معرض باريس للكتاب يحتفي بأوروبا ...والأدب السلوفاكي المجهول

عُمان "ضيف خاص" والجناح السعودي يحيي نشاطه

من معرض باريس للكتاب (اندبندنت عربية)

ما برحت العاصمة الفرنسيّة تحتفل بمهرجانها الدولي للكتاب الذي يستمرّ حتى ليل غد الاثنين. ويضمّ المهرجان نحو خمسمئة دار نشر ومكتبة فرنسيّة وفرنكوفونيّة من حول العالم. كتّاب وروائيّون وشعراء وصحافيّون وفلاسفة وعلماء اجتماع ونقّاد يجتمعون في مكان واحد، إمّا في جلسات نقاش وندوات حول الأدب والفلسفة والفكر، وإمّا في إطار حفلات توقيع في جوّ من التبادل الثقافيّ الأنيق. وينتظر القراء الفرنسيون هذه المناسبة السنوية ليطلعوا على جديد دور النشر مع أن باريس تضم ستّة عشر ألف مكتبة تواكب بدورها كل جديد في عالم الكتب.

ويُعتبر معرض باريس للكتاب من أبرز المعارض الدوليّة، فهو يستقطب كلّ عام ما يقارب 165 ألف زائر، يفدون إليه في كلّ عام على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم وجنسيّاتهم بهدف الاطّلاع على أبرز ما أنتجه كتّابهم المفضّلون. حتّى الأطفال لهم حصّتهم في المعرض، فيجد الزائر نفسه أمام طفلٍ يحمل قصّة في كلّ زاوية وإلى كلّ حائط، كما يجد أينما نظر، كاتبًا يقرأ لأطفال متحلّقين حوله بانتباه وخشوع.

ويأتي روّاد المعرض لمقابلة زهاء ثلاثة آلاف كاتب وكاتبة يأتون ليوقّعوا كتبهم أو ليلقوا محاضرات وندوات حول الأدب والفلسفة والسياسة وغيرها من الأمور. ومن أبرز الوجوه في المعرض هذه السنة أدباء وكتّاب عالميّون، منهم: أميلي نوتومب وأورهان باموق ودوغلاس كينيدي وإيمانويل بوتي وغيرهم كثر إضافة إلى كتاب من دولة سلوفاكيا التي يستضيفها المعرض هذه السنة إضافة إلى احتفاله بأوروبا، علاوة على كتّاب عرب لاسيما من سلطنة عمان التي اختارها المعرض ضيفاً خاصاً على غرار إمارة الشارقة التي استضافها العام الماضي. أمّا من الكتّاب العرب فأبرز مَن يظهر في حفلات توقيع كتب صادرة حديثاً باللغة الفرنسيّة الروائي الجزائري واسيني الأعرج والمغربيّ الطاهر بن جلّون إضافة إلى الكتاب العمانيين مثل الشاعر سيف الرحبي والروائية جوخة الحارثي وسواهما.

ويتميّز معرض باريس للكتاب هذه السنة بضيف الشرف الذي يحتفي به. ففي سنة، ومنذ العام 1981، السنة التي بدأ بها المعرض، تُحدّد دولة لتكون ضيف الشرف فتحلّ على المعرض وتكرّم ويركّز على أدبها وثقافتها وحضارتها. وبينما كانت دولة المغرب ضيف معرض الكتاب للعام 2017، وروسيا ضيف العام 2018، اختارت لجنة معرض باريس أن تكون أوروبّا ضيف الشرف لهذا العام. إنّ ضيف معرض باريس للكتاب هذه السنة ليس بلدًا كما هي العادة في ذلك، إنّما هو قارّة بحالها، وكأنّ باريس أرادت شدّ الأواصر الأوروبّيّة عبر الثقافة والكتاب تذكيراً منها بضرورة الاتّحاد والتضامن في ظلّ الظروف السياسيّة الحاليّة المضطربة وليس الاحتفال بدولة سلوفاكيا إلا جزءاً من هذه الاحتفالية الكبيرة.

دور النشر، الكبيرة منها والصغيرة على حدّ سواء، تحتفل بدورها بهذا المعرض. وقد برز الحضور اللافت لكلّ من غاليمار وأكت سود وسوي وألبان ميشال وسواها مما يصعب إحصاؤه. وتعتبر المكتبات ودور النشر هذا الحدث الثقافيّ الفرنكوفونيّ الذي يحلّ مرّة واحدة في العام نوعاً من لمّ شمل للمتخصّصين والقرّاء والصحافيّين من مختلف الدول.

وكان للحضور العربيّ دوره في هذه الاحتفاليّة الكبيرة. وبينما يُتوقّع الحضور الجميل والصلب لدول شمال أفريقيا كالمغرب والجزائر وتونس لعلاقتها الوثيقة والراسخة بباريس، ظهرت دور نشر أخرى ودول أخرى قامت بعمل ثقافيّ مشجّع ومهمّ. فبرز جناح سلطنة عمان التي تعد ضيفاً خاصاً هذه السنة وكذلك جناح السعوديّة بنشاطاته المتعدّدة وسلسلة اللقاءات والندوات التي تتناول أنثروبولوجيا الجزيرة العربيّة والحكايا الشعبيّة السعوديّة وغيرها من الموضوعات التي تسلّط الضوء على حضارة المملكة وتراثها وتاريخها ورواياتها وأدبها.

ويقول الدكتور عبد الله الثنيان الملحق الثقافيّ السعوديّ في فرنسا وسويسرا "إنّ معرض باريس للكتاب هو الفرصة المناسبة لتقديم الحراك الثقافيّ السعوديّ. فالمملكة تشارك في هذا المعرض للمرّة السابعة على التوالي، والمشهد في تحسّن مستمرّ". ويؤكّد الثنيان حرص المملكة على الوجود في هذا الحدث الفرنكوفونيّ البالغ الأثر، ويشير إلى رغبة المملكة في توجيه العمل الثقافيّ نحو أمرين اثنين بالغي الأهمّيّة، أوّلهما تعزيز حركة ترجمة المؤلّفات السعوديّة إلى الفرنسيّة على اختلاف مجالاتها بهدف تعريف القارئ الفرنسيّ على السعوديّة وأدبها وثقافتها وتاريخها، وثانيهما هو إحياء نشاطات وورش عمل ولقاءات ثقافيّة لحثّ الزوّار الأجانب على التقرّب من الأدب السعوديّ الذي لا يزال بعيداً بعض البعد عن المجتمع الثقافيّ الفرنسيّ والفرنكوفونيّ.

أمّا الروائيّ السعوديّ منذر قبّاني الذي صادف أن كان في جناح المملكة بانتظار المشاركة في ندوة حول المشهد الإبداعيّ السعوديّ، فيشيد بجيل الروائيّين السعوديّين الذين ينتمي إليهم ويضيف: "إنّ القرّاء يجهلون مدى تأثير الرواية السعوديّة في المشهد الأدبيّ العربيّ اليوم، كما يجهلون الخطوات المهمّة التي قام بها الروائيّون السعوديّون ليتمكّنوا من إثبات نفسهم وإثبات روايتهم". ويؤكّد الروائيّ قبّاني الذي يحلّ ضيفاً على المعرض لمناسبة ترجمة إحدى رواياته إلى الفرنسيّة، "أنّ هدف الروائيّين السعوديّين هو بلوغ العالميّة بأعمالهم، عسى أن تكون خطوة الترجمة إلى الفرنسيّة هي الخطوة الأولى نحو أعمال ترجمة إلى لغات أخرى، وتوجّهاً نحو الاعتراف بالمجهود الهائل الذي يقوم به الروائيّون السعوديّون".

واستهلت سلطنة عمان برنامجها الثقافي الشامل بتقديم الأوركسترا السمفونية العمانية معزوفة السلام، ثم افتتحت مشاركتها "ضيفاً خاصاً" بتدشين الجناح العماني تحت عنوان شامل هو "السلام من خلال الكتب المفتوحة".

وترأس وفد السلطنة الدكتور عبد المنعم بن منصور الحسني وزير الإعلام، وبمشاركة وفد رسمي وجمع من المثقفين والأدباء والناشرين. واعتبر معرض باريس اختيار السلطنة "ضيفاً خاصاً" بأنه "تتويج لتاريخ طويل من التبادلات الثقافية بين عمان وفرنسا، والاعتراف بالدور الرائد للكتاب العماني في المشهد الثقافي الإقليمي".

وتشارك السلطنة بجناح يضم مخطوطات قديمة تمثل جانباً مهماً من الإرث الحضاري العماني إضافة إلى نحو 190 عنواناً في مختلف العلوم والفنون الإنسانية، بعضها باللغة الإنجليزية إضافة إلى 37 عنواناً مترجماً للغة الفرنسية. وتحضر الفنون التشكيلية واللوحات الضوئية لتعطي ملمحاً من ملامح تطور الفنون في السلطنة، إضافة إلى المشغولات اليدوية العمانية باعتبارها ملمحاً من ملامح التطور الحضاري العماني عبر الزمن. إضافة إلى ندوات ثقافية وفكرية وأمسيات شعرية وحوارات سياسية تستقصي تاريخ العلاقات العمانية الفرنسية.

 

المزيد من