Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جوانب مجهولة في اتفاقية تركيا مع حكومة السراج

هذا ما يريده أردوغان في شرق المتوسط وهكذا جرت السيطرة على سفينة الأسلحة التركية

يستخدم أردوغان اتفاقه مع السراج غطاءً رسمياً لنشاطاته غير القانونية بالمنطقة (أ ف ب)

غالباً ما تكون الاتفاقات بين الدول المتعددة الأوجه. وإذا كان لهذه الاتفاقات تأثيرات في أطراف أو دول أخرى، وقتها يجب النظر إلى مدى توافقها مع القانون الدولي أيضاً.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي أثارت مذكرة التفاهم حول "تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط"، الموقَّعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية ردودَ فعل من دول أخرى في شرق البحر الأبيض المتوسط، إذ أعلن كلٌّ من قبرص ومصر وفرنسا واليونان معارضتها الشديدة للمذكرة.

غطاء قانوني

وكان المراقبون يتوجّسون من أنّ الطرفين سيقومان بأعمال لا تتوافق مع المعايير القانونية الدولية، ولن يكون هذا الاتفاق إلا غطاء قانونيّاً للنشاطات غير القانونية التي كانا يقومان وسيقومان بها بالمنطقة، خصوصاً في الساحة الليبية، ولعل هذا هو السبب في إبرامهما الاتفاق بهذه السرعة الفائقة.

ومن المثير الاهتمام أنه فور توقيع هذا الاتفاق ألمح الرئيس رجب طيب أردوغان في خطابه إلى أنه من المحتمل أن يكون إرسال جنود أتراك إلى ليبيا على جدول الأعمال في المراحل المقبلة.

وكان من المتوقع مِني، باعتباري مواطناً تركيّاً، أن أعتبر هذا الاتفاق خطوة إيجابية من شأنها أن تخدم مصالح بلادي، مهما أثارت امتعاضاً من الأطراف الأخرى، لأنه لا يخفى على أي مراقب مدى أهمية مصادر الهيدروكربونات والغاز الطبيعي الذي يسعى إليه كثيرٌ من الجهات الدولية وشركات الطاقة العملاقة في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

كما أنّ إبرام تركيا اتفاقاً ثنائياً مع ليبيا بشأن (مناطق الاختصاص البحري والتعاون العسكري) على الرغم من عدم كونها طرفاً في اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار يعدُّ نجاحاً استراتيجياً لا يُستهان به.

وبالفعل، قامت حكومة السراج في الـ26 من ديسمبر (كانون الثاني)، فور تلقي الرسالة من أردوغان، بطلب رسمي من تركيا، لترسل أنقرة وحدات جوية وبحرية وبرية إلى ليبيا. هذا هو الواقع الذي يعرفه الجميع، وحدث بعملية رسمية، شاء من شاء وأبى من أبى.

هدف غير معلن

لكن، الذي أودّ تأكيده هو لفت الانتباه إلى هدفٍ غير معلن، لا يرغب الرئيس أردوغان في التنبه إليه، وهو استخدامه هذا الاتفاق غطاءً رسمياً قانونياً لنشاطاته غير القانونية في المنطقة.

ولذلك أؤكد أن هذا الاتفاق، الذي يُدّعى أنه سيخدم مصالح تركيا، سيضر بمصالحها الاستراتيجية على المديين المتوسط والبعيد. وبمقارنة بين الأرباح والخسائر سنرى أن الخسائر أكثر من المنافع بكثير، وعلى رأسها الإضرار بعلاقات تركيا مع جيرانها.

لكن السؤال: لماذا يقوم حزب العدالة والتنمية بكل ذلك على الرغم من تلك المخاطر؟ ففي الـ19 من يناير (كانون الثاني) عُقد اجتماعٌ حول ليبيا في برلين، وبإشراف من الأمم المتحدة. وفي هذا الاجتماع الذي شارك فيه رجب طيب أردوغان أيضاً ووقَّع عليه، جرى اتخاذ قرار يحظر إرسال أو بيع أسلحة وأي معدات عسكرية إلى ليبيا. لكن لم يغب عن الأنظار كيف أنّ الرئيس أردوغان خرج من الاجتماع وجهه مسودٌّ وهو كظيم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتزامن مع هذا الاجتماع كانت هناك سفينة شحن كبيرة في ميناء مرسين تحمل على متنها أسلحة ومعدات عسكرية ثقيلة في طريقها إلى ليبيا. وذكر لي ضابط المخابرات أنجين بوكر، الذي فُصِل عن الجيش أخيراً، والعقيد حسين دميرتاش، الذي وصلتُ إليه بطريقة ما، أن هذه السفينة التي كانت محمّلة بالسلاح تحرّكت في الـ24 من يناير في البداية، وكأنها تتوجّه إلى ميناء قابس بتونس، لكنها غيَّرت وجهتها أخيراً إلى ليبيا. وعندما اقتربت السفينة من ليبيا على بعد 400 كيلومتر حاول القائمون عليها منع تعقُّبِها من خلال إغلاق نظام الإشارات المسمّى (BANA).

ومع الأسف كان المسؤول عن حراسة السفينة فرقاطة من القوات المسلحة التركية. لكن كل هذه الترتيبات فشلت، واُحتجزت السفينة، التي كانت تحمل الراية اللبنانية، من قِبل القوات البحرية العسكرية الفرنسية، وتجاهلتها الفرقاطة التركية.

وانعكس خبر الاحتجاز على الصحف، لكن تفاصيل الحادث ظلت مخفية. مع العلم أن السفينة لا تزال محجوزة في ميناء إيطاليا. وينبغي التنبيه إلى أنه قُبِض على عشرة ضباط استخبارات أتراك وخمسة جنود أتراك، إضافة إلى عمّال عاديين كانوا على متن السفينة المحمّلة بالأسلحة غير القانونية، ولا يزالون قيد المحاكمة في إيطاليا.

ومن المثير الاهتمام هو أنّ أحد الضباط الخمسة الذين اعتُقلوا لجأ إلى إيطاليا، ما يعني أن هذا الضابط سيزوِّد المسؤولين من الاتحاد الأوروبي بجميع تفاصيل تهريب الأسلحة. وما ينبغي أن لا يغيب عن الأنظار أن هذه السفينة ليست عسكرية، بل هي تابعة إلى القطاع الخاص، وتحمل راية أجنبية، ومعظم ما فيها من الأسلحة صُنّعت في مصنع الأسلحة الذي يملكه أدهم سانجاق، المقرّب من الرئيس التركي، بل يعتبره أردوغان "صديق العمر".

ورُخِّصت هذه السفينة على أساس أنها تنقل سيارات مستعملة من أوروبا إلى شمال أفريقيا. وتوجد سفن أخرى مثلها سبق أن تنقَّلت بين تركيا وليبيا مرات عديدة.

دليل صارخ

هذا دليلٌ صارخٌ على أن أردوغان يمارس تهريب الأسلحة إلى ليبيا، كما سبق أن هرَّب النفط السوري. لكن المؤسف أنه يحاول أن يوظّف الجيش التركي في مثل هذه الأعمال القذرة.

وأعجبني رد فعل عقيد بحري فُصِل عن الجيش بسبب مسرحية الـ15 من يوليو (تموز)، إذ يقول معلقاً على هذه القضية: "نحن محظوظون جدّاً بسبب أنه جرى فصلنا عن الجيش قبل أن نكون مضطرين لحراسة أولئك الذين يهرِّبون الأسلحة".

وقلتُ في مقالي السابق: "روسيا تستفيد من أردوغان في ليبيا. لكن يبدو أن موسكو ليست الوحيدة التي تحاول أن تستفيد منه". نعم، يبدو أن قضية ليبيا تزداد تعقيداً.

بل إن إيران التي يظن البعض أنها على طرف نقيض مع تركيا، علماً أني لم أصدِّق هذا إطلاقاً، تجسّ النبض للتعاون مع أردوغان في الشأن الليبي. ونترك تفاصيل القضية إلى مقال لاحق.

المزيد من تحلیل