Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا وصلت حركة "حياة السود مهمة" إلى بلدة عنصرية في تكساس

لطالما اشتكى سكان فيدور من صيتهم السيء الذي اعتبروا أنه بات من الماضي البعيد. فهل يمكن لمسيرة من أجل العدالة العنصرية أن تُغير رأي الناس بهم؟

"فيدور هي واحدة من مئات بلدات الغسق الأميركية التي يجري معظمها حالياً المراجعة الذاتية نفسها" (أ.ب.)

لبلدة فيدور Vidor، الكائنة في شرق تكساس، صيت من النوع الذي يُجبر المقيمين فيها على التردد قبل الإجابة عن سؤال من أين أنتم؟ كيف لا وهي التي عُرفت لعدة سنوات ببلدة الغروب، حيث يتعرض غير البيض للتهديد بالعنف، إذا ظلوا فيها بعد حلول الظلام، ويمنعهم التخويف والتمييز في المعاملة اللذين يواجهونهما من العيش هناك. والحق أن للبلدة تاريخاً طويلاً مع منظمة "كو كلوكس كلان" (KKK) العنصرية، وقد وصفتها إحدى المجلات المحلية ذات مرة بـ"صاحبة القسط الأكبر من الكراهية بين بلدات تكساس".

لذلك عندما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي خبر تنظيم مسيرة في فيدور Vidor دعماً لاحتجاجات "حياة السود مهمة"، ظن الكثيرون أنه فخ. وقالت امرأة سوداء البشرة رداً على الإعلان المنشور عبر "تويتر" محذرة، "إياكم. أن تطأوا  بأقدامكم السوداء أرض فيدور".

واللافت أن الشابة يالاكيسين باهيث، 25 عاماً، التي نظمت المسيرة، نفسها كانت مدركة تماماً لمدى صعوبة تصديق الأمر.

وتقول باهيث، وهي ترتشف عصير البرتقال في مطعم "وافل هاوس" في فيدور Vidor، "حيكت حول الموضوع الكثير من نظريات المؤامرة؛ ومع كل نظرية، كنتُ أقول لنفسي، أتعلمون ماذا، هذا الإعلان يبدو مريباً فعلاً".

لكن تنظيم مسيرة في مكانٍ غير مضياف ظاهرياً كفيدور، ليس وليد الصدفة بل يرمي إلى بلوغ هدف معين. وجاءت فكرته من مادي مالون، صديقة باهيث المقيمة في البلدة. ففيدور بالنسبة إلى الفتاتين، أفضل بكثير مما يوحي به صيتها الذائع؛ وبدت مسيرة التأييد لـ"حياة السود مهمة" أنها فرصتهما الوحيدة لدعم قضية تؤمنان بها من جهة، ولتعريف العالم على الوجه الآخر للبلدة من جهة ثانية.

وتوضح باهيث، في سياق وصفها لاستجابة الناس لمبادرتهما، "تلقينا ردود أفعال مختلفة من المقيمين في البلدة والمناطق المحيطة بها. بعضهم أيد الفكرة والآخر عارضها. ولكنني كنتُ سأمضي قدماً بها في كل الأحوال، لأن الجميع برأيي يستحقون فرصة إبداء رأيهم وإظهار حقيقتهم للعالم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وفتحت فكرة المسيرة الباب على مراجعة ذاتية جماعية أجراها أبناء فيدور الذين استمروا لسنوات يشتكون استهدافهم ظلماً وعدواناً بسبب ماضي البلدة القاتم، ويدعون بأن الأمور تغيرت إلى الأفضل. فتلك الادعاءات كانت ستخضع لامتحان وشيك.

قد يكون من السهل المرور بفيدور Vidor من دون ملاحظتها. فالطريق الساحلي السريع 10 يقسمها إلى نصفين بين هيوستن ونيو أورلينز. ولو حدث وتوقف المسافر للاستراحة أو التزود بالوقود، من الممكن جداً ألا ينتبه لوجود بلدة آهلة خلف جدران مراكز التسوق المرصوفة على طول الطريق.

وتقع فيدور Vidor على بعد 20 ميلاً من حدود لويزيانا. ويقول البعض، إنها تشبه هذه الولاية  أكثر من تكساس. تُحيط بها المستنقعات من كل جانب، وهذا ما يُعرضها مراراً وتكراراً للفيضانات التي تؤدي أحياناً إلى وصول التماسيح إلى باحات منازلها (يعيش في المنطقة ثلاثية المقاطعة نحو نصف مليون تمساح).

ويشكل أصحاب البشرة البيضاء غالبية سكان فيدور Vidor، إذ إن نسبتهم 97 في المئة تقريباً بحسب التعداد السكاني الأخير. وهي بلدة فقيرة للغاية، إذ يعيش نحو 20 في المئة من أبنائها، البالغ عددهم 10 آلاف نسمة، في حالة من الفقر، وهذه نسبة مرتفعة جداً بالمقارنة مع تكساس وسائر المدن والبلدات الأميركية، مع ما يُصاحب ذلك من مشكلات خطيرة، وفي مقدمها: الإدمان على مادة الميثابيتامين.

ويتركز وجود سكان فيدور Vidor بشكلٍ رئيس حول الكنائس؛ وثمة كنيسة عند كل زاوية شارع تقريباً. وفيما عدا ذلك، تُعرف فيدور بصيد الحيوانات والأسماك وكرة القدم في المدارس الثانوية.

أُنشئت فيدور في الأصل على موقع طاحونة خشب أوائل القرن العشرين وأخذت تسميتها من الرجل، مالك تلك الطاحونة. ولما أوقفت الشركة أعمالها عام 1924، قرر المجتمع الصغير من حولها البقاء حيث هو والتوجه تدريجياً نحو الزراعة.

وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، لم يكن عدد السكان في فيدرو Vidor يتجاوز بضعة آلاف. لكن الشروع بإلغاء الفصل العنصري في مدينة بومونت النفطية، أسهم في زيادة سكانها في العقدين التاليين. فقد تحولت فيدور إلى معقل "هجرة البيض" وموطن أصحاب البشرة البيضاء الذين انتقلوا إليها من جارتها الأكبر مساحةً والأكثر تنوعاً من الناحية العرقية.

وكان لـ"كو كلوكس كلان" Ku Klux Klan وجود راسخ في فيدور. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان لهذه المجموعة فيها عدد من الفروع المتنافسة علاوة على مكتبة في شارع البلدة الرئيس. وكثيراً ما كانت تستخدم أساليب الترهيب والعنف والقتل لإبعاد أصحاب البشرة السوداء عن فيدور، وهذا ما أكسب هذه الأخيرة لقب "فيدور الدموية" Bloody Vidor.

ولا يزال الناس في فيدور حتى اليوم يستذكرون اللوحة الإعلانية التي وُضعت على الطريق السريع ذات مرة لتحذير السود بلغة عنصرية صارخة ـ"أيها الز*** لاتدعوا الشمس تغيب وأنتم هنا".

شهد جبروت "كلان" في فيدور مداً وجزراً على مر السنين. وظن الأهالي أن أعضاءها قد غادروا بلدتهم ربما إلى غير رجعة. لكنهم لم يفعلوا، ففي عام 1993، عاودوا الظهور إلى العلن عندما أصدر أحد القضاة الفيدراليين قراراً يقضي بإلغاء الفصل العنصري في أحد المشروعات السكنية فيها. وكان جون ديكواير الأكبر أول أسودٍ يقطن البلدة ويستقر فيها منذ عشرينيات القرن الماضي. وحين عاد إليها، كان في استقباله محتجون من أهل البلدة وسلسلة من المظاهرات العامة وتهديدات بالقتل من قبل جماعة "كلان". وفي ذلك العام، نُظمت مسيرة حاشدة في المنتزه نفسه، حيث كانت باهيث ومالون ستنظمان مسيرة السلام التي تعاونتا على تنظيمها بعد 27 عاماً.

جرت محاولات عدة لسود آخرين للإقامة في البلدة غير أنها قوبلت بالرد نفسه. وألقى الأهالي اللوم على محرضين خارجيين جلبتهم أقلية صغيرة من أعضاء "فيدور كلان"، لكن مهرجاناً إعلامياً أعقب كل محاولة وثبت السمة السيئة على فيدور. ولما بدت "كلان" وكأنها قد اختفت من جديد، بقيت فيدور على حالها وسمعتها.

ولا تزال أخبار العنصرية التي واجهها أصحاب البشرة السوداء في فيدور شائعة حتى يومنا هذا. وثمة فيديو معروف على "يوتيوب" يؤكد ذلك، إذ تظهر فيه مجموعة من الشباب السود أثناء زيارتهم للبلدة وتعرضهم لمواجهات معادية عدة؛ وعنوان هذا الفيديو: "يوم في المدينة العنصرية الأولى في أميركا" (A day in the #1 racist city in America).

وبالنسبة إلى باهيث، التي تنوي البدء بدراسة علم السمع العام المقبل، وتعيش في "بورت آرثر"، الواقعة على قاب قوسين أو أدنى من فيدور، فقد سمعت بتلك القصص في طفولتها، شأنها شأن كل من عاش في المحيط.

تقول باهيث، "عندما كنتُ أصغر سناً، كنا نذهب كثيراً إلى هناك، لكننا لم نكن نتوقف في فيدور. لم نكن نتوقف للتزود بالوقود أو للتبضع. كنا نتوجه مباشرةً إلى منزل صديقتي". وتضيف، أنها مع مرور الوقت، لمست تغيرات بسيطة بعثت فيها بعض الأمل.

تتابع، "ولما كان والداي يغادران، كنتُ أُرافق صديقتي إلى المتجر أو إلى المركز التجاري إذا اقتضى الأمر. وهذا ما فتح عيني على واقع مفاده أن ليس كل الناس يُفكرون ويتصرفون بالطريقة نفسها. نحن ميالون إلى التعميم، لا سيما أن الأمر يتعلق ببلدة لها تاريخ طويل مع العنصرية. كل تلك القصص والروايات صحيحة، لا تُسيئوا فهمي. هناك فرق كبير بين الأكاذيب والحقيقة، وفي الوقت ذاته، تغيرت أمور كثيرة".

وفي الخامس والعشرين من مايو (أيار)، احتجز الشرطي ديريك شوفين رجلاً أسود يدعى جورج فلويد بحجة استعماله ورقة 20 دولاراً أميركياً مزورة في مينيابوليس. وبعدما كبل يديه، طرحه أرضاً وجثم على عنقه. وعلى الرغم من شكوى فلويد المتواصلة من عدم قدرته على التنفس، بقي شوفين جاثماً على عنقه لأكثر من ثماني دقائق.

"هناك أكثر من حقيقة واحدة. من الصحيح أن بعض الأشخاص في هذه البلدة عالقون في عصر الظلمات لكن من الصحيح أيضاً أن جيلاً بأكمله يحاول إخراجنا إلى النور -ويتني موردوك"

وبوفاة فلويد، اندلعت أعمال شغب تحولت إلى احتجاجات حاشدة في أنحاء البلاد. ولم يكن الوضع مختلفاً في هيوستن حيث عاش فلويد معظم حياته. لكن المفاجأة كانت في وصول الاحتجاجات إلى فيدور التي تبعد مسافة ساعة ونصف الساعة في السيارة عن هيوستن، بدعمٍ من باهيث ومالون.

تتذكر باهيث أن صديقتها مالون، "قالت: اسمعي، أعتقد أنه يجدر بنا تنظيم مسيرة سلام في فيدور. فأجبتها: أنت تعلمين جيداً ردود الأفعال التي ستواجهين، أليس كذلك؟ هل أنتِ مستعدة للتبعات الجيدة والسيئة جداً جداً؟ فقالت إنها تعلم كل هذا. فسألتها عندئذٍ: "كلا، هل تفهمين فعلاً؟".

 

شعرت الفتاتان بالقلق من رد فعل سكان فيدور؛ وكانتا تخشيان على عائلتيهما وأصدقائهما، كما كانتا تخشيان على المتظاهرين من المتطرفين الذين قد يحاولون إلحاق الأذى بهم. وإدراكاً منهما لحاجتهما إلى بعض الدعم، لجأتا إلى القسيس مايكل كوبر، رئيس فرع "الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين" في بومونت المجاورة.

وكوبر، 54 عاماً، رجل طويل القامة، نشأ وترعرع، على غرار باهيث، قريباً من فيدور، في بلدةٍ صغيرة على ضفاف نهر نيشيز في ضواحي بومونت. وهو بدوره يتذكر القصص التي رُويت عن فيدور.

يقول، "في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كنا أطفالاً وكنا نلهو عند النهر فيما كان أهالي بلدة الغروب عند الضفة الأخرى. كنا نسبح كلنا في المياه نفسها رغم الفجوة الكبيرة بيننا".

ولما تلقى كوبر أول مكالمة هاتفية تطلب منه الحضور إلى مسيرة فيدور لإلقاء خطاب، كان يميل إلى تنفيذ ما نصحه به والده دوماً، "إياك أن تذهب إلى فيدور"، والإصغاء إلى أصدقائه ومرشديه وأفراد أسرته الذين رددوا النصيحة ذاتها.

ويوضح  كوبر، "سألوني إذا ما كانت لدي أمنية أخيرة. وقالت لي زوجتي بالحرف الواحد: هل تريد أن تُصبح شهيداً؟".

يتابع كوبر، "صحيح أن كثيرين لم يسمعوا بعبارة (بلدة الغروب) من قبل، ولكننا تربينا عليها. لا تتوقفوا في فيدور للتزود بالوقود. لا تتوقفوا في فيدور خلال الليل. لا تتوقفوا في فيدور بعد المغيب. وهذا أمر لا يخشى سكان البلدة قوله لك صراحة".

لكنه يردف، "وفجأةً، تذكرت أمي والمتجر الذي أدارته في فيدور ودربت فيه كل الراغبين؛ وتذكرتُ فترة عملي في فيدور؛ وتذكرتُ أيضاً لما جلستُ على مقاعد الكنيسة المعمدانية الأولى في فيدور، ولما دُعيت إلى اجتماعات في كنائسها وعوملت معاملة حسنة. وهكذا قررتُ أن أمضي في المسيرة من أجل الناس الطيبين ومن أجل التواقين إلى التغيير. لم أكن حقاً أريد ذلك. ولم أكن أرغب أن أكون الشخص الذي يرفع غصن الزيتون، ولكنني أدركت أنه أمرٌ لا بد منه. إن لم أفعل ذلك أنا، فمن سيفعله؟".

وكانت الأيام التي فصلتهم عن موعد المسيرة مخيفة ومريبة بالنسبة إلى كل المعنيين بها. أحس المنظمون والمشاركون بالقلق من العنف الذي يمكن أن يلجأ إليه أهالي البلدة الحانقون. وفي الوقت نفسه، خشي الأهالي من المحتجين العنيفين القادمين إلى بلدتهم من الخارج بهدف كسر النوافذ وتدمير المتاجر.

كانت معظم التعليقات حول المسيرة على صفحة البلدة في "فيسبوك" إيجابية، بيد أن بعضها لم يخلُ من التشاؤم والعدوانية.

وكتب أحد المشاركين، "هذه من الأحداث التي يُمكن أن تسلط الضوء الإعلامي على فيدور من جديد، كما يُمكن أن تجعل (الفهود السود) يرغبون بالمجيء لتنظيم مسيرة في فيدور مرة أخرى". واعتبر آخر في منشور له أن "الجماعات على شاكلة (حياة السود مهمة) و(أنتيفا) هي التي تُبقي شعلة العنصرية متقدة. هؤلاء هم العنصريون الحقيقيون في هذا البلد، وهؤلاء هم الذي يُلهبون الإعلام حماسةً وغضب".

ورداً على التعليقات من هذا النوع، كتب أحدهم قائلاً، "لقد سئمت من أنصار (كو كلوكس كلان)".

وفي اليوم المقرر للمسيرة، وصلت باهيث ومالون إلى "منتزه رايموند غولد" الموازي للطريق السريع لتجدا مفاجأة بانتظارهما: آلاف السيارات.

تقول باهيت، "كنتُ متوترة قليلاً. لكن بصراحة، كنتُ مستعدة للانطلاق في المسيرة. لا أعتقد أنني شعرتُ بمثل هذه الحماسة من قبل. وكنتُ أقول في نفسي، يا إلهي لقد حضر الناس إلى هنا بالفعل. وبددت رؤية الناس يتجمعون كل شعور لدي بالتوتر. وأيقنتُ أننا نفعلها عن حق".

في ذلك اليوم، حضر المسيرة نحو 200 شخص، بعضهم من بومونت ومحيطها، والآخر من بلدة فيدور نفسها. ورفع أحد المحتجين لافتة كُتب عليها، "يمكن لفيدور أن تتغير أيضاً". وكانت للقس كوبر كلمة لم يتردد فيها بالاستشهاد بفنان الجداريات بانكسي قائلاً بصوت جهوري، "هذا هو التاريخ".

ويقول القس عن المناسبة، "لو لم يحصل شيئاً مهماً سواها في حياتي كلها، لاعتبرت الآن أن شيئاً ذا قيمة قد حصل فيها، ولا يمكن لأحد أن يأخذه منا. لا يمكننا العودة إلى الوراء".  

وفي الجهة المقابلة للمنتزه، التفت مجموعة من الرجال البيض الذين يصفون أنفسهم بـ"الدستوريين مؤيدي التعديل الثاني" حول نصبٍ تذكاري لمراقبة المتظاهرين عن كثب، ورفع أحد معارضي التظاهرة الاحتجاجية لافتة كُتب عليها، "فيدور لا تركع إلا لخالقها".

مرت المسيرة من دون حوادث، لكن مراجعة الذات استمرت بعد مغادرة المحتجين. فجميع من في فيدور تقريباً رأوا فيها فرصةً لاختبار سمعة البلدة، بشكلٍ أو بآخر.

في هذا السياق، كتبت امرأة في صفحة البلدة الخاصة على فيسبوك فيما تأجج الجدال حول الموضوع، "لقد ضقتُ ذرعاً بكل من يشوه سمعة بلدتنا ويصفها بالسيئة والعنصرية والحقيرة. ففيدور جميلة وناسها يحبون بعضهم بعضاً؛ ولم أرَ أو أسمع في حياتي عن معاملة أحدهم بالطريقة التي يتكلمون عنها في هذه التعليقات. كل ما قيل ويُقال سخيف وعارٍ عن الصحة".

وباعتبار أن المسيرة في فيدور لم تختلف عن آلاف المسيرات التي اجتاحت البلاد في غضون الأسابيع القليلة الأخيرة، فقد رأى كثيرون أنها في حد ذاتها تمثل انتصاراً.

ولم تلحظ التغطية الإخبارية أي غرابة في المسيرة باستثناء موقعها، بحيث عنونت "تكساس مونثلي"، التي سبق أن وصفت فيدور عام 1993 بـ"صاحبة القسط الأكبر من الكراهية بين بلدات تكساس"، صفحتها "حركة حياة السود مهمة تصل إلى فيدور، نعم، فيدور".

 

وبعد أيام من المسيرة، ظل سؤالٌ واحد عالق ينتظر الإجابة: ما الذي قصدوه لما قالوا إن حركة "حياة السود مهمة" قد وصلت إلى فيدور؟ هل تغيرت بلدة الغروب هذه فعلاً؟

بالنسبة إلى رود كارول، رئيس جهاز الشرطة في فيدور، فإن إتمام المسيرة هو خير دليل على أن التغيير قد حصل بالفعل.

يقول كارول، الذي كان يتحدث من مكتبه في قسم شرطة فيدور، "برأيي، لكل خاطئ مستقبل ولكل قديس ماضٍ. نعم، كان هناك كو كلوكس كلان Ku Klux Klan هنا في الخمسينيات. ولكننا نتكلم عن 70 عاماً مضت. قبل 70 عاماً، كانت هناك أمور عديدة تجري في أميركا".

وكارول ليس شرطياً عادياً من تكساس. فقد ولد وعاش في نيويورك إلى حين انتقال العائلة إلى دالاس وهو في سن العاشرة. كان جاك بروكس، والد زوجته، عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ لمدة 42 عاماً، وقد أسهم في كتابة قانون الحقوق المدنية عام 1964. (بروكس الذي توفي عام 2012، كان في موكب الرئيس جون ف. كينيدي عندما تعرض للاغتيال).

ويشدد كارول أنه لم يعد لجماعة "كلان" أي وجود في فيدور، قائلاً، "أنا قائد الشرطة هنا، وأعلم جيداً عما أتحدث. لو كانوا موجودين لطردوني من البلدة". ويرى أن المسيرة كانت فرصة مهمة لتعريف العالم بما يعتبره الوجه الحقيقي لفيدور.

ويتابع قائد شرطة البلدة، "كان بإمكان غبي واحد فقط أن يعيدنا 70 عاماً إلى الوراء. لذا كان الناس يأتون إلي ويشكرونني على الجهود التي أبذلها من أجل تأمين الحماية اللازمة للمسيرة. تلك كانت لحظة قوية جداً بالنسبة إلي وأفترض أنها كانت كذلك بالنسبة إليهم أيضاً. وقد أدت بالفعل إلى هدم بعض الحواجز".

ويعتقد كارول أن السمعة السيئة لازمت فيدور فترةً طويلة، ويرجع ذلك جزئياً إلى قوافل الصحافيين التي كانت تؤم البلدة بحثاً عن شيءٍ واحد مسيء.

ويشرح، "كانوا يأتون إلى هنا بحثاً عن شخصٍ تنطبق عليه الصورة النمطية الشائعة، قل شخصاً غير ذكي ومن دون أسنان. كانوا يقصدون متاجر البقالة ليأتوا بمثل هذا الشخص. والحقيقة أنهم كانوا ينجحون في العثور عليه في كل مرة، كيف لا وفي مجتمعنا شريحة كبيرة من الفقراء. هناك انطباع سائد بأن فيدور عنصرية جداً. وسؤالي لأصحاب هذا الانطباع: أخبروني عن آخر فعل عنصري حدث في مجتمعنا؟".

يضيف كارول، "نحن نتقبل ماضينا. لكن لنكن صريحين: ماذا عن ولاية ميسيسيبي؟ ما الذي يخطر في بالكم حين تُفكرون بالمضايقات العنصرية في خمسينيات القرن الماضي؟ ماذا عن ألاباما؟ ماذا عن تكساس ككل؟".

*****

غالباً ما يستخدم سكان فيدور صيغة الماضي للحديث عن المشكلات التي واجهتهم، وانتفت برأيهم، بعدما فقدت منظمة "كو كلوكس كلان" Ku Klux Klan نفوذها في البلدة.

تقول امرأة في صالون للتجميل قبالة الشارع الرئيس في فيدور، "إنه صيت لا نستحقه. كان يُخبرني جداي كيف كان أنصار كو كلوكس كلان Ku Klux Klan يقرعون بابهما فيسارعا إلى إغلاقه بقوة في وجوههم".

لكن بالنسبة إلى المجتمع ذي الأصول الأفريقية والسوداء، وهو المجتمع الأصغر في فيدور، فإن العنصرية لا تزال موجودة وبكثرة.

مثلاً ديفون نوي، 24 عاماً، الذي ولد وترعرع في فيدور التي لا يزال يعيش فيها، كان من بين المتحدثين في مسيرة "حياة السودة مهمة" التي أُقيمت في البلدة. وقد عرّف نفسه للحضور على أنه "شاب أسود ومثلي الجنس من فيدور".

يروي نوى لصحيفة "اندبندندت" بعد أسبوع على المسيرة، كيف أنه تعرض لانتهاكات عنصرية منذ يومه الأول في المدرسة.

يقول، "ضايقتني مجموعة من التلاميذ داخل الملعب. طرحوني أرضاً وانهالوا علي بالضرب وهم يصرخون ويُطلقون الإهانات. ولا زلتُ أذكر إلى اليوم ما قاله لي أحدهم: (أنت ز*** ولا أحد يُريدك هنا). واستمروا في التعرض لي والتنمر علي طيلة فترة وجودي في المدرسة. كنتُ أُضرب بالقوارير وزجاجات الجعة والطعام عندما كنتُ أسير في البلدة. حاول البعض الخروج عن الطريق في محاولة لدهسي. وخضعتُ للتفتيش على الباب أكثر من مرة قبل الدخول إلى أحد الأماكن. العنصرية موجودة بصورة دائمة في فيدور. ومن يُنكر وجودها يتعمد تجاهل الحقيقة".

وبالنسبة إلى نوي، فقد تطوع لإلقاء كلمة في المسيرة؛ لأنه أراد إيصال وجهة نظر الرجل الملون والمثلي إلى العالم. وهو يعتقد بأن كلمته قد تؤدي إلى نتائج إيجابية.

 يوضح ،"أردتُ أن أستفيد من موقعي في هذا المجتمع لأتحدث عن مسألة لا يعرف معظم أهل البلدة عنها شيئاً. وأعتقد أننا، كمجتمع، نخطو هذه الخطوات الواسعة لمساعدة الآخرين الذي يعرفون عن بلدتنا وماضيها. فصورة فيدور في الخمسينيات باقية يأبى الإعلام بتركها تموت. ولا ننفي أن لدينا بعض الأفراد المنحرفين ولكن هذه هي حال كل البلدات".

على صعيد متصل، أمضى جايمس دبليو لوين سنوات عديدة من حياته وهو يزور بلدات الغروب المنتشرة في أنحاء الولايات المتحدة ويكتب عنها. وقد ألف كتاباً بعنوان "بلدات الغروب: البعد الخفي للعنصرية الأميركية"، ركز في جزءٍ كبيرٍ منه على كيفية استمرار التمييز العنصري في بلدات الغروب.

ويلفت لوين إلى أن ما يلمسه المرء في بلدات الغروب "هو غالباً مجرد عنصرية، بمعنى أنه ليس نشاطاً منظماً على شاكلة ما تفعله كو كلوكس كلان. وأصحاب هذا الموقف ليسوا عنصريين فحسب، بل هم تقليديون أيضاً، أي أنهم عنصريون لكن بوسعهم أن يقولوا: (حسناً، أنا أفضل إبقاء البلدة على نحو ما كانت عليه دائماً)".

ويوضح أن فيدور هي واحدة من مئات بلدات الغروب الأميركية التي يجري معظمها حالياً المراجعة الذاتية نفسها التي تُجريها فيدور.

يضيف، "هناك أشخاص سعداء بالصيت أو بالأحرى، بالسمعة السيئة التي يتمتعون بها. وهناك أشخاص لا يريدون أن يُشار إليهم بعد اليوم بسكان بلدة الغروب. كما أن هناك الأشخاص الذين لم يعودوا يرغبون في أن يكونوا جزءاً من بلدات الغروب. والفرق كبير بين الفئة والأخرى إذا كنت تفهم ما أقصد".

ومع ذلك، يرى لوين أن فكرة المسيرة بحد ذاتها كانت دليلاً على إحراز تقدم. فهي "دلت على وجود أكثر من شخص، كما أظهرت للتقدميين في البلدة أن هناك حشداً من الناس يُشاركهم طريقة التفكير نفسها. وهذا أمر رائع".

*****

من هؤلاء التقدميين الذين انتظروا التغيير طويلاً، ويتني موردوك، 30 عاماً، التي تعمل في مجال الاستجابة لمرضى الصحة النفسية، وعاشت في فيدور حتى الشهر الفائت حين انتقلت إلى بومونت.

شاركَت موردوك في المسيرة مع عدد من أصدقائها، للسبب نفسه تقريباً.

تقول، "أعلم كل شيء عن صيت فيدور، وأعلم أننا لا نزال نوصم به لسبب ما. أعلم أيضاً أن التعصب لم يختفِ كلياً ولا يزال موجوداً في الكثير من الأشخاص. والأرجح أن في الزوايا العميقة والمظلمة، لا تزال المنظمات على شاكلة (كو كلوكس كلان) و(الأخوة الأريون)  Ayran Brotherhood ترتع. ولكنني أشعر بأننا أظهرنا للعالم في ذلك اليوم أن في فيدور جيلاً جديداً يريد أن يفرض نفسه ويتخلص من هذه الوصمة".

 تضيف، "وهذا هو الشيء الوحيد الذي أرغب أن يفهمه الناس جيداً، فهناك أكثر من حقيقة واحدة. من الصحيح أن بعض الأشخاص في هذه البلدة عالقون في عصر الظلمات، لكن من الصحيح أيضاً أن جيلاً بأكمله يحاول إخراجنا إلى النور".

© The Independent