Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يحمي قانون "قيصر" الأميركي المدنيين في سوريا أم يضرهم؟

العقوبات وحدها ليست استراتيجية لكنها مقاربة للضغط المستمر على نظام الأسد

كان المصور العسكري الذي أطلق عليه الغرب اسم قيصر، صبوراً وهادئاً عندما فرّ من سوريا بصحبة 55 ألف صورة التقطها في المشرحة لجثث محترقة أو مشوهة أو مختنقة لشخصيات لاقت حتفها تحت وطأة التعذيب خلال التحقيقات التي أجراها محققو الرئيس بشار الأسد، لكن الهدوء والصبر اللذين تحلى بهما خلال رحلته المحفوفة بالخطر، حل مكانهما الغضب وربما الاكتئاب، نتيجة تقاعس الولايات المتحدة وحلفائها عن وقف انتهاكات النظام السوري في الوقت المناسب، بعدما خاطر بحياته لتقديم دليل لا يمكن إنكاره عن هذه الفظائع. إذ لم تدخل العقوبات الأميركية التي حملت لقبه (قيصر) حيز التنفيذ، إلا في 17 يونيو (حزيران) الحالي، بعد إقرارها نهاية العام الماضي بدعم من الجمهوريين والديمقراطيين والبيت الأبيض ضمن قانون ميزانية الدفاع الوطني الأميركي لعام 2020، أي أن الأمر استغرق ست سنوات كاملة منذ أول تصريحات لقيصر أمام قادة الكونغرس في كابيتول هيل. 

تأثير تدريجي

من غير المحتمل بعد هذا التأخير الطويل، أن يكون لقانون قيصر أي تأثير مفاجئ أو خطير في الاقتصاد السوري، لأن القانون يستهدف استنزاف نظام الرئيس الأسد تدريجاً من المصادر المالية التي تغذي انتهاكاته، حيث يهدد القانون بمعاقبة أي شركة أجنبية تتعاقد مع النظام السوري للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، الأمر الذي قد يقيد روسيا وإيران من الاستمرار في دعم دمشق، بعدما أنفقت إيران في سوريا ما يتراوح بين 20 إلى 30 مليار دولار وفقاً لما صرح به برلماني إيراني مؤخراً، في حين تذهب تقديرات باحثين غربيين إلى أن طهران تنفق 15 مليار دولار سنوياً في سوريا، أي أنها أنفقت 105 مليارات دولار خلال السنوات السبع المنتهية في 2018، بينما تنفق روسيا على الحرب ما يقدر بمليار دولار سنوياً، إضافة إلى قروض بلغت 3 مليارات دولار قدمتها لمساعدة نظام الأسد. 

وفي حين وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قانون قيصر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن التشريع منح مهلة زمنية مدتها 180 يوماً قبل أن تتمكن الإدارة الأميركية من فرض عقوبات جديدة، وخلال هذه الفترة التي تبلغ ستة أشهر، ألحقت الأزمة المالية التي ضربت لبنان تأثيراً مدمراً في الاقتصاد السوري قبل بدء تنفيذ العقوبات، إذ كان الاقتصاد اللبناني المرتكز على الدولار، مصدراً رئيساً للعملات الصعبة إلى سوريا في وقت تتعرض دمشق لعقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

انهيارات متتالية 

وعندما قيدت البنوك اللبنانية سحب الأرصدة بالدولار منها، بدأ الطلب على الدولار الأميركي في سوريا يفوق العرض بشكل كبير، ما أدى إلى سقوط سريع لليرة السورية، التي وصلت إلى 515 مقابل الدولار في يونيو الماضي، ثم 1500 منذ أشهر قليلة، قبل أن تصل إلى أقل من 3200 مقابل الدولار الأسبوع الماضي.

وجلب انهيار الليرة معه تضخماً سريعاً، حيث قدّر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في أبريل (نيسان) الماضي، ارتفاع تكلفة سلة السلع الأساسية مثل الدقيق والزيت بنحو 110 في المئة خلال عام واحد، وتسبّبت الحرب واعتماد السوريين على المساعدات الخارجية إلى زيادة الفقر والمعاناة، حتى في المناطق التي كانت تحت قبضة قوية من النظام السوري فترة طويلة.

وأسهمت القيود المفروضة لمنع انتشار وباء كورونا في زيادة خطورة الوضع، على الرغم من أن النظام بدأ في رفع القيود الأسبوع الماضي، حيث لجأ الأسد إلى طرد رئيس وزرائه عماد خميس للتخفيف من تصاعد الغضب الشعبي في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، بخاصة في محافظة السويداء الجنوبية التي شهدت احتجاجات غير مسبوقة طالبت بالإطاحة بالرئيس. 

لعبة التوازنات

ويطرح الحرمان الذي يعانيه السوريون، سؤالاً مفصلياً حول ما إذا كانت العقوبات التي ينص عليها قانون قيصر ستحقق هدفها في زيادة الضغوط على النظام من دون أن تضيف أعباءً جديدة على المدنيين في الشعب السوري. 

فبينما قللت أدلة التعذيب الجماعي والمنهجي من شكوك المسؤولين في أوروبا والولايات المتحدة في أن معاقبة الأسد وأعوانه تُعتبر قضية عادلة ومسألة ضميرية واجبة، إلا أن عدداً من المحللين والمفكرين، يساوون بين عقلية من يقف وراء قانون قيصر، وبين عقلية نظام الأسد. 

ويقول آرون لوند من مؤسسة سينشري في واشنطن، إن الجانبين يعملان على أساس مبدأ واحد هو إما الرئيس الأسد أو نحرق سوريا، حيث لا يخفي أحد الأطراف استعداده لقصف المدن والقرى السورية وحرقها وتجويع سكانها لمنع إقصاء بشار الأسد خارج المعادلة السياسية، فيما يبدو أن الجانب الآخر مصمم بالقدر نفسه على تدمير الاقتصاد السوري وإبقاء الحرب مشتعلة إلى الأبد لمنع الأسد من إعلان النصر.

مراجعات مطلوبة 

ومع ذلك، تشير الجهود الأميركية والأوروبية للتخفيف من معاناة المدنيين السوريين إلى أن اتهام الغرب باللامبالاة والقسوة حيال معاناة الشعب السوري، ليست إلا اتهامات كاذبة، فطوال فترة الحرب، اقترنت العقوبات الغربية ضد نظام الأسد، بدفع مليارات الدولارات في شكل مساعدات إنسانية كل عام، يتم تسليمها من خلال الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الشريكة، وعلى سبيل المثال تضمنت خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2019 تقديم مساعدة مباشرة لـ 9 ملايين شخص في سوريا.

ويرى ديفيد أديزنيك وتوبي ديشويتز، الباحثان في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن ما تحتاجه سوريا للتخفيف من المعاناة المستمرة للسوريين، ليست عقوبات أقل، بل إصلاح جذري لآلية الأمم المتحدة المستخدمة في تسليم المساعدات، والتي يشارك فيها نظام الأسد بحكم الواقع، لدرجة أن وكالات الأمم المتحدة أصبحت مرتبطة بحصار السكان المدنيين، وفقاً لتقارير حقوقية عديدة ومراجعات أشارت إلى خروج المنظمة الدولية عن المبادئ الأساسية للنزاهة والحياد والاستقلالية. 

وعلى مدى سنوات، سمحت الأمم المتحدة لنظام الأسد بتقديم مساعدة مباشرة إلى السكان الداعمين له، بينما كان يمنع وبشكل منهجي عمليات تسليم المساعدات إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرته. وعلى سبيل المثال، تشير آني سابارو وهي طبيبة أطفال وأستاذ الصحة العامة إلى تقييد النظام السوري عمل منظمة الصحة العالمية وإنكاره تفشي مرض شلل الأطفال في بعض المناطق على الرغم من الدلائل على ذلك، كما سارعت المنظمة إلى توفير مساعدات وأجهزة طبية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، فيما استغرق الأمر أسابيع قبل أن تصل هذه المساعدات نفسها إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام في شمال سوريا وغربها.

تباينات حول القانون 

وبينما يأمل "قيصر" نفسه الذي يعيش متخفياً الآن كلاجئ سياسي في دولة أوروبية، في أن تتحقق العدالة وتتوقف ماكينة الموت عن قتل آلاف الضحايا الذين وثّق بالصور الانتهاكات بحقهم قبل سنوات، يحذر منتقدو القانون من الأضرار الاقتصادية المحتملة على المدنيين، بينما يتجاهلون كيف يمكن للعقوبات أن تنقذ المدنيين من فظائع النظام، فالشبكة السورية لحقوق الإنسان تتحدث عن نحو 129 ألف سجين سياسي لا زالوا معتقلين في سجون النظام السوري، فيما تشير منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان إلى أدلة عن 537 هجوماً على المنشآت الطبية شنته القوات الروسية والسورية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظل المحاولات المتكررة من قبل قوات النظام المدعومة بالقوات الروسية تحقيق مكاسب لها في محافظة إدلب، يصبح من الصعب التكهن بما إذا كانت العقوبات الأكثر صرامة في قانون قيصر، سوف تؤخر أو تمنع المحاولة التالية لإخضاع ما تبقى من المحافظة. وليس من المستغرب أن الأمور المالية للنظام السوري لا تزال غامضة، وكذلك مدى الدعم الذي تقدمه روسيا وإيران إليه بين حين وآخر، ومن ثم فإن تقييم الوضع يعد من قبيل التخمين.

ومع ذلك، هناك من يتبنى الادعاءات بأن قانون قيصر أو أي عقوبات أخرى، ستضر بالمدنيين حتماً بعدما تبين أن تسع سنوات من الحرب المتواصلة استهدف معظمها المدنيين، هي السبب الرئيس للحرمان الذي يعاني منه الشعب السوري، فضلاً عن الفساد الذي يشوّه كل جوانب الاقتصاد السوري، وفي ظل الحرب والفساد، بات من المؤكد أن الأزمة التي اندلعت بسبب انهيار الليرة، ستزيد من تعقيد أي جهد لتحديد التأثير الدقيق لعقوبات قيصر في فئات الشعب.

ضربة قيصر القاسمة

ما يجعل عقوبات قيصر شديدة القسوة، هو أنها تنطوي على ما يسميه المحللون الماليون العقوبات الثانوية، فبينما تمنع العقوبات الأولية بشكل أساسي المواطنين الأميركيين من إجراء معاملات مع الأفراد والكيانات المدرجة على القائمة السوداء لوزارة الخزانة الأميركية، تقع العقوبات الثانوية على الأشخاص المنتمين إلى دول ثالثة، الذين يتعاملون مع أولئك المدرجين في هذه القائمة السوداء.

من الناحية العملية، يوجه القانون ضربة قاسمة لأي أمل لدى النظام السوري في أن يتمكن من الانتقال من الحرب إلى إعادة الإعمار بمساعدة الشركات الأجنبية، وهو بذلك يقطع الطريق على محاولات جميع الحلفاء الدوليين لدمشق من أجل إعادة تأهيل النظام مرة أخرى وتلميع صورته. 

قد تكون بعض الشركات الروسية غير مبالية بخطر العقوبات الأميركية، ولكن الشركات الصينية والبرازيلية والكورية، من غير المرجح أن تُعرض تعاملاتها في السوق بالدولار الأميركي للخطر من أجل الحصول على موطئ قدم لها في سوريا. وحتى إذا رفع الاتحاد الأوروبي يوماً ما عقوباته التي جددها مؤخراً في ضوء استمرار الانتهاكات، فإن عقوبات قيصر ستظل تردع الشركات الأوروبية عن التعامل مع النظام السوري.

وليس هناك من شك في أن الشركات الأوروبية أصبحت أكثر امتثالاً للعقوبات الثانوية الأميركية، والدليل على ذلك أنه عندما انسحبت إدارة ترمب من الاتفاق النووي الإيراني وأعادت فرض العقوبات، سارعت الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى التي تتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً لها إلى الانسحاب من مشاريعها في إيران على الرغم من سياسة حكوماتهم الخاصة في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع طهران في ذلك الوقت.

عقوبات مستمرة

وعلى الرغم من أن قانون قيصر لا يحظر التعامل مع القطاع الخاص السوري، إلا أن القائمة السوداء للأقلية من رجال الأعمال الأثرياء المرتبطين بالنظام، والتي يمتد نطاقها في جميع أنحاء الاقتصاد، تعني أن جميع الشركات الكبيرة تقريباً يُحظر التعامل معها. 

وما يجعل لقانون قيصر ميزة أخرى مهمة، أنه يجعل العقوبات إلزامية، بدلاً من السماح للسلطة التنفيذية الأميركية بتحديد موعد تطبيقها. ونظراً لأن الإدارة الحالية للرئيس ترمب اتسمت بالقوة في تطبيقها للعقوبات الحالية على سوريا، على الرغم من أن الانتكاسات المفاجئة، فإن فوز ترمب بدورة رئاسية جديدة سيضمن بقاء تنفيذ العقوبات، وإن لم يفز وجاء جو بايدن رئيساً في المكتب البيضاوي، فسوف تظل هناك فرصة جيدة لأن تعمل الإدارة الجديدة على النهج نفسه نظراً للدعم القوي من الديمقراطيين لقانون قيصر. 

وتشير مجلة "فورين بوليسي" إلى أن السوريين ربما سمعوا مثل هذه الكلمات من قبل، وأصيبوا بخيبة أمل شديدة تجاه الجمهوريين والديمقراطيين، لكن قانون قيصر يضمن هذه المرة إجراء واضحاً على الأقل، وأنه على الرغم من أن العقوبات وحدها ليست إستراتيجية، إلا أنها جزء لا يتجزأ من أي مقاربة معقولة للضغط المستمر على نظام الرئيس بشار الأسد.

وفي كل الأحوال، فإن القانون يرسل رسالة قوية إلىكل من يدعم نظام الأسد بأن وقت المساءلة والعدالة مقبل، وأنه بغض النظر عن المدة التي سيستمر فيها القمع، فلا شك في أن الحقيقة ستسود في نهاية المطاف حتى لو استغرق الأمر سنوات.

المزيد من العالم العربي