Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات سد النهضة تتصدع مع عودة الملف إلى رؤساء الحكومات

مصر تبحث عن خيارات سياسية بديلة ووزير الخارجية الإثيوبي يطالب المجتمع الدولي بالضغط على القاهرة

جانب من إنشاءات سد النهضة الإثيوبي (أ ف ب)

أعلنت مصر والسودان وإثيوبيا توقف الجولة الحالية من المفاوضات بعد فشلها في الوصول إلى "نتائج ملموسة" أو تحقيق "أي تقدم يُذكر" في التوافق على الملفات الخلافية والبنود العالقة والالتزام القانوني فيما يتعلق بالاتفاق الذي تسعى الدول الثلاث إلى الوصول إليه حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الذي تستعد أديس أبابا إلى إدخاله إلى الخدمة خلال أسابيع، وسط تحذيرات من صدام محتمل.

وبعدما أعلنت الدول الثلاث إحالة الملف إلى رؤساء الحكومات بعد فشل المفاوضات الوزارية الثلاثية، يتصاعد الجدل في مصر حول ضرورة التحرك في خطوات بديلة عن مسلك "التفاوض" الذي أهدر 9 سنوات من دون الوصل إلى اتفاق، وسط حالة من التشاؤم وغياب اليقين بخصوص مصير المفاوضات "المتعثرة" بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الذي تصر أديس أبابا على المضي قدماً في خطة أحادية الجانب لتخزين مليارات المترات المكعبة في بحيرته الواسعة، بما يُتوقع معه تهديد الأمن المائي في كل من دولتي مصب نهر النيل، فضلاً عن تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي في حال تحول الأزمة إلى صدام بين أطرافها.

تضارب حول مصير المفاوضات

وأعلن السودان، مساء أمس الأربعاء، نتائج الاجتماعات الأخيرة التي استمرت على مدار يومين، بوصفه "مُكلفاً" بإعداد مسوّدة وثيقة توافقية بين الرؤيتين المتعارضتين لكل من مصر وإثيوبيا. وقالت وزارة الري والموارد المائية السودانية في بيان إنه "رغم التقدم المعتبر الذي تم تحقيقه في الجوانب الفنية المتعلقة بملء وتشغيل سد النهضة، فإن الخلافات في الجوانب القانونية كشفت خلافات مفاهيمية حقيقية بين الأطراف الثلاثة حول عدد من القضايا على رأسها مدى إلزامية الاتفاق وآلية حل النزاعات وعدم ربط الاتفاق بأي اتفاقيات أخرى (حول تقاسم المياه) باعتبار أن الاتفاق الحالي يفترض أن يتعلق بملء وتشغيل السد وليس بتقاسم حصص المياه بين الدول الثلاث".

وفيما أوضحت الخرطوم أن الوفد السوداني طلب "إحالة الملفات الخلافية إلى رؤساء الوزراء في الدول الثلاث للوصول إلى توافق سياسي بشأنها بما يوفر الإرادة السياسية التي تسمح باستئناف المفاوضات في أسرع وقت بعد التشاور بين وزراء الري في الدول الثلاث"، قالت القاهرة إن إثيوبيا "اعترضت في ختام اجتماعات وزراء الري على اقتراح بأن يُحال الأمر إلى رؤساء وزراء الدول الثلاث كفرصة أخيرة للنظر في أسباب تعثر المفاوضات والبحث عن حلول للقضايا محل الخلاف، ما أدى إلى إنهاء المفاوضات".

وفي ختام جولة من المفاوضات الثلاثية على المستويين الفني والقانوني استمرت نحو أسبوعين، أكد محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري المصري، في أعقاب انتهاء اجتماع وزراء المياه في مصر والسودان وإثيوبيا، الأربعاء، أن "مفاوضات سد النهضة التى أجريت على مدار الفترة الماضية لم تحقق تقدماً يُذكر"، فيما ذكر بيان لوزارة الموارد المائية الإثيوبية إن الاجتماع "انتهى إلى استمرار المفاوضات بعد استشارة السودان".

 

تحميل إثيوبيا المسؤولية

وقال الوزير المصري إن الاجتماعات فشلت في الوصول إلى نتيجة "بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني، حيث رفضت أديس أبابا خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام اتفاقية ملزِمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لإثيوبيا تعديلها بشكل منفرد".

وأكدت واشنطن التي تشارك في المفاوضات كمراقب إلى جانب الاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، مسؤولية إثيوبيا عن الوصول إلى اتفاق ملزم بعدما تم التوافق حول أغلبية الأمور الفنية المتعلقة بتشغيل وملء السد، وطالب مجلس الأمن القومي الأميركي أديس أبابا بإظهار روح قيادية قوية، بإبرام "اتفاق عادل بشأن سد النهضة قبل البدء في الملء الأول للسد". وقال المجلس، التابع إلى البيت الأبيض، في تغريدة بحسابه على موقع "تويتر"، إن "257 مليون شخص في شرق اأفريقيا يعوّلون على إثيوبيا لإظهار قيادة قوية، ما يعني إبرام صفقة عادلة. تم حل المشكلات الفنية وحان الوقت لإنجاز اتفاق سد النهضة قبل ملء السد بمياه نهر النيل".

وبينما أعادت القاهرة التأكيد على موقفها بتحميل إثيوبيا مسؤولية إطالة أمد المفاوضات من دون الوصول إلى نتيجة، أعرب وزير الموارد المائية والري المصري "عن التقدير العميق لمبادرة السودان للدعوة إلى هذه الاجتماعات ومساعيه الجادة إلى دعم المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق"، مؤكداً أن بلاده انخرطت في جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها السودان بحسن نية.

واستكمل "كما سعت إثيوبيا إلى الحصول على حق مطلق في إقامة مشروعات في أعالي النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن اتفاق سد النهضة آلية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت إثيوبيا على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف."

ودفاعاً عن موقفها، قالت أديس أبابا في بيان لوزارة الموارد المائية، الأربعاء، "بالإضافة إلى ضمان التشغيل الأمثل للسد، تتطلب المفاوضات الحيطة والحذر لحماية الحق الدائم لإثيوبيا على النيل الأزرق. وبالمثل، تتطلب المفاوضات من حكومتي مصر والسودان أن تتخذ طريقاً مبصراً يؤدي إلى تعاون مستدام يحترم سيادة البلدان والمنفعة المتبادلة".

هل الملء من دون اتفاق يمثل إعلان حرب؟

وأعاد البيان الإثيوبي التأكيد على ما سبق أن أعلنه رئيس الوزراء آبي أحمد حول خطة بلاده أحادية الجانب لملء السد خلال موسم الفيضان المرتقب خلال أسابيع، وقال بيان "الري" الإثيوبية "تؤكد أديس أبابا من جديد حقها في ملء وتشغيل السد على أساس المبادئ المنصوص عليها في إعلان المبادئ حول سد النهضة. ومع ذلك، فإن إثيوبيا على اقتناع بأن الدول الثلاث يمكن أن تختتم المفاوضات بشأن المبادئ التوجيهية والقواعد بنتيجة تزيد من منفعة البلدان الثلاثة".

وفي بيان مطوّل نشرته مجموعة الأزمات الدولية (منظمة دولية بحثية غير حكومية مقرها بروكسل)، حذّرت المنظمة التي تصف نفسها بأنها معنية "بمنع حدوث وتسوية النزاعات الدموية حول العالم"، من إهدار كامل للفرص المتاحة للوصل إلى اتفاق، مؤكدة أن إثيوبيا "إذا مضت قدماً بخطتها لملء خزان السد حتى لو لم يكن هناك اتفاق، ستتصاعد التوترات بين الدول الثلاث، ما سيزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية"، فإذا حدث ذلك "ستنعدم الثقة بين الأطراف"، ما سيجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق شامل أو إعادة النظر في فكرة "صفقة مؤقتة من شأنها على الأقل شراء مزيد من الوقت".

وقبل ساعات من انطلاق الجولة الأخيرة من المفاوضات تلبية للدعوة السودانية، أكد مجلس الأمن القومي المصري خلال اجتماع عقده برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن القاهرة "ستشارك في هذا الاجتماع من أجل استكشاف مدى توافر الإرادة السياسية للتوصّل إلى اتفاق، وتأكيداً لحسن النيات المصرية"، فيما قال وزير الري المصري، في ختام تلك الجولة، إنه رغم طول أمد المفاوضات على مدار ما يقرب من عقد كامل، فإن "مصر انخرطت في جولة المفاوضات الأخيرة لاستنفاد واستكشاف كافة السبل المتاحة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يؤمّن لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من هذا المشروع، مع الحد، في الوقت ذاته، من الآثار السلبية والأضرار التي قد يلحقها هذا السد على دولتي المصب. ولكن للأسف، استمرت إثيوبيا في مواقفها المتشددة"، ما اعتبره مراقبون تأكيداً على تقييم القاهرة لمدى صعوبة الوصول إلى اتفاق من خلال المفاوضات الثلاثية التي تمسكت أديس أبابا بصيغتها ورفضت تحوّل دور الولايات المتحدة من مراقب إلى وسيط خلال المفاوضات التي انتهت في فبراير (شباط) الماضي إلى مسودة اتفاق وقعته القاهرة فقط "إثباتاً لحسن نيتها في الوصول إلى اتفاق" وانسحبت منها إثيوبيا في الساعات الأخيرة، واشترط السودان موافقة الطرفين للتوقيع عليها.

ووسط تأكيد العديد من الخبراء والمتخصصين المصريين أن بدء ملء السد يمثل الفرصة الوحيدة لاستخدام الأداة العسكرية لضمان مصالح مصر في مياه النيل، قال أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة ونائب مدير مركز حوض النيل بالمعهد، إن تنفيذ إثيوبيا قرارها ببدء ملء السد في يوليو (تموز) المقبل، بغض النظر عن الوصول إلى اتفاق مع مصر والسودان، يمثل "إعلان حرب" من وجهة نظر القاهرة، ووفقاً للقانون الدولي، "بما يعطي مصر كامل الحق الشرعي المعترف به بموجب ميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن نفسها ووجود شعبها والرد على هذا التهديد"، على حد وصفه.

 

حق القاهرة في استخدام كل البدائل

وأضاف شبانة "إثيوبيا لن تصل إلى اتفاق، وهي تضيّع الوقت في مفاوضات فاشلة قبل بدء الملء الأول للسد كما يصر رئيس الوزراء الإثيوبي، والملء الأول للسد إعلان حرب على الدولة المصرية وشعبها، وهنا سيكون للقاهرة الحق في استخدام كل البدائل التي تملكها لأن إثيوبيا في هذه الحالة تخرق القانون الدولي وتهدد المصريين بإبادة جماعية وتهدد كيان الدولة المصرية، وفي هذه الحالة ليس هناك أي قيد أو شرط عندما تمارس القاهرة حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة".

وحذّر خبراء في معهد ماساتشوستس الدولى للتكنولوجيا، خلال ورشة عمل عقدوها قبل يومين، من تداعيات تشغيل السد الإثيوبي على دولتي المصب، مؤكدين ضرورة التنسيق بين تشغيل السد العالي وسد النهضة والسدود السودانية، وهو ما أكده أيضاً وزير المياه السوداني خلال مؤتمر صحافي عقده مساء أمس الأربعاء.

وأعلن ياسر عباس وزير الري السوداني، رفض بلاده التام مسألة الزج بقضية تقسيم مياه نهر النيل في المفاوضات الجارية، موضحاً أن سد الروصيرص الذي يبعُد 100 كيلومتر عن سد النهضة لن يتم تشغيله بصورة آمنة من دون توقيع اتفاق على تشغيل وملء سد النهضة"، مشيراً إلى أن بحيرة السد السوداني الذي يصل حجمه إلى أقل من عُشر نظيره الإثيوبي، لا تبتعد سوى 5 إلى 15 كيلومتراً عن موقع "النهضة".

وتابع خبراء معهد ماساتشوستس "بهدف تحقيق استراتيجية إثيوبيا بعدم إحداث ضرر لدول المصب، فإنه من المهم أن تتم إدارة سد النهضة والسد العالى واحتياطي السودان من المياه بالتنسيق بين الدول الثلاث، حتى لا تكون هناك حالة من الإفراط في مرافق التخزين يكون فيها حجم المياه المخزَّن أكثر مما هو مطلوب فعليا للحماية من الجفاف".

وسبق أن أكدت مصر خلال مفاوضات واشنطن التي عقدت برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي على مدار أربعة شهور، ضرورة الالتزام بمبدأ التنسيق التشغيلي بين سدها "العالي" وسد النهضة، حيث أكدت وزارة الري المصرية وقتذاك "رغبة الجانب المصري في التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يحقق التنسيق بين السدين، من منطلق أهمية التوافق على آلية للتشغيل التنسيقي بين السدود، وهي آلية دولية متعارف عليها في إدارة أحواض الأنهار المشتركة".

وذكر مقال في موقع "المونيتور" الأميركي للمتخصصة في شؤون المياه آية أمان، أن "التحرك العسكري لا يزال غير محتمل"، وأن "مصر قد تضطر إلى قبول اتفاقية جزئية بشأن الملء الأول من دون تضمين تشغيل السد وآلية التنسيق"، في إشارة إلى تقدير إثيوبيا أن "ملء السد خلال العام الأول سيكون محدوداً بـ4 مليارات متر مكعب ولن يكون له تأثير ملموس في مصر والسودان".

تهديد الأمن والسلم الإقليمي والدولي

وحذر تقرير تحليلي نشرته مجلة "أديس استاندرد" الإثيوبية، قبل يومين، من دخول منطقة القرن الأفريقي في "صراع من جديد"، نتيجة "مواقف وألاعيب القاهرة"، على حد وصفه. وقال التقرير "رغم أنه من الواضح أن مصر تعتمد على النيل، فإن هذا لا يعني أنه يجب السماح لها باستخدام حق الـ(فيتو) ضد كل ما يحدث في الدول المشاطئة الأخرى للنهر، ولا ينبغي عليها التدخل في شؤون هذه الدول لإحباط جهودها للمطالبة بحقوقها في مياه النيل. لسوء الحظ، هناك العديد من حوادث الصراع وانعدام الأمن السابقة في القرن الأفريقي التي حدثت بشكل مباشر وغير مباشر بناء على طلب من مصر. كل هذا يجب أن يتغير. يجب فرض نموذج جديد تستفيد فيه جميع الدول المشاطئة بإنصاف".

واعتبر التقرير كذلك أن القرن الأفريقي تعرّض بالفعل للعديد الأزمات السياسية والصراعات والتدخلات الخارجية بما في ذلك الخلافات حول مياه النيل، بالقول "تؤثر التطورات الأخيرة في المنطقة والعالم بشكل كبير في النظام الاقتصادي والسياسي لدول القرن الأفريقي. على الصعيد الإقليمي، شهد القرن الأفريقي تحديات شديدة ناشئة عن الاضطرابات السياسية الداخلية وانتشار هشاشة الدولة والفقر الاقتصادي والتدخلات واسعة النطاق من قبل الجهات الخارجية، بما في ذلك دول الخليج والقوى العالمية". وأضاف "تتجلى هذه التعقيدات في العلاقات المتقلبة بين الدول في القرن الأفريقي وزيادة التنافس على تقاسم الموارد الطبيعية والمصالح الجغرافية الاستراتيجية، وشملت الخلافات التي أعيد تنشيطها حول استخدام مياه النيل".

وقالت مصادر دبلوماسية متطابقة في ثلاث من دول القرن الأفريقي تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" شريطة عدم ذكر هوياتهم نظراً لحساسية الأمر، إن البلدان الثلاثة تناقش اتخاذ موقف مشترك حال وصول أفق حل أزمة سد النهضة إلى طريق مسدود لا يعد معه أي خيار ممكن عن الصدام أو بمعنى أدق الحرب بين أطراف الأزمة، مؤكدة أن أمن واستقرار القرن الأفريقي سيصبح على المحك، إذا دخلت الأزمة في مسار غير سلمي.

وشدد مصدر في دولة جارة لإثيوبيا، على أن "موقف المجتمع الدولي حينها سيكون محل اختبار ودعوة عاجلة من قادة المنطقة للاضطلاع بمسؤولياته تجاه منع نشوب صراع في المنطقة التي بالكاد بدأت تتعافى من عقود من الصراعات المدمرة والحروب البينية والحروب بالوكالة، فضلاً عن غيرها من التحديات المرتبكة بالوضع الأمني المضرب لتلك المنطقة الحيوية بالنسبة إلى التجارة الدولية والأمن البحري والإنساني على المستوى العالمي".

وعلى الرغم من أن الصومال سبق أن سجل تحفظاً على قرار صدر عن الجامعة العربية لدعم موقف مصر في مفاوضات سد النهضة، ورداً على استفسار حول ما إذا كان هذا الموقف المشترك يمكن التعبير عنه حال وصول الأمر إلى دعوة أحد أطراف الأزمة مجلس الأمن للتدخل وتدويل القضية، قال المصدر "الأزمة هي قضية دولية بالفعل وتناقشها الأطراف مع مختلف دول العالم، وإذا تحوّلت إلى صراع، فنحن هنا أصحاب مصلحة مباشرة فيما يتعلق بهذا الصراع الذي سيؤثر في الأمن الإقليمي"، مشيراً إلى أن غياب مواقف بلدان المنطقة ينبع من الرغبة في إفساح الفرصة لأطرافها الأصليين للوصول إلى تسوية توافقية، لكنّ ذلك لا يعني أننا غير معنيين بنشوب صراعٍ أو حرب سبق أن لوّحت بها بعض أطراف الأزمة بالفعل".

وتوقع مصدر مصري رفيع المستوى أن تلجأ بلاده إلى التقدم باحتجاج رسمي أمام المنظمات الدولية المعنية، "بدعوى خرق إثيوبيا للقانون الدولي والأعراف المنظمة للانتفاع بموارد الأنهار الدولية، والتهديد بالإبادة الجماعية للشعب المصري، بما يهدد السلم والأمن الدوليين، طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".

مساع إثيوبية لتحييد الدول المجاورة

قال الكاتب السياسي الصومالي خالد محمد أيجيح، إن إثيوبيا تدرك مدى رفض دول القرن الأفريقي لتعنتها في الأزمة التي يمكن أن تشعل صراعاً في المنطقة، وأضاف "إثيوبيا تقوم حالياً بمساعٍ جديدة لتحييد الدول المجاورة إذا اندلعت حرب حول السد، فهي تستكمل مفاوضات لحل الخلافات مع جيبوتي وكذلك تحسين العلاقات مع إريتريا عدوها التقليدي وكذلك ترعى مفاوضات بين حكومة الصومال وحكومة إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، والمنطقة كلها تتوجس من اندلاع حرب بين إثيوبيا ومصر بسبب التعنت الإثيوبي، لذلك قامت بدعوة زعماء البلدان قبل أيام في جيبوتي".

وتابع "هدف القمة التي عقدها آبي أحمد في جيبوتي هو تأمين إثيوبيا لحدودها البرية، وتحييد مواقف دول الجوار إذا اندلعت مواجهات مع مصر بسبب سد النهضة، والقاهرة تأخرت كثيراً في علاقاتها مع تلك الدول، بينما توغلت إثيوبيا في تلك المنطقة وأصبحت توصف بأنها رجل شرق أفريقيا القوي، بينما كانت مصر تمثل الصديق والأخ القريب من هذه الدول في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي".

واستضافت جيبوتي، الأحد الماضي، لقاءً جمع بين كل من محمد عبد الله فرماجو رئيس الصومال، وموسى بيحي عبده رئيس إدارة صوماليلاند، بحضور رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، وإسماعيل عمر جيلة رئيس دولة جيبوتي رئيس الاجتماع، وذلك بهدف استئناف المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا عاصمة جمهورية أرض الصومال التي أعلنت إعادة استقلالها عام 1990 ولكن غير معترفٍ بها رسمياً.

 

تبادل اتهامات وتلويح بالبدائل

ونشر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، نص الرسالة التي توجهت بها وزيرة الخارجية السودانية أسماء عبد الله إلى المجلس في وقت سابق هذا الشهر، إذ دعت الخرطوم المجلس إلى ثني جميع الأطراف عن اتخاذ إجراءات أحادية، بما في ذلك ملء السد قبل إبرام اتفاق شامل، إضافة إلى "دعم جهود السودان ودعوة جميع الأطراف إلى استئناف المفاوضات بحسن نية على الفور".

ودعا بيان مجموعة الأزمات الدولية إلى تدخل المجتمع الدولي للحيلولة دون مزيد من التوترات بين البلدان الثلاثة، وأكدت "المجموعة" أنه وبغض النظر عن النهج الذي اتبعه جميع الأطراف أخيراً، يجب على "الأطراف وداعميهم الخارجيين" بذل كل الجهود الممكنة "للتوصل إلى حل وسط بشأن القضايا العالقة قبل أن ترتفع مستويات المياه في السد وكذلك التوترات بشكل كبير".

وبدوره، قال سامح شكري، وزير الخارجية المصري، إن بلاده ستضطر إلى بحث خيارات سياسية أخرى، في حال استمرار تعنت إثيوبيا وتهربها من التفاوض للتوصل إلى حلول في أزمة سد النهضة، وشدّد في تصريحات صحافية، الإثنين الماضي، على أن بلاده "لن تفرط في أي حق من حقوقها المائية في أزمة سد النهضة"، مؤكداً أن القاهرة "ستبحث كل الخيارات السياسية لمنع أديس أبابا من اتخاذ إجراءات أحادية في القضية قد تؤدي إلى حرمان مصر من حقوقها المائية".

وشدّد شكري خلال كلمته في ندوة "الدبلوماسية المصرية، التعامل مع التحديات الراهنة" التي نظمها مجلس الأعمال المصري للتعاون الدولي في مقر وزارة الخارجية، "على أنه وبكل أسف أدى تعنت إثيوبيا وتهربها الدائم من التفاوض الجاد إلى تعطل العملية التفاوضية على نحو ستضطر مصر معه إلى بحث خيارات سياسية أخرى تكون قادرة بل ومسؤولة عن تدارك التأثير في السلم والأمن الدوليين عبر الحيلولة دون اتخاذ إثيوبيا إجراءً أحادياً يؤثر سلباً في حقوق مصر المائية ولن تألو القاهرة جهداً في الحفاظ على مصالحها الحيوية".

في المقابل، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشو مصر بعرقلة المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة، قائلاً إن "العناد المصري أصبح العقبة في المفاوضات"، مطالباً المجتمع الدولي بالاعتراف بهذه الحقيقة والضغط على القاهرة.

وأكد الوزير الإثيوبي أن بلاده لن تشارك في المفاوضات إذا قاطعتها مصر، معتبراً أن القاهرة "ترفض الاستخدام العادل للنيل"، وأن "إصرارها على استخدام المياه بمفردها أمر غير مقبول"، وتابع "القاهرة تتعامل بأسلوبين، حيث تشارك في المفاوضات وتلجأ إلى مجلس الأمن الدولي في الوقت نفسه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصين اللاعب الخفي في الأزمة

ويتوقع باحثون أن تميل الولايات المتحدة إلى مزيد من الانخراط في تسوية الأزمة، خصوصاً في ضوء بيان مجلس الأمن القومي الأميركي الذي وصفه بعض المراقبين بأنه بمثابة رسالة مبطنة إلى الصين التي تشارك شركاتها بشكل رئيس في إنشاءات السد، في ظل تعزيز حضورها خلال العقدين الماضيين في القارة الأفريقية بصورة كبيرة، بخاصة في منطقة القرن الأفريقي التي تمثل حلقة أساسية في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية لربط قارات العالم بشبكة من البنى التحتية للتجارة والاستثمار، فضلا عن توسعها في منح القروض الميسرة للبلدان الأفريقية، فيما يُنظر إليه أميركياً على أنه محاولة للسيطرة على القارة السمراء وابتزاز الحكومات الأفريقية من خلال "مصائد القروض"، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض الشهر الماضي في ورقة عمل بعنوان "استراتيجية التعامل مع الصين".

وقال وائل علي محمود، الباحث في المركز السوداني للدراسات الاستراتيجية، إنه لا يستبعد أن يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوصف السد بأنه "السد الصيني" مثلما وصف فيروس كورونا بـ"الفيروس الصيني"، مضيفا "هناك صراع أميركي- صيني حول المشروع الذي وُلد أميركياً بالأساس من خلال الدراسات والبحوث والفكرة نفسها، وكأداة لتخريب السد العالي بعد خلاف واشنطن والرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، لكن بعد تقارب البلدين تم إيقاف المشروع، والصين تدعم السد إنشائياً ومالياً ومن خلال العمالة الصينية الرخيصة وشركات المقاولات، وتقوم بنقل المصانع إلى إثيوبيا للاقتراب من الأسواق الأفريقية، والسد يمثل مصلحة استراتيجية بالنسبة إلى بكين، ولذلك ترى واشنطن أن السد يمثل تهديداً لمصالحها في أفريقيا في سياق ما يلوح في الأفق من بوادر حرب باردة جديدة بين القوتين".

واعتبر أن الولايات المتحدة "لن تسمح بأن يتحوّل المشروع الضخم إلى ميزة تنافسية للصين في أفريقيا، ولن تسمح بقيام السد قبل التعامل مع الفقاعة الصينية، وواشنطن أبلغت نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير أن السد منشأة صينية لن تتسامح مع دعم الخرطوم لها إذا كان هناك تفاوض حول رفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع الخرطوم".

المزيد من متابعات