Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يكفي قانون الاقتراض لحل الأزمة المالية في العراق؟

القطاع المصرفي سيتحمّل العبء الأكبر منه والبنك المركزي سيُضطر إلى استخدام الاحتياطي النقدي لتلبية متطلبات الدين

يعتبر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن الحكومة جاءت في وضع اقتصادي منهار (مواقع التواصل الاجتماعي)

أقرّ البرلمان العراقي في 24 يونيو (حزيران) الحالي، قانوناً يتيح للحكومة الاقتراض الداخلي والخارجي لتجاوز الأزمة المالية التي خلّفها انتشار فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط، ما فتح الباب أمام تساؤلات عدّة حول تبعاته على مستقبل التنمية في البلاد، فضلاً عن مدى جدية حكومة (مصطفى) الكاظمي إجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية.

وصادق رئيس الجمهورية برهم صالح، اليوم الخميس (25 يونيو)، على قانون الاقتراض المحلي والخارجي لتمويل العجز المالي، مؤكداً في بيان أن "الموافقة تأتي للخروج من الأزمة المالية التي تمرّ بها البلاد في ظلّ تفشي جائحة كورونا ولتمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين والنفقات الحكومية الضرورية"، فيما شدّد على "وجوب ترشيد الإنفاق الحكومي في المرحلة الراهنة".

ويحدّد القانون السقف الأعلى للقروض الخارجية بخمسة مليارات دولار، فيما حدّد القروض الداخلية بـ 15 ترليون دينار (13 مليار دولار) كحدٍ أقصى.

وبحسب القانون، فإن البرلمان خوّل وزير المالية "صلاحية الاقتراض محلياً وخارجياً من خلال إصدار حوالات الخزينة والسندات والقروض المحلية"، في حين يلزم القانون الحكومة، "تقديم برنامج للإصلاح الاقتصادي إلى البرلمان في فترة لا تتجاوز 60 يوماً من تاريخ إقرار هذا القانون".

حاجة ملحّة

وعلى الرغم من إتاحة القانون للحكومة الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية والبنوك الأجنبية لتمويل النفقات العامة، إلّا أنّه يشترط أن "تخصّص مبالغ القروض الخارجية للمشاريع الاستثمارية وتنمية الأقاليم، مع مراعاة أن تكون أولوية التمويل للمحافظات الأقلّ تمويلاً في السنوات السابقة".

في المقابل، قال عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي شيروان ميرزا إن "اللجنة لمست حاجة الحكومة الملحّة إلى الاقتراض من خلال لقاءات عدّة مع وزيري المالية والتخطيط ومحافظ البنك المركزي".

وكشف لـ"اندبندنت عربية" عن أن "وزير المالية عبّر للجنة المالية صراحةً عن عجز الحكومة لجهة سداد رواتب شهرَيْ يونيو ويوليو (حزيران وتموز) المقبلين، الأمر الذي دفعنا إلى التصويت على القانون"، مشيراً إلى أن "واردات النفط العراقي لا تكفي لحلّ هذه الإشكالية".

وعن إمكانية تأثير الاقتراض في قوة النقد المحلي، بيّن ميرزا أن "الأولوية للمحافظة على سعر صرف الدينار أمام الدولار"، لافتاً إلى أن "التقديرات توضح أن الاحتياطي النقدي للبنك المركزي يصل إلى حدود 80 مليار دولار، فضلاً عن الذهب وعملات أجنبية أخرى".

وختم أن "اللجنة المالية اجتمعت مع وزيري المالية والتخطيط ومحافظ البنك المركزي وحُدّد حجم الاقتراض بعد التشاور مع تلك الجهات".

حملة جديدة ومعرقلات عدّة

وكانت حكومة الكاظمي قد بدأت إجراءات إصلاحية عدّة من خلال معالجة قضية ازدواج الرواتب، فضلاً عن محاولات زيادة إيرادات الدولة من الشركات الحكومية، فيما أعلنت عزمها على اتّخاذ إجراءات في إطار متابعة قضية الجمارك والضرائب والمنافذ الحدودية، ضمن مساعي تنويع مصادر الدخل وزيادة إيرادات الموازنة العامة للبلاد، إلّا أنّ ذلك قد يصطدم بمصالح لأحزاب سياسية تُتّهم بملفات فساد كبيرة في هذه المفاصل، الأمر الذي قد يعرقل إمكانية الشروع بإصلاحات اقتصادية جدّية.

وتوعّد رئيس الوزراء العراقي، القيام بحملة كبيرة ضد الفساد في مقدمّها العمل على ضبط الحدود الخارجية.

وقال في تصريحات صحافية إن "هناك حملة ستنطلق ضد عصابات وأصحاب نفوذ تسيطر على المنافذ الحدودية لردّ الاعتبار والقضاء على الفساد داخلها".

وأضاف، أن "الحكومة لن تسمح لأي طرف بتهديد العراق وأمنه، ونرفض المغامرات الخارجية في البلاد"، مشيراً إلى أن "تغييرات في مواقع الدولة ستُجرى وأن هناك أطرافاً ستتضرّر".

وتابع الكاظمي أن "وقت إنجاز التحدّيات الاقتصادية قد بدأ الآن، وأولوياتنا هي التوزيع العادل للثروات وعدم تعويض بعض العراقيين على حساب الفقراء".

أفضل الخيارات السيئة

ويبدو أن الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد لن تنتهي في وقت قريب، إذ حذّر وزير المالية علي علاوي من أن الاقتصاد العراقي قد يواجه صدمات غير قابلة للعلاج، ما لم تُتَّخذ إجراءات إصلاحية خلال أقل من عام، فيما دعا العراقيين إلى الاستعداد لتقشّف قد يستمر لعامين.

في سياق متصل، اعتبر استاذ الاقتصاد أحمد صبيح التوجه نحو الاقتراض لسدّ العجز "أفضل الخيارات السيئة"، مبيناً أن "الحلول الأخرى قد تتضمّن إشكالات أكبر لا تصبّ في صالح المواطن العراقي، منها تخفيض سعر الصرف الذي قد يؤدي إلى تضخّم وانكماش تضخّمي".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن "الاقتراض الداخلي أكثر جدوى من الخارجي، لأنه بسعر فائدة بسيط"، مشيراً إلى أن "هذه الحلول تُعدُّ معالجات آنية وليست طويلة المدى والسبب يعود إلى عدم وجود سياسات اقتصادية سليمة".

وعن الاختلال الاقتصادي الذي سيخلّفه الاقتراض، شرح صبيح أن "هذه الإجراءات ستبقي العراق في دائرة خدمة الديون، وستتّجه الأموال مستقبلاً لخدمة الديون بدلاً من التنمية التي تعاني معدلات منخفضة".

استنزاف حقوق العراق من صندوق النقد الدولي

ورجّح صبيح ألّا يقرض صندوق النقد الدولي العراق أية أموال نتيجة "استنزاف حقوق السحب الخاصة للبلاد"، مشيراً إلى أن "الاقتراض من الدول قد يكون تحدّياً كبيراً، بخاصة أنها تعاني عجزاً في الوقت الراهن نتيجة انتشار فيروس كورونا، والمؤسسات الأجنبية قد تقرض بغداد بشروط صعبة وأسعار فائدة عالية".

ولفت إلى أن "العبء الأكبر سيتحمّله القطاع المصرفي، كونه يمتلك غالبية السيولة في اقتصاد عانى من كساد طويل انعكس على انخفاض حاد في موارده"، مبيناً أن "المصارف الحكومية ستتحمّل الوزر الأكبر من الاقتراض، فضلاً عن البنك المركزي الذي سيُضطر إلى استخدام الاحتياطي النقدي لتلبية متطلّبات الدين".

ولفت إلى أنه "ليس شرطاً الاستدانة من المؤسسات الدولية، لدينا أموال يستثمرها العراق في سندات الخزينة الأميركية بسعر فائدة منخفض، من المفترض استرجاعها واستثمارها داخلياً بدلاً من اقتراض بفوائد عالية"، مستدركاً أن "الحصول على تلك الأموال أمر صعب نتيجة الهيمنة الأميركية على القرار السياسي والاقتصادي في العراق".

32 مليار دولار ديون داخلية

أما المدير السابق للعمليات في البنك المركزي محمود داغر، فكشف في حديث لـ "اندبندنت عربية" عن أن "حجم ديون المصارف الحكومية الثلاثة الرئيسة، إضافةً إلى البنك المركزي تُقدّر بنحو 38 ترليون دينار (32 مليار دولار)"، موضحاً أن "حصة البنك المركزي من تلك الديون تُقدّر بنحو 14 ترليون دينار (11.7 مليار دولار) والمتبقي للمصارف الحكومية".

وأشار إلى أن "المصارف الحكومية لديها سيولة نسبياً وبالإمكان السحب منها، وفي حال عدم قدرتها على الإدانة، يتم اللجوء إلى البنك المركزي لتسييل وخصم الحوالات التي لا يستطيعون تغطيتها"، مردفاً "الاستدانة ستكون على أشكال عدّة منها حوالات خزينة وسندات خزينة مقابل حجم فائدة معين".

وختم أنه "على الرغم من حاجة الحكومة إلى الاقتراض لمواجهة الأزمة خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكن في المقابل لا بد من إجراءات متوسطة وطويلة الأمد للإصلاح الاقتصادي الذي من دونه لن نستطيع الصمود طويلاً".

وكان محافظ البنك المركزي علي العلّاق، قد كشف في وقت سابق عن أن حجم ديون العراق الخارجية تبلغ نحو 23 مليار دولار، عدا الديون المترتّبة على البلاد قبل عام 2003 والبالغة 40.9 مليار دولار.

على خطى الحكومات السابقة

ولعلّ خيار الاقتراض الداخلي والخارجي أثار تساؤلات عدّة حول جدية الحكومة في المضي بخيارات أخرى لتجاوز الأزمة المالية، أبرزها استعادة الأموال المنهوبة نتيجة الفساد المالي في البلاد.

وقال أستاذ العلوم السياسية قحطان الخفاجي إن "المشكلة الأساسية هي عدم وجود خطط اقتصادية حقيقية في جعبة حكومة الكاظمي"، مبيناً أن "غياب الخطط والاستراتيجية الاقتصادية واستمرار تحكّم الفاسدين في المفاصل الاقتصادية للبلاد، يعني أن الاقتراض لن يكون مجدياً سوى لسداد أجور الموظفين".

وأوضح لـ"اندبندنت عربية" أن "الإصلاح الاقتصادي يجب أن يبدأ من خلال إجراءات محاسَبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة من خزينة الدولة، وليس السير على خطى الحكومات السابقة".

وأشار الخفاجي إلى أن "الأموال المنهوبة لن تعود في ظلّ وجود هذه الطبقة السياسية"، معتبراً الشروع بملف الاقتراض "رسالة عدم رغبة من الحكومة في المضي نحو إجراءات أكثر صرامة، منها ملاحقة الفساد واستعادة الأموال المهرّبة والمنهوبة".

وشدّد على ضرورة "اقتران ملف الاقتراض بخطة إصلاحية لمكافحة الفساد وخطط تقشفية في ظلّ أزمة المال"، لافتاً إلى أن "عدم وجود خطط من هذا النوع يعني أن الأموال المقتَرَضة ستُبدّد".