Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بعد تهديد نصر الله الأميركيين و"حلفاء" الداخل؟

لبنان دخل بقوة في مدار الصراع بين واشنطن وطهران بعد بدء تنفيذ قانون "قيصر"

ركزت المواقف الأميركية على أن قانون "قيصر" لا يستهدف لبنان بل نظام الأسد (أ ف ب)

لم تترك الشاشات التلفزيونية في بيروت مجالاً للشك بأن لبنان دخل بقوة مدار المواجهة الأميركية - الإيرانية من خلال "حزب الله"، لمناسبة إعلان الإدارة الأميركية العقوبات على الرئيس السوري بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس و37 شخصية أخرى من بطانة النظام مع الشركات والمؤسسات التي يملكونها، طبقاً لقانون "قيصر".

فبعد ظهور الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله ليل الثلاثاء 16 يونيو (حزيران)، أي عشية إعلان العقوبات في 17 يونيو، متوعداً الأميركيين إزاء الضغوط التي يمارسونها ضد نظام الأسد ومن يدعمه، ثم ظهور السفيرة الأميركية دوروثي شيا وأكثر من ناطق باسم الخارجية الأميركية على ثلاث محطات تلفزيونية، إما للرد عليه أو للتأكيد بأن "قيصر" لا يستهدف لبنان... بدا واضحاً أن فريقي الصراع انتقلا إلى الحدة في المواجهة عبر الإعلام، ينتظر أن تتم ترجمتها في الأسابيع والأشهر المقبلة بأشكال مختلفة، ويمكن أن تنذر بمخاطر على الوضع اللبناني الداخلي.

تبادل الحملات الدعائية تمهيد

كما أن "حزب الله" لم يكتفِ بكلام نصر الله ليل الثلاثاء، فظهر نائبه الشيخ نعيم قاسم في مقابلة مطولة على محطة "أل بي سي" لمزيد من الشرح والتوضيح حول توجهاته اللبنانية في ظل مواجهة العقوبات الأميركية. تختصر الحملة الدعائية لكل من فريقي المواجهة الكبرى بالقول إن نصر الله أراد تعبئة جمهوره واللبنانيين ضد "قيصر" حين اعتبر أنه "يلحق الأذى باللبنانيين كثيراً، وربما لدى ‏السوري فرصة لاستيعاب تداعياته أكثر"، مشدداً على أن واشنطن تمنع المجيء بالعملة الخضراء إلى البلد وأنها تريد تجويع لبنان كما سوريا.

في المقابل، ركزت المواقف الأميركية على أن القانون لا يستهدف لبنان، بل نظام الأسد، وفي هذا السياق جاء نفي السفيرة شيا لاتهام نصر الله بلادها بأنها تمنع إدخال الدولار إلى لبنان، معتبرة أن الادعاء بتجويع لبنان "تلفيقات كاذبة"، وأن بلادها لا تمنع إدخال الدولار إلى البلد، وأن الأزمة المالية الاقتصادية فيه تعود إلى عقود من الزمن وإلى عدم تطبيق الإصلاحات.

"سنقتلك… سنقتلك"

إلا أن الأوساط السياسية المختلفة الانتماءات التي تابعت كلام نصر الله اتفقت على وصف نبرته بـ"التوتر" و"الغضب" و"الانفعال" إزاء التداعيات التي يتركها "قيصر"، وإزاء إثارة موضوع نزع سلاح الحزب وتطبيق القرار الدولي الرقم 1559 من قبل مجموعات محدودة في 6 يونيو (حزيران) الماضي. ولعل العبارة المفتاح في خطابه كانت حين أعلن أن "الذي يضعنا بين خيارين: إما نقتلك بالسلاح أو نقتلك بالجوع، أقول له‏، سيبقى سلاحنا في أيدينا ولن نجوع ونحن سنقتلك، نحن سنقتلك، نحن سنقتلك".

فنصر الله طالب بأن "لا نخضع لقانون ‏قيصر، وأن لا يكون القرار الرسمي أو الشعبي هو الخضوع له"، معتبراً أن "موضوع الاقتصاد والجوع والدولار اليوم حرب، ‏وبحاجة إلى روحية حرب وعقل حرب وإرادة حرب وشجاعة حرب وثقة".

"قيصر" ومطلب الانسحاب الإيراني

يدور خطاب نصر الله حول هاجس معاودة التأكيد على أن "حلفاء سوريا الذين وقفوا ‏معها في الحرب العسكرية والأمنية والسياسية، لن يسمحوا لقانون ‏قيصر بأن يلحق الهزيمة بها. ولن يسمحوا بسقوطها في ‏مواجهة الحرب الاقتصادية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالقلق من أن تسقط العقوبات الاقتصادية النظام أو تضعفه إلى درجة تقديمه التنازلات للمجتمع الدولي والولايات المتحدة، يمس الحزب وإيران في الصميم، نظراً إلى أن الضغط على الأسد كي ينفذ القرار الدولي رقم 2254، كما ينص "قيصر"، يواكب الضغط الأميركي القائم على الصعيد الدولي من أجل انسحاب الميليشيات الإيرانية من سوريا. ونجاح "قيصر" يقود عملياً إلى تجريد إيران من ورقة إقليمية كبرى كانت كلفة الاستحواذ عليها عالية جداً على مدى السنوات الماضية، ويؤثر ذلك سلباً في نفوذها في لبنان حكماً. وعقوبات القانون تنص أصلاً وصراحة، على أنها تطبق في مجالات الطاقة والتكنولوجيا وإنتاج الغاز والبترول والمنتجات البترولية وقطع الغيار لطائرات عسكرية وخدمات هندسية، في مناطق موصوفة على أنها خاضعة لحكومات سوريا، الاتحاد الروسي وإيران. والأخيرة منغمسة في نشاطات من هذا النوع، مثل روسيا.

أي أن من يتعاملون مع الحكومات الثلاث في مناطق نفوذها على الأراضي السورية، يخضعون لهذه العقوبات. ويشمل القانون أيضاً "جمع الأدلة" من قبل السلطات الأميركية عن مشاركة هذه الحكومات "من أجل الملاحقات القضائية في ما بعد ضد الذين ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في سوريا، بما في ذلك المساعدة في هذه الجرائم ودعمها من قبل الحكومات الأجنبية والمنظمات الداعمة للحكومة السورية منذ 11 مارس (آذار) 2011". وهذا يطال إيران والحزب.

التهديد المباشر للأميركيين

لا يكتفي من يردون انفعال نصر الله وتوتره في خطابه بالإشارة إلى البعد الإقليمي والسوري الضاغط على حزبه وعلى إيران، بل إنهم يفسرون العنف الكلامي الذي خاطب به الأميركيين واللبنانيين بأنه بات يعتبر معركته ضد قانون العقوبات الجديد أساسية ووجودية. وينظر بعض المحللين الذين يرصدون ردود فعل الحزب والصعوبات التي يمر بها إلى تكراره العبارة المفتاح، "سنقتلك" ثلاث مرات على أنها موجهة إلى الجانب الأميركي. ويذكّر بعض هؤلاء بالتهديد الذي أطلقه ضد الأميركيين بعيد اغتيال قائد قوة "القدس" في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي بأن الجنود الأميركيين سيعودون إلى بلادهم في التوابيت إذا لم ينسحبوا من العراق.

ويلاحظ هؤلاء أن الميليشيات التابعة لإيران في العراق، مع أنها تقوم بعمليات مدروسة ومنضبطة ضد الوجود الأميركي في محيط بغداد، فهي تبقى أقل من مستوى التهديد الذي أطلقه نصر الله. فهل يبقى تهديده هذه المرة في لبنان منضبطاً وضمن الحدود الكلامية أم يصبح عملياً وكيف؟

رسالة إلى الداخل اللبناني والحليف

لكن الشق الأول من العبارة المفتاح الذي ردده نصر الله، هو قوله "إما نقتلك بالجوع أو نقتلك بالسلاح". وهي معادلة قال إن لديه معادلة مناقضة لها لم يفصح عنها، تاركاً للتكهنات أن تأخذ مداها، في إطار من الحرب النفسية. فالخيار بين السلاح والجوع ورد أول ما ورد قبل أكثر من شهر على لسان أحد نواب "التيار الوطني الحر" زياد أسود (مع أنها لم ترد كما نطق بها نصر الله الذي أضاف إليها فعل "نقتلك"...) حين بدأ "التيار" الحليف يرسل إشارات التمايز عن الحزب، والانفتاح على الجانب الأميركي، والتي قيل في حينها إنها تهدف إلى تجنيب رموزه، لا سيما رئيسه النائب جبران باسيل، العقوبات التي يمكن أن تطال لبنانيين يتعاملون مع "المنظمات الداعمة للحكومة السورية"، والحزب منها. كما فُهم أن من أهداف ذلك التمايز العوني الذي تمظهر أيضاً في الاستجابة لطلب دونالد ترمب إطلاق سراح العميل عامر الفاخوري الأميركي الجنسية قبل شهرين، تبييض صفحة باسيل وتعويمه أمام الغرب، كمرشح محتمل للرئاسة الأولى بعد الحملات التي تناولته من الأوساط السياسية والشعبية.

وتقول مصادر سياسية بارزة متابعة لموقف "حزب الله" لـ"اندبندنت عربية"، إنه يفترض رصد ما سيكون عليه موقف رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل حيال التهديد المبطن الذي أطلقه نصر الله ضد طرح الخيار بين السلاح والجوع عليه، والرسالة التي تشمل الحليف بعد أن تعاطى مع "تمايزه" بشيء من الليونة سابقاً، بسبب حاجة الحزب إلى "ورقة التين"، التي يمثلها "التيار" كغطاء مسيحي ورسمي (من خلال الرئاسة) للحزب في دوره اللبناني وبعده الإقليمي.

وفي معلومات هذه المصادر أن الرئيس عون وباسيل يتجهان إلى الانسجام مع الإلحاح الأميركي من أجل الإسراع في ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وأن هذا هو سبب ما تسرب من معلومات عن أن رئيس الجمهورية حاول عبر أحد الموفدين، جس نبض رئيس البرلمان نبيه بري الذي كان مكلفاً بتولي التفاوض مع الجانب الأميركي حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، في محاولة لإرضاء الجانب الأميركي.

المزيد من تحلیل