Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثلاثي المنسي في جامعة الدول العربية: الصومال وجيبوتي وجزر القمر

يحتدم التنافس الأممي الحالي على هذه البلدان

بعد ثلاثة عقود من تأسيس جامعة الدول العربية انضمت الصومال وجيبوتي وجزر القمر (رويترز)

تأسَّست جامعة الدول العربية في 22 مارس (آذار) 1945 في القاهرة، في ظل أزمات كبرى وتطورات جذرية لانعكاسات استراتيجية مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية. وبدأت بتوافق الدول العربية على تأسيس كيان يُعنى بتقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية في ما بينها، إذ أعلنت أنّ ميثاقها ينصُّ على ضرورة إقرار دساتير الدول اللغة العربية لغةً رسمية، لكي تنضم إليها.

وبعد ثلاثة عقود من تأسيسها، تقدمت الصومال ثم جيبوتي وأخيراً جزر القمر بطلبات انضمام إلى الجامعة. وأثار ذلك جدلاً واسعاً باعتبار أنّ لغتها الرسمية ليست العربية، وإن كانت ناطقة بها على المستوى الشعبي، ولكن مجلس الجامعة رأى أنّ أصول شعوب هذه الدول عربية، فقبل عضويتها استناداً إلى نص المادة الأولى في ميثاق الجامعة، وهي أن تكون الدولة عربية مُستقلة، ويقرّر مجلس الجامعة عروبة الدولة وفقاً لتقديره، أو أن تكون الدولة واقعة في الإطار الإقليمي للوطن العربي وأن تكون اللغة العربية مُضمَّنة في الدستور حتى لو لم تكن رسمية. وهذا متوافر في حالات الدول الثلاث، جيبوتي والصومال وجزر القمر.

دوافع الانضمام

أعلنت هذه الدول، كلّ على حدة، أنّ هدفها هو المشاركة في مداولات الجامعة العربية بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، وكي يتسنّى لها مراقبة الأوضاع في المنطقة العربية والمساهمة في مناقشة القضايا الحيوية التي تهم مستقبلها مع العالم العربي. أما الدوافع الأخرى، فيمكن حصرها في إطارين. الأول اقتصادي بالنظر إلى ضعف هذه الدول ووجودها في منطقة هشاشة إقليمية نتيجة الصراع والعنف في حالة الصومال، وتأثير جيوب الهشاشة المحيطة كما في حال جيبوتي، والمعزولة جغرافياً كما في حال جزر القمر. ولاح في الأفق أنّ أقصر الطرق هو الحصول على قروض ومساعدات مالية من الصندوق العربي للتمويل، إلى جانب جذب المستثمرين العرب. أما الدافع الثاني، فهو سياسي جيوبوليتيكي ويتمثّل في أنّ الانضمام إلى جامعة الدول العربية سيقوّي الموقف السياسي للنظم الحاكمة في هذه الدول، خصوصاً في الحرب الدائرة بينها وبين الخصوم الداخليين، إذ تتنازع هذه الدول بين انتماءين أفريقي واضح وعربي مشوَّش.

تفعيل دور الثلاثي

انضمت الصومال إلى جامعة الدول العربية في 14 فبراير (شباط) 1974. وبعدما نشبت حرب إقليم أوغادين في يوليو (تموز) 1977 التي دارت بينها وبين إثيوبيا بسبب النزاع على الإقليم، دعمت القوات السوفياتية الجانب الإثيوبي، بينما دعمت الدول العربية خصوصاً دول الخليج الصومال بتقديم مساعدات اقتصادية استمرت خلال عقد الثمانينيات. وكان لهذا دور واضح في دعم الرئيس الصومالي الأسبق محمد سياد بري موقف الدول العربية التي ساندت موقف الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق بعد غزوها الكويت عام 1990. ولم يشفع للصومال أنّها أولى الدول الثلاث المثار حولها الجدل، فإضافةً إلى أزمة الهوية صرفها الصراع المستمر عن خدمة توجّهها كي تكون جزءًا من العالم العربي حضارياً وسياسياً وثقافياً واستراتيجياً، وحافظت على العربية إلى جانب لغتَيْها الرسميتَيْن الصومالية والإنجليزية.

أما جيبوتي، فقد انضمت إلى جامعة الدول العربية في 4 سبتمبر (أيلول) 1977، بعد استقلالها عن فرنسا بشهرين تقريباً. وتُعدُّ جيبوتي بوابة القارة الأفريقية وجسر التواصل بين شبه الجزيرة العربية وأفريقيا. وتجمعها روابط ثقافية مشتركة مع الدول العربية، وتتحدث العربية إلى جانب الفرنسية اللغة الرسمية. وأثمر ارتباطها بالعالم العربي اقتصادياً من خلال مينائها الرئيس وهو المصدر الأساسي للدخل، من خلال تعزيز التبادل التجاري وتفعيل الشراكة الاقتصادية وجذب مستثمرين لتنفيذ مشاريع عملاقة أسهمت في جلب عائدات مالية وتوفير الوظائف (يقدَّر عدد السكان بحوالى مليون نسمة) يعيش خمسهم تحت خط الفقر. عام 2016، أرسلت جامعة الدول العربية وفداً من عشرة أعضاء لمراقبة الانتخابات الرئاسية في جيبوتي، فاز فيها الرئيس إسماعيل عمر قيلي بولاية رابعة مدتها خمس سنوات.

أما جزر القمر، فهي آخر الدول المُنضمّة إلى جامعة الدول العربية، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1993. ويحافظ مواطنوها على اللغة العربية على المستوى الشعبي أكثر من الرسمي لتجنّب طمس هويتهم الثقافية، إضافةً إلى لغتَيْها الرسميَتَيْن الفرنسية  والقَمرية (شيكومُور). يعاني القمريون من انقسام ثقافي وحضاري بين تيّار يحاول إعلاء الهوية العربية والأفريقية بعد نيل الاستقلال عام 1975، وبين مؤيّد لاستمرار الفرنسيين الذين ما زالوا يسيطرون على جزيرة مايوت وهي إحدى جزر الأرخبيل الأربع المكوِّنة للجمهورية. وبلغت بها الهشاشة السياسية أنّ رئيسها غزالي عثمان الفائز بثلاث فترات حكم متقطّعة آخرها في مارس (آذار) 2019، لا يستطيع مغادرتها خوفاً من انقلاب عسكري. وهذا سبب التمثيل الضعيف في قمم وملتقيات الجامعة العربية.

دول ملتزمة

يعتبر عبد المحمود عبد الحليم، السفير المندوب الدائم للسودان لدى جامعة الدول العربية (2015– 2020) وسفير السودان السابق لدى مصر، أنّ "دول جيبوتي والصومال وجزر القمر تنطلق من هامشية مركَّبة مثل تلك التي جاءت في وصف البروفيسور الكيني علي المزروعي  للسودان وذلك لانتمائه  العربي الأفريقي". ويرى عبد الحليم في حديث مع "اندبندنت عربية"، أنَّها "دول ملتزمة بثوابت العمل العربي، ومع أنّه يُنظر إليها على أنّها دول صغيرة ومن دول الهامش العربي، إلّا أنّها تعكس تجسيد التعاون العربي الأفريقي وتنوّع الجامعة العربية، التي تواضع ميثاقها على أنّ العروبة ليست عنصراً وإنّما ثقافة".

ويروي أنه "طوال عملي في الجامعة العربية، كنتُ شاهداً على حرص هذه الدول والتزامها، على الرغم من ضعف إمكانياتها، ولكن تكمن قوتها النسبية خصوصاً جيبوتي كدولة مهمة للقواعد العسكرية والموانئ، كما أنّها مصدر قوة للعمل العربي المشترك وتعزّز من مصالح الدول العربية ذات القيمة النسبية لجيبوتي".

ويعتقد أن "هذه الدول تهتم بالتعاون العربي الأفريقي على أساس أنّها دول أفريقية تحاول النأي عن التحالفات العربية الخالصة، ويتركَّز وجودها في العمل العربي المشترك من دون أن يقلّل من وجودها الأفريقي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أنّ "لهذه الدول مواقف ناتجة من ازدواجية الانتماء. فوجودها في منظمة التعاون الإسلامي والقمم الأفريقية والعربية، أسهم في ظهورها. كما أنّ لديها مواقف قوية مساندة للموقف العربي، مثل وقوفها مع دولة الإمارات في أزمة الجُزر الإماراتية مع إيران. وكذلك قضية فلسطين التي اتّخذتها قضية عربية مركزية، ومعارضتها نقل السفارة الأميركية إلى القدس واحتلال الجولان السوري وتهديد غور الأردن. كذلك، وقفت هذه الدول في أزمات اليمن وسوريا وليبيا، داعمة الدول العربية وموقف الجامعة العربية مع الحلّ السلمي والحفاظ على سلامة هذه الدول ووحدتها".

ويختم عبد الحليم حديثه، قائلاً إنّ "هذه الدول عكست اهتماماً كبيراً بالتعاون الاقتصادي العربي، ولديها ميزات نسبية اقتصادية. وتحرص على حضور اجتماعات القمم الاقتصادية في المنطقة. وساندت الجامعة العربية هذه الدول في قضاياها، إذ أنشات مكتباً لها فى مقديشو وأصدرت عدداً من القرارات، دعماً لتنمية الصومال ووحدتها. وساعدت جيبوتي في نزاعها مع إريتريا. وكذلك فعلت بالنسبة إلى وحدة جزر القمر ضد بقاء جزيرة مايوت القمرية خاضعة للحماية الفرنسية".

قواعد عسكرية

يعود بنا التاريخ إلى عملية تقسيم منطقة القرن الأفريقي بعد مؤتمر برلين 1885، حينما فرضت بريطانيا حمايتها على شمال الصومال واستولت على ميناء بربرة وكينيا لإبعاد فرنسا عن منابع النيل ومصالحها في مصر والسودان. وعندما احتلّت فرنسا جيبوتي، اتفقت إيطاليا وبريطانيا على احتلال إريتريا لمنع فرنسا من التوسع. وفي حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، عملت كل منهما على تسليح دولة من الصومال وإثيوبيا.

يُفسِّر احتدام التنافس الأممي الحالي على هذه الدول تحركات كثيرة، منها إقامة الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي، وهي الأولى لها في الخارج، ونشاطها في هذه المنطقة لإحياء حزام الحرير البحري الجديد الذي سيؤدي إلى انتعاش المنطقة، ما قد يؤثر في حركة رأس المال العالمية. تنبّه العالم لما قد تكتسبه هذه  المنطقة. لذا، كان التنافس في السيطرة عليها إما بغرض الاستفادة منها أو على أقلّ تقدير تعطيلها كي تتحوّل حركة الملاحة إلى موانئ أخرى. وتوجد في جيبوتي القاعدة العسكرية الأميركية كامب ليمونييه منذ عام 2002، وهي الوحيدة في أفريقيا وتتّسع لحوالى 4 آلاف عسكري ومدني، لانطلاق عمليات مكافحة القرصنة والإرهاب. وفي جيبوتي أيضاً، توجد قواعد عسكرية فرنسية ويابانية وأخرى للاتحاد الأوروبي لتنفيذ عمليات مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية منذ عام 2012. ووُقِّعت الاتفاقية العسكرية والدفاعية  بين السعودية وجيبوتي في 26 أبريل (نيسان) 2017، كإجراء دفاعي ضد الهجوم الإيراني في اليمن، خصوصاً مع رصد أسلحة اتّضح لاحقاً أنّها إيرانية يستخدمها الحوثيون في اليمن وفي الهجمات الصاروخية على مواقع سعودية. ومثَّلت هذه الاتفاقية انعكاساً إيجابيّاً للرابط في كيان جامعة الدول العربية، ثم انضمام جيبوتي إلى التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي تقوده السعودية ضمن 34 عضواً. ويرتبط ترحيب جيبوتي بالقواعد العسكرية بناحية أمنية، فهي دولة صغيرة وضعيفة تفتقر إلى الإمكانيات العسكرية وتقع وسط منطقة ملتهبة بالنزاعات، وبناحية اقتصادية، لأنّ إيجار هذه القواعد يدرُّ أموالاً تسهم في دخل الدولة. وله ناحية ثقافية تضمن وجودها داخل كيان عربي.

وجود كثيف

ويلفت الدكتور إبراهيم ميرغني، رئيس قسم العلوم الشرطية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، لـ"اندبندنت عربية" في تعليق على وجود القواعد العسكرية في جيبوتي والصومال إلى أن "منطقة القرن الأفريقي حيوية بالنسبة إلى الأمن القومي العربي. وهناك وجود دولي كثيف فى جيبوتي والصومال، يشكِّل حجمه تهديداً للأمن القومى العربي، خصوصاً فى ظل عدم التوافق على رؤية موحّدة للتعامل مع هذه المهدِّدات".

ويعتقد رئيس قسم الدراسات الإقليمية والدولية سابقاً أنّ "احتمال الاستفادة من هذه القواعد عربياً ضعيف نوعاً ما، بالنسبة إلى حال التفكّك والخلاف بين بعض الدول العربية، إضافةً إلى التباين في الرؤى بين البعض الآخر".

وبالنسبة إلى الموقع الاستراتيجي وإمكانية حدوث تجاذب صيني في جيبوتي، وفرنسي في جزر القمر وعربي من ناحية أخرى، يقول ميرغني "هذه الدول موجودة في منطقة لحماية مصالحها التي تتضارب مع مصالح الدول العربية، خصوصاً أنّ القرن الأفريقي، بوجود هذه القوى الدولية، يظلُّ مطلّاً على ما يدور في الإقليم".

يضيف أنّ "الدولة المؤثِّرة في الحكومة الجيبوتية هي السعودية، ويزيد من الأهمية أنّ فرنسا رقيبة على كل ما يتعلّق بهذه الدولة".

لا شكّ في أنّ استفادة هذه الدول من الانضمام إلى جامعة الدول العربية ضعيفة مقارنةً ببقية الدول المركزية. وهذا ناتجٌ من عوامل الهامشية المركَّبة وتنازع الانتماء، فضلاً عن تركيز الجامعة على بروتوكولات التعاون الرسمية وإهمال بوادر الشراكات القوية بين أعضائها الذين وصل عددهم إلى 22 دولة.