"مجرمو الإنترنت الخفي" يبيعون المخدرات عبر تطبيقات شائعة وكومبيوترات مسيطر عليها ورسوم غرافيتي فيها رسائل سريّة 

في الأماكن العامة، تظهر رسوم الغرافيتي وعبارات مسبوقة بـ “هاشتاغ" تهدف إلى تعريف الناس على مروّجي المخدرات وحساباتهم الرقميّة على تطبيقات شائعة ومشفّرة مثل تطبيق "تلغرام".

رسم غرافيتي على حائط في موسكو مع علامة هاشتاغ (أ. ف. ب.)

 بدء مروجو المخدرات الذين يستخدمون شبكة "الإنترنت المُظلِم" (تسمّى أحياناً "الإنترنت الخفيّة")، في استخدام تطبيقات المحادثة المعروفة من أجل بيع سلعهم، وغالباً عبر استعمال رسوم الغرافيتي المنتشرة على جدران الشوارع، كي يلفتوا انتباه زبائنهم إلى حساباتهم الإلكترونيّة في تلك التطبيقات، وكذلك يستخدمون ولتحقيق الغاية عينها، يستخدمون أيضاً كومبيوترات سبق لهم السيطرة عليها (غالباً من دون معرفة أصحابها)، وتسمّى "بوتس" Bots، للتواصل مع أولئك الزبائن.  

 يأتي هذا التحوّل في طريقة الترويج بعد حملة استهدفت الاتجار غير المشروع عبر مواقع الإنترنت، وبالترافق أيضاً مع ظهور خاصية التشفير في تطبيقات للتواصل الرقمي تتيح لهم إخفاء بياناتهم الشخصية والإبقاء على هويتهم مجهولة.

هذا السلوك المتنامي في استخدام تلك التطبيقات الجديدة من قبل المجرمين، لاحظه الخبراء المتخصصون في مكافحة الجريمة الإلكترونية، وقد اشاروا إلى استعمال تلك العصابات تكتيكات مبتكرة تساعدهم في الإفلات من أجهزة الشرطة.

وفي حديث إلى "الاندبندنت"، شرح باحث في شبكة الإنترنت الخفيّة، فضل عدم الكشف عن هويته وبيّن أنه تغلغل في قنوات اتصال لتطبيق التراسل "تلغرام"، الشائعة، كيف يمكن استعمال كومبيوترات مُسَيْطَر عليها (= "بوتس") في الاتصال بين المروجين وزبائنهم، وهي طريقة مريحة وتتيح التهرّب من العقوبة.

ونشر الباحث نفسه عدداً من الصور تُظهِر أسماء تلك القنوات وقد رُسِمَت بطريقة الرش على الجدران، بالقرب من محطات النقل الرئيسية والأماكن العامة الأخرى. وكان الهدف من ذلك نشر إعلانات عن تلك القنوات التي توصل إلى مروّجي المخدرات، كي يراها زبائن جدد محتملين.

ومن بين أكبر التحوّلات في طريقة عمل مروجي المخدرات، هو استعمال أسلوب "الأماكن الميتة" Dead Drops لتوزيع منتجاتهم. ومثلاً، قد يستخدم صندوق بريد هجره أصحابه "مكاناً ميتاً" تلقى فيه مواد ممنوعة، كي يلتقطها الزبون، من دون إثارة شبهات حول تلك العملية. وتساعد هذه الطريقة في تجنب المخاطر المترتبة على اللقاء وجها لوجه، إضافة إلى تجنّب خطر تتبع الشرطة تلك المنتجات إذا أرسلت بالبريد.

وبدلاً من ذلك، يخفي مروجو المخدرات المواد المخدرة في أماكن عامة مثل المنتزهات. وقبل ذلك، يتلقى الزبون رسالة تخبره بمكان وجود المخدرات، بعد التأكد اتمام عملية الشراء. وتسهّل العملات المشفرة، وهي شبه مغفلة الهويّة، مثل "بيتكون"، إتمام تلك العمليات.

واكتشفت المجموعات التي تعمل بطريقة "الأماكن الميتة"، في أوكرانيا أولاً، ولُقّبَت بـ"عصابات الأمكنة". ومنذها لوحِظَت أيضا في روسيا ودول البلقان ومعظم أوروبا الوسطى والغربية.

وأشار ريك فورغوسن المستشار الخاص لدى جهاز الشرطة الأوروبية ("يوروبول") إلى أن تقنيات تشفير التراسل بين طرفي الاتصال، وضعف وسائل التحقّق من الهويّة، هي من الأشياء التي تجعل تطبيقات مثل "تلغرام"، جذّابة بالنسبة للعصابات.

وفي تصريح إلى "الاندبندنت"، أوضح فورغوسن الذي يرأس الأبحاث في شركة "ترند ميكرو" للأمن الإلكتروني، أنّ "المجرمين في الوقت الراهن باتوا يعملون على غرار الشركات، ولذا يحتاجون إلى أدوات موثوقة في كي ينجزوا أعمالهم... أصبح "تلغرام" التطبيق المفضل لدى المجرمين، لكنه ليس الأول الذي يتعرض لهذا النوع من الاستخدام السيء. لقد سبقته قنوات مثل "فيسبوك ماسنجر" و"واتس آب" اللذان استغلا سابقاً في عالم الجريمة، وبالتالي قد لا يكون "تلغرام" هو التطبيق الأخير في ذلك المجال".

وفي السابق، اكتسب تطبيق "تلغرام" سمعة سيئة بعدما صار وسيلة الاتصال المفضلة لدى "داعش". ولكن، منذ ذلك الوقت، اتّخُذَتْ إجراءات صارمة على نطاق واسع، لغلق القنوات التي تأوي نشاطات إرهابية.

ومؤخراً، كشف تحقيق عن أن صوراً تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال، وأرقام مسروقة لبطاقات ائتمان، جرى المتاجرة علانية بها عبر "تلغرام"، ما أشّر مجدداً على أن التطبيقات التي تستخدم خاصية التشفير، باتت بديلاً عن "الويب المُظلِم" كطريقة للجريمة.

وأورد بوريس سيبوت، مهندس برامج الحماية في شركة "سينوبسيس" لبرامج الكومبيوتر أن "التطبيقات التي تستخدم خاصيّة التشفير، انطلقت مع نوايا طيّبة مثل المساعدة في حماية الاتصالات الخاصة من تجسس الحكومات... لكن للأسف، حتى وإن صُنِعَت هذه الخاصية للاستخدام الإيجابي، فإن هناك من يستغلها لأسباب سلبيّة".

وعلى الرغم من طلبات متكررة، لم تعلّق إدارة شركة تلغرام على طلبات لتعليقاتها عن ذلك الشأن، لكنها ذكرت في السابق بأنها منخرطة في أبحاث استباقية تهدف للكشف عن النشاطات غير القانونية وإزالتها من التطبيق.

وعلى الرغم من الانتشار المتزايد لهذا النوع من العصابات، والصعوبات التي تواجهها السلطات في ملاحقتها وتوقيفها، يحذّر خبراء الأمن الإلكتروني من أن إرغام تطبيقات مثل "تلغرام" على إضعاف خاصية التشفير التي يستخدمونها، قد يكون خطراً.

وأورد ريك فورغوسن مستشار الـ “يوروبول": "المشكلة لا يمكن حلّها بأن تسعى الحكومات إلى الطلب من صُناع التطبيقات وضع "أبواب خلفيّة" كي تتمكن من اخترا تلك البرامج... إنّ ذلك لن يؤدي إلا إلى تقويض خاصية التشفير بشكل أساسي. إذ تأتي "الأبواب الخلفيّة" من دون ضمانات، ما يجعل اتصالات المستخدمين مفتوحة أمام عالم جديد من الهجمات الإلكترونية".

© The Independent

المزيد من تكنولوجيا