحتى عند المقاتلين الساموراي في اليابان، وقبائل الهنود الحمر في أميركا. لهذا كان على القناع أن يمثِّل وجهاً ضخماً، قبيحاً وغاضباً، أو طلاء الوجه بألوان وخطوط تجعله كذلك.

ولم يبق القناع سبباً للإرهاب وبثّ الرعب فقط، بل أضيف إليه دور الحماية فأصبحت البزَّات والدروع المعدنية التي يعلوها قناع معدني بدوره يغطي الوجه، من مستلزمات الفروسية خلال الحروب الصليبية، وأيضاً خلال المبارزات الرياضية العسكرية.

"V فور فنديتا"

أي قناع الوجه الأبيض ذي الوجنتين المتوردتين، الذي يتميّز بابتسامته المتحجرة والشاربين المقوسين واللحية الصغيرة فوق الذقن الرفيعة بشكل حاد. إنه قناع "V" الذي صار يطلّ علينا من أينما كان في العالم عبر شاشات التلفزيون، وغالباً في مشاهد التظاهرات والاحتجاجات الشبابية.

تعود قصة هذا القناع إلى سلسلة الكتب المصوَّرة بعنوان "في. فور فانديتا" التي بدأت بالظهور عام 1982، واستوحت سيرة شخص إنجليزي قديم يُدعى غاي فوكس حاول أن يفجِّر البرلمان البريطاني عام 1605، ولكن مؤامرته أحبطت.

في العام 2005، تصوير فيلم "V for Vendetta" المستوحى من الكتب المصوّرة، وليس من شخصية غاي فوكس غير المحبوب. وكان القناع الذي يغطي وجه البطل المجهول، الذي صمّمه دايفيد لويد، من أقوى عناصر الفيلم.

في العام 2008، عندما نشطت مجموعة من قراصنة الإنترنت أطلقت على نفسها اسم "المجهولون"، احتاجت إلى عنصر بصري يعبر عنها دون الإفصاح عن هوية أعضائها فاختارت قناع "V" للدلالة على نفسها، وعلى سعيها إلى محاربة كبريات الشركات المسيطرة على الشبكة.

وبسرعة تلقّف هذا القناع، المحتجون على الأوضاع الاقتصادية في أميركا، الذين عُرفوا باسم "احتلوا وول ستريت"، وراحوا يرتدون هذه الأقنعة في تظاهراتهم في مدينة نيويورك. ولأن هذه الحركة الاحتجاجية تفشَّت في مدن وبلدان عدة، راح قناعV  يظهر أينما كان في مواجهة الشرطة من لندن إلى سيدني في أستراليا.

يقول الباحث عبود عطية في بحثه "القناع" (مجلة القافلة -2013) إننا لو قرأنا بتمعن استخدامات قناع فانديتا، المستمرة اليوم في التوسّع، للاحظنا أنها وإن كانت في البدء تقتصر على تخبئة الهوية عند قراصنة الإنترنت، فإنها تحوّلت بسرعة إلى رمز للإعلان عن موقف.

فالمتظاهرون في "احتلوا وول ستريت" قادوا حركة علنية، والقناع تحوّل إلى رمز، أو إلى جزء من زينة أي تظاهرة حول العالم، أكثر منه مسعى لإخفاء الحقيقة. فقد أصبح هذا القناع رمزاً للمطالبة بإحقاق العدل، والدفاع عن الضعيف ضد المتسلّط القوي. بعبارة أخرى، بات القناع مثالاً للإعلان عن موقف فكري وأخلاقي. وفي هذا عودة إلى ما كان عليه القناع في أولى الوظائف التي عرفها قبل آلاف السنين، برأي الباحث عطية.