Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكرر أميركا "خطأ" أفغانستان في ليبيا؟

واشنطن أعطت باكستان نفوذاً في كابول ولا يجب أن تغض الطرف عن التسليح التركي لحكومة "الوفاق"

تهدد الشواهد في ليبيا حالياً بوضعٍ أكثر انفجاراً على غرار أفغانستان عام 1980 (أ ف ب)

في فبراير (شباط) عام 2015، خلال قمة ميونيخ للأمن حذّرت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت، فيدريكا موغيريني، من مخاطر انفجار ليبيا بالنسبة إلى أوروبا، مشيرة إلى تحوّل ليبيا إلى ملاذ للإرهابيين، وهو التحذير ذاته الذي ردده الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وقتها، قائلاً إن الإرهابيين في بعض مناطق ليبيا يهددون أمن المنطقة، حيث كانت عناصر "داعش" بدأت تعلن عن نفسها، فضلاً عن التنظيمات الأخرى مثل "أنصار الشريعة" التي أدرجها مجلس الأمن على لائحة الإرهاب في عام 2014.

على الرغم من المخاوف الأوروبية المتواصلة حيال تحول ليبيا إلى ملاذ آمن للإرهابيين تنطلق منه العمليات الإرهابية إلى دول القارة العجوز وغيرها في الشرق الأوسط وحتى الولايات المتحدة، فإنه مع تحوّل البلد المطل على البحر المتوسط إلى معركة بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، فإن الشواهد تهدد بوضعٍ أكثر انفجاراً على غرار أفغانستان عندما أقنع زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الرئيس جيمي كارتر عام 1980 بأن تسليح ودعم الجماعات الإسلامية المتطرفة في أفغانستان سيكون استراتيجية فعالة في مواجهة الجيش السوفيتي الذي ذهب لدعم حكومة موالية له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما أشبه الليلة بالبارحة، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان استطاع الحصول على ضوء أخضر من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تلتزم الصمت حيال نقله آلاف العناصر الإرهابية من سوريا إلى ليبيا، تحت ذريعة مواجهة النفوذ الروسي في البلد الواقع في شمال أفريقيا. فهل لم تتعلم الولايات المتحدة الدرس؟ وتذهب نحو تكرار خطأ كانت إحدى نتائجه متمثلة في هجوم دموي حصد نحو 3 آلاف شخص في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، فضلاً عن توريطها في حرب كبدتها آلاف الأرواح ومليارات الدولارات.

أفغانستان 1979

مرت أفغانستان خلال السبعينيات باضطرابات سياسية كبيرة، بدأت بانقلاب عسكري وإنهاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية عام 1973 على يد محمد داود خان. وفي منتصف السبعينيات، خطط الإسلاميون مراراً لانقلابات عسكرية والاستيلاء على الحكم. حدث ذلك أولا في عام 1974 لكن نظام داود اكتشف المؤامرة وسجن قادة التحرك ممن لم يتمكنوا من الهرب إلى باكستان. وفي العالم التالي حاول الإسلاميون الانتفاضة مجدداً في وادي بنجشير وفشلوا وفر القادة الإسلاميون إلى باكستان.

وبحسب مجلة "ميدل إيست ريفيو"، في عدد مارس (آذار) 2002، فإن إسلام آباد وجدت أن دعم حركة إسلامية أفغانية يمنح باكستان نفوذًاً طويل الأمد حال سعت أفغانستان إلى تحدي جارتها الشرقية استراتيجياً. وبوجود قوة متعاطفة في أفغانستان، ستكون باكستان أكثر قدرة على التأثير في الحكم لدى جارتها. وهكذا، في منتصف السبعينيات بدأت المخابرات الباكستانية علاقاتها مع المعارضة الإسلامية في أفغانستان.

 

داخلياً استمرت الاضطرابات وأُطيح النظام الجديد لداود في أبريل (نيسان) 1978 على يد حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، الماركسي، حيث أصبح نور تراكي السكرتير العام للحزب رئيساً للمجلس الثوري ورئيس وزراء جمهورية أفغانستان الديمقراطية. ورحب الاتحاد السوفياتي بالنظام الجديد بتدفق كبير من المساعدات، لكن الأمور لم تسر كما تشتهي السفن إذ نشبت الصراعات على السلطة بين جناحين من حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، وهما "خلق" الذين كان يقودهم تراكي، و"برشم" بقيادة حفيظ الله أمين، واشتعلت الثورة في نورستان شرق أفغانستان.

وفي سبتمبر عام 1979، استولى أمين على الحكم وقتل تراكي في القصر الرئاسي. سعى الاتحاد السوفياتي إلى إنقاذ نفوذه في أفغانستان، لكن أمين على الرغم من العلاقة القوية التي جمعته بالسوفيات فإنه لم يكن موالياً لهم بالكامل، وبسبب وحشيته ضد معارضيه تواصلت الاضطرابات السياسية وسرعان ما أرسل الاتحاد السوفياتي الجيش الأحمر لإطاحة أمين ودعم حلفاء الاتحاد السوفياتي في الحزب الماركسي، الذين واجهوا تمرداً من الجهاديين.

دعم المقاومة الأفغانية

في غضون أسبوعين من الغزو السوفياتي لأفغانستان، جاء قرار تسليح المقاومة الأفغانية من قبل القوى الغربية المناوئة للاتحاد السوفياتي، بقيادة الولايات المتحدة.

وبحسب ورقة بحثية نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني (معهد أبحاث سياسية)، فإنه في عام 1980، خصصت إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر 30 مليون دولار للمقاومة الأفغانية، ونما هذا المبلغ بشكل مطرد في ظل إدارة رونالد ريغان. وفي عام 1985، خصّص الكونغرس 250 مليون دولار لأفغانستان. بعد ذلك بعامين، أفادت التقارير بأن المساعدة الأميركية السنوية للمجاهدين الأفغان وصلت إلى 630 مليون دولار. ولا يشمل هذا إسهامات دول إسلامية وإسرائيل والصين وأوروبا.

ويستشهد العديد من المعلقين بالتدفق الهائل للمساعدات الأميركية إلى أفغانستان. وفي كتابه "تمويل العدو: كيف موّل دافعو الضرائب الأميركيين حركة طالبان؟"، يذكر الصحافي الأميركي دوغلاس ويسينج، أن الولايات المتحدة سلّحت الجماعات الإسلامية المتطرفة لمقاومة الجيش السوفياتي وحلفائه الأفغان. ويشير إلى أنه في عام 1986، بدأ الأميركيون مد المجاهدين بنظام الصواريخ المضاد للطائرات "ستينغر" وغيرها من العتاد، ما ساعد على هزيمة السوفيات وانسحابهم أخيراً في عام 1989.

ويقول ويسينج إن الدعم الذي وفرته الولايات المتحدة لجماعات المجاهدين منحهم القوة، وفي عام 1992 اندلعت حرب أهلية على أساس عرقي بين ميليشيات أمراء الحرب التي دمرت العاصمة كابول، كما أسفر ذلك عن صعود حركة "طالبان" في جنوب البلاد والتي بدأت حملة أسفرت عن سيطرتها على معظم البلاد بحلول عام 2000. وفي نهاية الأمر تحوّلت "طالبان" ضد الولايات المتحدة واستمرت في إيواء أسامة بن لادن، بعد تورطه في تفجيرات السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، وصولاً إلى شن هجمات 11 سبتمبر 2001.

الخطأ الأميركي والتهديد التركي

يقول بعض المحللين إن صانعي السياسة الأميركيين كانوا أمام خيار صارم للغاية في الثمانينيات، إما أن تدعم الولايات المتحدة معارضة أفغانية، أو ببساطة تتخلى عن أفغانستان للهيمنة السوفياتية، وهو خيار قد يؤدي إلى توسيع النفوذ السوفياتي في المنطقة الأوسع. ومع ذلك كان بوسع واشنطن أن تمارس ضغطًاً أكثر فعالية على باكستان لتخفيف حدة دعمها للمتطرفين الإسلاميين، خصوصاً بعد صعود "طالبان". وبدلاً عن ذلك، تخلت واشنطن عن مسؤوليتها وأعطت باكستان مجال نفوذ في أفغانستان غير محدود بأي ضغط خارجي آخر، وهو ما تحتاج الولايات المتحدة الانتباه إليه حالياً في علاقتها مع تركيا، بحسب مايكل روبين، الباحث الأميركي لدى مركز أبحاث "إنتربرايز" الأميركي.

ويشير روبين إلى أن اندفاع تركيا إلى ليبيا يجب أن يرفع الأعلام الحمراء، لافتاً إلى أن أردوغان دعم حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج، بعناصر "داعش" وغيرهم من الفصائل الإرهابية وبالطائرات من دون طيار، ما يعني أنه يسلّح المتطرفين الذين حاربتهم الولايات المتحدة سابقاً. ويضيف أن خطأ أميركا في أفغانستان لم يكن توفير الدعم لـ"طالبان" وإنما التغاضي المستمر عن دعم باكستان وغيرها من الجهات للميليشيات المتطرفة.

ويوضح الباحث الأميركي أن النمط نفسه يظهر اليوم، ففي حين يهمس أردوغان بأشياء مغرية في آذان الأميركيين، فإن تركيا اليوم لا تغذي وتموّل التشدد فقط، بل تسلحه. قد يعتقد أردوغان أنه يستطيع السيطرة على وكلائه المتطرفين، لكن التاريخ يشير إلى أنه مخطئ. فمتى وقع الهجوم الإرهابي الكبير التالي ضد الأميركيين، فلا ينبغي أن يُفاجأ أي مسؤول بالعثور على بصمات وكلاء الأتراك عليه.

الخلايا الإرهابية في ليبيا

وحذّر الكاتب البريطاني كون كوفلين، في مقال بصحيفة "ديلي تليغراف"، الأربعاء، من الخلايا الإرهابية في ليبيا، مشيراً إلى أن موقعها الجغرافي يعني أنه من الأسهل كثيراً استخدامها كقاعدة لشن هجمات إرهابية ضد أوروبا، وهو الاعتبار الذي سيأخذه المسؤولون البريطانيون، من دون شك، على محمل الجد في معركتهم ضد التهديد الإرهابي المستمر.

وأشار كوفلين إلى أن الجماعات الإسلامية المتطرفة في ليبيا تلقت دعماً كبيراً في الأشهر الأخيرة الماضية بعد التدخل العسكري التركي. وأضاف أن قرار الرئيس التركي بالتدخل نيابة عن حكومة السراج التي تعتمد على عدد من الميليشيات الإسلامية، يعود جزئياً إلى رغبته في تأسيس نظام حكم إخواني في طرابلس، على غرار ما كان في مصر في 2012. ويقول إنه خلال الفترة الوجيزة لـ"الإخوان" في حكم مصر، تحت رئاسة محمد مرسي، غرقت البلاد في فوضى بسبب سعيه إلى ترسيخ أجندة إسلامية متطرفة، بحسب قول الكاتب.

لكن لا يزال التدخل الروسي في ليبيا من خلال دعم قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، مما يزيد نفوذ الكرملين في المنطقة، هو الأكثر إثارة لقلق المعسكر الغربي، ما الأخير إلى الصمت على نقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا.

وفي حديث لـ"اندبدندنت عربية"، قال بشير عبد الفتاح، المفكر السياسي والباحث لدى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن الرعب من الدور الروسي في ليبيا متعاظم للغاية، لأن روسيا إذا نجحت في تموضع استراتيجي في ليبيا تستطيع نشر منظومات تسليحية متطورة للغاية تشكل تهديداً لأوروبا، ويمكن أن تكون رأس جسر للانتقال إلى أفريقيا، خصوصاً أن روسيا تريد أن تكون لاعباً في شرق المتوسط، ولا يجب أن ننسى أنها عرضت مساعدة تركيا في التنقيب غير القانوني عن النفط والغاز في شرق المتوسط.

المزيد من تقارير