Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانتخابات الأفريقية 2020 وعقبات التحول الديمقراطي

يتعبَّد الطريق بكثير من الدماء ففي تجارب عدة تقدم العنف على الإعلان عن النتائج

تأجَّلت الانتخابات التشريعية أكثر من مرة في تشاد منذ عام 2011 (أ ف ب)

كان من المقرَّر أن تُنظّم الانتخابات في عددٍ من الدول الأفريقية خلال هذا العام 2020، إلَّا أنَّ جائحة كورونا خدمت التلكؤ الأفريقي في المضي قُدماً نحو تحقيق الديمقراطية. وقبل أن ينتصف العام أجرت بعض الدول انتخاباتها كيفما اتفق، بينما أعلنت أخرى تأجيلها إلى نهاية العام أو إلى أجلٍ غير مسمى.

ومن شرق القارة حيث الانتخابات التشريعية في جزر القمر التي أُجريت في يناير (كانون الثاني)، إلى غرب القارة حيث الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في غانا والمزمع عقدها في ديسمبر (كانون الأول)، يتعبَّد الطريق إلى الديمقراطية في أفريقيا بكثير من الدماء. ففي تجارب سابقة تقدَّم العنف على الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعمليات تعذيبٍ وقتل.

على الطريقة الأفريقية

تُثار علامات استفهام واسعة حول مفهوم الديمقراطية في أفريقيا، إذ تواجه بشكلها الكلاسيكي صعوبات تطبيقها في أفريقيا، وتواجهها في مناطق أخرى من العالم مثل فنزويلا وإيران بنظامها الثيوقراطي الذي يقابل تحدي إقامة انتخابات متعايشاً بها مع نظرية ولاية الفقيه.

وقبل أن تعزم الدول الأفريقية دخول النادي الديمقراطي من بوابات العسكر الذين استولوا على السلطة في أغلب دولها بعد استقلالها مباشرة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، فإنَّه لم يكن في النماذج الغربية سوى الديمقراطية التي تلتزم بسيادة القانون.

وقعت فكرة "الديمقراطية غير الليبرالية" التي أشار إليها الكاتب الأميركي فريد زكريا في مقاله المنشور في مجلة "الشؤون الخارجية" عام 1997، لأفريقيا موقعاً حسناً. جاء في ذلك المقال أنَّ "إسقاط النُظم الشيوعية واستبدالها بالنُظم الانتخابية لا يمكن أن يُفضي بالضرورة إلى ظهور وتوطيد الديمقراطيات الليبرالية التمثيلية وهي هجينٌ ما بين الديمقراطية الكلاسيكية والسلطوية". وقد كان خلاف الدول الأفريقية الأساسي مع الغرب هو في عدم قدرتها على القيام باستحقاقات الديمقراطية وترسيخ حرية التعبير. وعرقلت هذه المفاهيم كثيراً من شروط التنمية في القارة التي تعتمد على الإقراض والمنح من صندوق النقد الدولي والدول الغربية.

تتشابه الدول الأفريقية في ترسيخ  النظام القائم على أساس "الديمقراطية غير الليبرالية"، إذ اعتمدت على إلقاء أعباء الديمقراطية الكاملة، ويشبه ذلك في ملمحه العام الاشتراكية بخصائص صينية لتتخلَّص من أعباء الشيوعية، وقد كانت نتيجةً للخلاف الأيديولوجي مع الاتحاد السوفياتي وأحد أسباب عداء القوتين. فبالإضافة إلى رغبة الحاكم في أفريقيا في إطالة عهده، هناك التخوُّف من أن تؤدي الديمقراطية إلى فلتان الأمور من عقالها. فالعنف المُسلَّح يقابله عسكر متسلطون، والنداء بتغيير الأوضاع الاقتصادية يصمّه صولجان العسكر المتخفين بأثواب مدنية. ما أسّس لقابلية النُظم الأفريقية وأغلب بلدان العالم الثالث متوائمةً مع النظم الديمقراطية الهجين أو الديمقراطية غير الليبرالية، وهي آفة أفريقيا منذ استقلال دولها التي تدور في حلقةٍ من سلطوية قبلية إلى أخرى.

استغلال الديمقراطية

ولتشجيع الديمقراطية وتعزيز سبل التنمية أطلق الملياردير السوداني - البريطاني محمد فتحي إبراهيم عبر مؤسسته "مو إبراهيم" جائزةً تهدف إلى تشجيع الحكم الرشيد ونشر الديمقراطية في أفريقيا. تُمنح الجائزة كل أربع سنوات وتبلغ قيمتها خمسة ملايين دولار، مع مرتبٍ قدره 200 ألف دولار مدى الحياة، للقادة الأفارقة الذين استوفوا المعايير التي تضعها المؤسسة وهي أن يكون منتخباً بشكلٍ ديمقراطي، ويتمتع بالحكم الرشيد وأن يترك منصبه في نهاية مدته. وإذا تحقَّق الشرطان الأول والثاني، فإنَّ الشرط الثالث يُصعِّب الحصول على مُستحقٍ للجائزة نظراً لتشبث القادة الأفارقة بالسلطة.

مُنحت الجائزة إلى رئيس موزمبيق الأسبق جواكيم شيسانو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، ورئيس بوتسوانا الأسبق فيستوس موجاي في أكتوبر 2008. وكان نيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا الأسبق قد نال الجائزة بشكلٍ فخري في عام 2007.  ومُنحت إلى رئيس جمهورية الجبل الأخضر بيدرو فيرونا رودريغز بيريز في عام 2011. لكن الغريب أنَّه مع زيادة التحوّل الديمقراطي، خفَت صوت الجائزة إذ أعلن منظموها أنَّ عدم تقديمها في بعض السنوات لعدم وجود من يستحقها. ثم عادت وفاز بها رئيس ناميبيا المنتهية ولايته هيفيكبوني بوهامبا عام 2015. وفي فبراير (شباط) 2017، أعلنت لجنتها التحكيمية أنَّها لم تجد مرشحاً تتوفر فيه كل الصفات المطلوبة  ليكون الفائز لعام 2016، وهي المرة الثانية التي تُحجب فيها الجائزة خلال عشر سنوات، ثم لم يعد لها ذكر.

انتقد كثيرون هذه الجائزة التي تُعدُّ الأكبر في العالم إذ تفوق جائزة نوبل للسلام التي تبلغ قيمتها 1.3 مليون دولار أميركي، لكونها لا تذهب إلى مشاريع التنمية مباشرةً. وطعن آخرون في أنَّ ثروة "مو إبراهيم" التي يعيد توزيعها على بعض الزعماء هي نتيجة لاستثماراته في مجال الاتصالات في أفريقيا وإثرائه من وراء ذلك بينما يعاني سكانها من الجوع والفقر والمرض.

فسيفساء الانتخابات

تأجَّلت الانتخابات التشريعية أكثر من مرة في تشاد منذ عام 2011 إذ مُدِّدت ولاية النواب المُنتخبين مرات عدة، وعزاها الرئيس إدريس ديبي المهيمن على السلطات إلى التهديد الإرهابي من جماعة بوكو حرام. أما الانتخابات التشريعية في الكاميرون فقد أُجريت في فبراير في أجواءٍ من التوتر والنزاعات، وتأثَّر الاقتراع بأحداث العنف نتيجة مواجهات الجيش مع المجموعات الانفصالية المسلحة وتزايد هجمات بوكو حرام التي نشطت في عمليات القتل مع اقتراب موعد الانتخابات. وأُجريت انتخابات مالي التشريعية في أواخر مارس (آذار) واستمرت إلى أبريل (نيسان) وسط أجواءٍ من انعدام الأمن في مناطق واسعة من البلاد. واقتحام الحركات المسلحة العديد من مكاتب التصويت واختطاف رؤساء المكاتب وبعض ممثلي الأحزاب والمسؤولين المحليين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك انتهت الانتخابات الراوندية التي جرت في مايو (أيار) الماضي بفوز مرشح الحزب الحاكم (حزب المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية) الجنرال المتقاعد إيفاريست ندايشيمي. وبذلك طُويت صفحة الرئيس السابق بيير نكورونزيزا، الذي توفي في 8 يونيو (حزيران) الحالي، تاركاً سِجلّاً سيئاً من ممارسة القمع السياسي منذ توليه السلطة في 2005، وبعدما أدى انتخابه لولايةٍ ثالثة عام 2015 إلى أزمة عنفٍ سياسي أودت بحياة 1200 شخص على الأقل ونزوح 400 ألف بوروندي.

تختلف الحال في الصومال قليلاً كون الانتخابات البرلمانية هي الأولى منذ نصف قرنٍ بنظام الانتخاب المباشر الذي يعوِّل عليه الصوماليون في طريقهم نحو الديمقراطية. وعلى الرغم من تطوير مسودة قانون جديد للانتخابات، إلّا أنَّ الشكوك تدور حول مقدرة الصومال على إجراء الانتخابات، وسط تكهنات بتأجيلها إلى نهاية العام الحالي ولكن تواجه بإصرارِ المعارضة والمجتمع الدولي على إجرائها.

أما في إثيوبيا، فقد أعلن مجلس الانتخابات الإثيوبي في نهاية مارس الماضي، عن تأجيل إجراء الانتخابات العامة بسبب فيروس كورونا والتي كان مقرراً عقدها في 29 أغسطس (آب) المقبل، لأجلٍ غير مسمى. وقد تصوِّت الغالبية من مجموع السكان البالغ 100 مليون إثيوبي المجتمعين حول آبي أحمد الذي تولى الحكم في أبريل 2018، ليفوز بولايةٍ ثانية. ففي رصيده عدد من الإنجازات منها الإصلاح السياسي والإفراج عن السجناء السياسيين والموقف المتشدِّد الخاص بإكمال سد النهضة. وقد يفترق الإثيوبيون بسبب النزاع الإثني وصراع الهوية الذي يُعدُّ عامل تأثيرٍ يغذي بند المطالبة بالحكم الذاتي بالإضافة إلى التوتُّر الديني والتدهور الاقتصادي.

مزيج المشاكل

هناك مزيجٌ من المشاكل يتعلَّق بالنموذج الديمقراطي الأفريقي. المشكلة الأولى هي العنف العرقي المشحون سياسياً والذي ظلَّ حاضراً في المشهد السياسي منذ الاستقلال ومروراً بحكم العسكر وصولاً إلى التعددية الحزبية. كما تظلُّ الولاءات العرقية هي السائدة لدى التنظيمات السياسية، التي تحشد مناصريها للتصويت على أُسس عرقية لتعزيز مصالحهم الخاصة.

أما المشكلة الثانية فهي قضايا الفساد المتعلقة بقضية التنمية التي ولَّدت بعض الضغوط على المجتمعات الأفريقية، وتتغذى هذه الضغوط على جذور الصراع الراسخة. كما أنَّ التغيرات السريعة في انتقال المجتمع من البداوة إلى التمدين، عملت على زيادة التفاوت الطبقي في المجتمعات الأفريقية، حيث يستفيد بعض الأفراد أو الجماعات من ارتفاع الدخول، بينما يُحرم غيرهم. تُفسَّر المعضلة بتفكيك التفاصيل الدقيقة في العلاقة بين التنمية والاستقرار السياسي. ولأنّ العنف من طبيعة المجتمعات عندما تكون هناك حساسية إثنية، فإنَّ التنمية في بعض الدول الأفريقية خلقت مزيداً من المظالم نتيجةً للتغيرات الحادة في المجتمع، كما أنَّ النمو السريع للاقتصاد خلق توزيعاً سيئاً. فعلى الرغم من الإصلاحات ومشاريع التنمية التي ترعاها المنظمات الدولية إلَّا أنَّه تعذَّر تقليص الفوارق والتفاوت الطبقي. وتمثل جرائم الفساد والرشوة وإساءة استخدام السلطة واختلاس الأموال العامة والحيازة غير القانونية لأراضٍ عامة مدمراً لنموذج للتنمية في الاقتصادات الكبيرة في القارة. وتلتقي التوترات العرقية التي ابتليت بها المجتمعات الأفريقية، مع إسناد الوظائف الحكومية تبعاً للأصول العرقية وليس من خلال تقديم وتطبيق مبادئ العدالة والشفافية والتأهيل.

ما يُستفاد من التجارب الديمقراطية في أفريقيا هو أنَّه على الرغم من دمويتها، وفجيعة التحولات المصاحبة لها وحداثة عهد القارة بها وبالأسس التي تقوم عليها؛ فإنَّها لم تخرج إلى تطورٍ طبيعي للنُظم السياسية وميكانيزماتها الاجتماعية الداخلية، وإنَّما أملتها ظروف وعوامل خارجية، كأثرٍ لمزيجٍ من التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نقلت هذه الدول من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن البداوة إلى قشرة التمدين على هذا النسق من "الديمقراطية غير الليبرالية".

المزيد من تحلیل