Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أستاذ يعتدي جنسياً على 20 طفلاً... والإهمال يهدد مستقبل أطفال تونس

"غياب التربية الجنسية وعدم تعليم الأطفال في المدارس الابتدائية معاني حرمة الجسد ومعنى التحرّش سيبقي الباب مفتوحاً لهذه الممارسات الإجرامية"

جريمة التحرّش فتحت مرة أخرى الباب واسعاً في تونس للحديث عن هذه القضايا وآثارها النفسية على الأطفال (غيتي)

لم تكد تونس تستفيق من صدمة وفاة 15 رضيعاً في أحد المستشفيات الحكومية جراء إهمال ما زال محلّ نقاش كبير في المجتمع، حتى استفاقت على فضيحة جديدة مع الكشف عن قيام معلم في إحدى المدارس الابتدائية بالتحرش والاعتداء الجنسي على 20 تلميذاً وتلميذة تتراوح أعمارهم بين السادسة والعشر سنوات.

التحرش بـ 20 طفلاً

الفضيحة تناقلتها وسائل الإعلام بعد أن نشرت ما أعلنه الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية في صفاقس حول تورط معلم لغة فرنسية في جريمة غير مسبوقة بالاعتداء جنسياً والتحرش بـ 20 طفلاً في منزله أثناء إعطائهم دروساً خصوصية.

مرتكب الجريمة أُوقف فوراً عن العمل وجرى وضعه رهن التحقيق وأحيل على العدالة والوزارات المختصة، وتحركت وزارتا التربية والمرأة والأسرة والطفولة لتأمين الرعاية النفسية والطبية للأطفال ضحايا الحادث، وأسهمت سرعة التحرك في تخفيف الغضب الشعبي.

قضية التحرش التي كان العدد فيها كبيراً مقارنة بقضايا من هذا النوع، زادت في عمق رد الفعل المجتمعي في تونس الذي يعاني منذ بداية السنة من تأثيرات قضايا كان المتضررون الأساسيون فيها الأطفال سواء في قضية المدرسة القرآنية في الرقاب والتي تعرض فيها أطفال للاغتصاب والعنف الجسدي والنفسي والترهيب وفق ممارسات الجماعات المتشددة، ثم وفاة الرضّع، وأخيراً قضية الاغتصاب والتحرش بـ 20 طفلاً في مدرسة ابتدائية.

غياب التربية الجنسية في المدارس يشجّع على التحرش

المثقفة والكاتبة مديرة المكتبة الوطنية بتونس رجاء بن سلامة نشرت تدوينة حول القضية قالت فيها "التّحرّش بالأطفال موجود في كلّ مجتمع وفي كلّ عصر، اليوم اخترقنا جدار الصمت وأصبحنا نتحدّث عنه".

وأضافت بن سلامة أن الحديث عن هذه الجرائم في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من باب التعاطف مع الضحايا ولكنه يقف عند هذه الحدود ولا يذهب إلى طرح أسئلة مؤلمة بالألم نفسه الذي تعرض له هؤلاء الأطفال من شخص يخشونه، وله عليهم سطوة معنوية، ومثل هذه الجرائم لن تكون معزولة طالما لم تقم وزارة التربية بمنع التدريس في الفضاءات الموازية التي لا تتوافر فيها شروط المراقبة القانونية لهذه الأعمال.

وتابعت بن سلامة أن غياب التربية الجنسية وعدم تعليم الأطفال في المدارس الابتدائية معاني حرمة الجسد ومعنى التحرّش سيبقي الباب مفتوحاً لهذه الممارسات الإجرامية.

التحرّش والجرائم الجنسيّة لا تزول آثارهما بمرور الزمن

جريمة التحرّش فتحت مرة أخرى الباب واسعاً في تونس للحديث عن هذه القضايا مع تكرار وقوعها وأثرها النفسي والاجتماعي في الأطفال وعائلاتهم، خصوصاً مع تبادل تحميل المسؤوليات أو التهرب من تحملها الذي شكل المساحة الكبرى من اهتمام الشارع التونسي الذي زادت همومه على مستقبل أطفاله بعد أن أصبحت هذه الحوادث متكررة.

مريم صمود، الاختصاصية والمعالجة النفسية، قالت إن "قضايا الاغتصاب والتحرّش الجنسيّ تحصل تحت التهديد والخوف، ما يخلق أزمات نفسية خطيرة لدى الأطفال الذين يتعرضون إليها، وهذا الأثر ينعكس أيضاً في تفكك نفسي داخلي يجعل الطفل فاقداً للإحساس بالأمان ويشعر أنه مهدد من محيطه ويفقد الثقة في المجتمع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت صمود أن هذه الجرائم تخلق لدى الطفل إحساساً بالدونية لذاته ويسبب نفوراً من جسده كما ينعكس على علاقاته العائلية، التي تسعى إلى تطبيق نظرية الصمت خوفاً وخجلاً من نظرة المجتمع إلى أطفالهم.

كما أن الضغط النفسي المُسلط على الضحية قاس جداً تحت تأثير الصدمة ويتسبب في رؤية كوابيس وأحلام مزعجة ويعطل النمو النفسي والمجتمعي العادي للطفل.

قانون الصمت يحكم نظرة المجتمع إلى الضحايا

مأساوية وإجرامية الاغتصاب والتحرّش لا تجدان في المجتمعات العربية تفهماً وتعاطياً يخففان من آثارهما النفسية الصعبة على الضحايا، خصوصاً الأطفال الذين يستشعرون في رؤية المحيط العائلي والمجتمع نظرات إدانة وتحميلهم المسؤولية خوفاً من مفهوم الفضيحة والعار الذي يرتبط بنظرة المجتمع إلى الضحية.

ويقول الدكتور سامي نصر، أستاذ علم الاجتماع والمتخصص في علم الاجتماع الإجرامي، إن جريمة التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال من أكثر الجرائم المعقدة والحساسة، لأنه من الصعب جداً التفريق بين الجاني والضحية، وأثبتت الدراسات التي جرت في السجون التونسية مع مرتكبي مثل هذه الجرائم ضد الأطفال أن 37 في المئة من مرتكبيها تعرضوا للاعتداءات الجنسية وبالتالي ضحية اليوم هو جاني الغد.

أضاف نصر أن عدم إنصاف الضحايا يخلق نقمة على المجتمع، وطالما أن المجتمع لم يستنكر الجريمة ولم ينصف الضحايا خارج نطاق النظرة الاجتماعية الدونية للمعتدى عليه وتحميله مسؤولية ما حصل، والعار الذي يبقى يلاحقه جراء مفاهيم الشرف المجتمعي المهيمن على العقل العربي، كل هذا سيؤدي إلى رد فعل يتناسب مع حجم الألم الذي تعرض له الطفل المعتدى عليه.

وحمّل الباحث الاجتماعي العائلة مسؤولية كبرى في عدم الانتباه إلى ما يحصل من تغيرات على تصرفات أطفالهم وحالتهم النفسية بعد تعرضهم لهذه الجرائم، واعتبر أن العائلة التونسية تعيش أزمة كبيرة نتيجة غياب التواصل بسبب ظروف العمل والساعات الكثيرة التي يقضيها الأطفال بعيداً من عائلاتهم وانعدام ثقافة استثمار الوقت مع الأطفال في العائلة لتشجيعهم على الحوار الأسري ومعرفة ما يصاحب هؤلاء الأطفال يومياً من قضايا تواجههم.

ونبه الدكتور نصر إلى ضرورة الانتباه إلى تعاطي وسائل الإعلام مع هذه النوعية من الجرائم لأن كثرة الحديث عنها سيجعل منها فاقدة للتأثير ويحولها إلى قضية عادية يتعامل معها الرأي العام كأنها جريمة لا تثير استنكار المجتمع وغضبه.

المزيد من العالم العربي