Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحداث التخريب في لبنان "بروفات منظمة" ضد الضغط الأميركي

التهريب وإخراج الدولار إلى سوريا يخضعان لعقوبات "قيصر"

يتجه لبنان إلى مزيد من التعقيدات السياسية، والمالية في الأيام المقبلة التي ينتظر أن تشهد صدور الدفعة الأولى من عقوبات أميركية على من يتعامل مالياً مع نظام بشار الأسد، أو المؤسسات التابعة له، سواء كان فرداً أو شركة أو فريقاً سياسياً.

ومن رأى أن تصاعد سعر صرف العملة، والأزمة المعيشية في سوريا ولبنان في الأسبوعين الماضيين يعودان إلى اقتراب تطبيق قانون "قيصر" للعقوبات الأميركية، لم يكن يبالغ في ذلك، لأن الوقع النفسي، والسياسي لهذا القانون سبق وقعه العملي المنتظر، نظراً إلى أن لبنان هو الساحة التي تستخدمها دمشق وحلفاؤها، لا سيما إيران و"حزب الله"، من أجل مواجهة العقوبات والالتفاف عليها.

"قيصر" يشمل التهريب من لبنان

 المعطيات المتوفرة من الجانب الأميركي، بحسب ما علمت "اندبندنت عربية" عن المرحلة الأولى من تنفيذ "قيصر"، أن بداية النصف الثاني من يونيو (حزيران) ستصدر الدفعة الأولى من العقوبات، ينتظر أن تتضمن تفاصيل عن أسباب فرضها، وشرحاً للجوانب القانونية التي أملتها. فما هو خاضع للعقوبات في شكل رئيس هو التحويلات المالية لمصلحة نظام الأسد، أو لمؤسسات، أو لأفراد تابعين له. وعلى الرغم من أن قانون "قيصر" لا يذكر لبنان بالاسم، فإن الجانب الأميركي "متأكد" أن هناك شركات، أو أفراداً لبنانيين عليهم مراجعة علاقاتهم المالية مع سوريا. ومن نافل القول إن مسألة التهريب من لبنان إلى سوريا تهم الجانب الأميركي وستكون خاضعةً لعقوبات "قيصر". والمعروف أن التهريب، ونقل الدولارات إلى سوريا، يحظى بحماية "حزب الله" في شكل رئيس بهدف تأمين قدرتها على الصمود إزاء العقوبات.   

وفيما تشهد سوريا عودة إلى التظاهر في بعض المناطق احتجاجاً على تدهور الظروف الحياتية، أخذت الاحتجاجات في لبنان منحى دراماتيكياً على الصعيدين الشعبي، والسياسي، كانت لها تداعيات أمنية خطيرة بعدما شهده وسط بيروت، ومدينة طرابلس من شغب، وتحطيم الأملاك الخاصة والعامة، ولامست على مدى الأسبوعين الماضيين مظاهر الصراع الأهلي المذهبي والطائفي، فاختلط الحابل بالنابل، ولم يعد المراقب قادراً على التمييز بين الخلفية الاجتماعية والمعيشية، والخلفية الطائفية والمذهبية، أو الأسباب الخارجية، للاحتجاجات.

اختلاط الحابل بالنابل

وإذا كان صحيحاً أن الأمور اختلطت في شكلٍ فوضوي في لبنان حول أسباب اهتزاز الاستقرار والتظاهرات العنيفة وأعمال الشغب، مع ارتفاع دراماتيكي في سعر الصرف، وغلاء الأسعار الغذائية، واستمرار استنزاف الدولار الأميركي من السوق لنقله إلى سوريا التي تعاني من شح فظيع في العملة الخضراء، والصراع السياسي على التعيينات المالية في مصرف لبنان المركزي، والحملة على حاكمه رياض سلامة، والانتقادات النيابية والسياسية لتخبط الحكومة في أرقام الخسائر المالية، وتأثيرها في مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي لطلب مساعدته، والصراع على السلطة بين الفرقاء المختلفين، فإن كثيراً من غبار الأحداث الأمنية والسياسية التي عاشها البلد، جعل الأمور تلتبس على الرأي العام. فيما الرابط بين الصعوبات والأحداث المذكورة هو تداعيات "قيصر" على لبنان، وقلق "حزب الله" من انعكاساته السلبية على سياسته ونفوذه في لبنان، وسوريا معاً. وهذا ما استدعى عودة البعض إلى استذكار شعار "وحدة المصير والمسار" (أيام الوصاية السورية على لبنان) بين البلدين نظراً إلى ارتباط تراجع الاقتصاد، والوضع النقدي في لبنان بالحصار المتصاعد على النظام السوري وإيران و"حزب الله" الداعمين له.

ويسود الاعتقاد في بيروت بأنه يستحيل فهم أسباب ما يجري على الصعد كلها في لبنان من دون ربطه بتصاعد الضغوط الأميركية على المحور الإيراني السوري و"حزب الله" من جهة، وردّ الأخير على هذه الضغوط من جهة ثانية. ما يُخضع الساحة اللبنانية المأزومة أصلاً لحالة من الفوضى وعدم الاستقرار الخطيرين.

سياق الأحداث والبروفة الأمنية والسياسية

وتعدّد الأوساط التي تتمسك بربط الأحداث على هذا الشكل سياق التطورات اللبنانية كالآتي:

إن "حزب الله" ومعه حليفته حركة "أمل" خاطرا في التسبب بالصراع الأهلي في 6 يونيو(حزيران) الماضي، حين أنزلا أنصارهما (جيش الموتوسيكلات) إلى وسط بيروت، حيث تسببا في ارتفاع الحساسية السنية الشيعية، وإلى محلة عين الرمانة المسيحية ضد عودة ثوار 17 أكتوبر (تشرين الأول) إلى الشارع للاحتجاج على التردي المعيشي، وضد حكومة حسان دياب، للردّ على طرح عدد محدود من المتظاهرين شعار نزع سلاح الحزب، لأنه جاء بالتزامن مع بدء سريان مفعول قانون قيصر. وشكل ذلك رسالة إلى واشنطن وفرقاء محليين بأن الحزب مستعد للردّ على تصاعد الضغوط حتى لو أدى ذلك إلى الذهاب نحو حافة الحرب الداخلية.

إن الحزب تعاطى مع ردود الفعل السياسية، والطائفية ضد عراضاته تجاه منطقة مسيحية وأخرى سنية، باستيعاب النقمة عبر التبرّؤ من توجيهه تحرك أنصاره باتجاه طائفي ومذهبي، وإعادة توجيه جيش الموتوسيكلات (الدراجات النارية الصغيرة) ليل الخميس 11 يونيو نحو وسط بيروت لمشاركة ثوار الانتفاضة الشعبية احتجاجهم على إشاعات ارتفاع الدولار فجأة من 4 آلاف ليرة إلى قرابة 7 آلاف، للتضامن مع هذه الاحتجاجات، ورفض الطائفية والمذهبية، فغلب على المشهد عودة جمهور الحزب إلى التضامن مع الثوار، فكانت الرسالة إلى الأميركيين والقوى السياسية المناهضة للحزب أنه الأقدر على أخذ المبادرة في الشارع، وعلى قيادة الاحتجاجات ضد الوضع المعيشي، قياساً إلى قدرة مجموعات الثوار على التظاهر ضد تفاقم الوضع المعيشي. وشكّل ذلك بروفة منظمة على خطورتها.

توجيه الاحتجاجات ضد رياض سلامة

نجح "حزب الله" في توجيه احتجاجات ليل الخميس 11 يونيو ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة (المعنيّ بتطبيق أي عقوبات جديدة على الحزب وحلفاء سوريا وفق "قيصر")، على أنه المسؤول عن الارتفاع الوهمي لسعر صرف الدولار الأميركي. واقترن الهجوم على سلامة بطرح مسألة إقالته في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في اليوم التالي في 12 يونيو، وفق اتفاق على ذلك بينه، ورئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، ورئيس الحكومة حسان دياب، إلا أن رئيس البرلمان نبيه بري استشعر خطراً من وراء التوجه الجديّ لإقالة سلامة، لأن الانعكاسات على سعر الصرف ستكون أكثر سلبية في هذه الحال، ونصح الحزب بالإقلاع عن الفكرة عشية جلسة مجلس الوزراء.

لكن الأوساط السياسية المتصلة بـ"حزب الله" ترى أن هدف إقالة سلامة قائم وثابت عنده وعند حليفيه في "التيار الوطني الحر" وعند دياب، (لكل منهم مرشحه البديل للمنصب) بدليل الهجوم العنيف من قبل وزيرة العدل ماري كلود نجم على سلامة أثناء حضوره جلسة مجلس الوزراء في اليوم التالي مهددة إياه بملاحقته قانونياً بتهمة عدم ضبطه سوق سعر الصرف. وهؤلاء جميعاً يراهنون على الوصول إليه بالتدريج لاحقاً.  

جاء طرح إقالة سلامة مقابل طرح بعض مجموعات الحراك الشعبي إقالة دياب، وحكومته لتحملها مسؤولية تأخير الحلول للأزمة المعيشية والمالية، فالحزب يأبى تغيير حكومة دياب لسبب موضوعي هو صعوبة (بل استحالة) الاتفاق بين القوى السياسية على حكومة بديلة، ولسبب ذاتي هو أن الحكومة محسوبة بتركيبتها عليه، حتى لو نفى أكثر من مرة أنها حكومته. وهو يتصرف بالتالي على أن إسقاط دياب ضربة له، في سياق الضغوط الأميركية عليه.

الرد على واشنطن بالتعيينات المالية

الرسالة الخامسة للحزب كانت بالتعيينات المالية التي جرت اليوم التالي، الجمعة 12 يونيو، حيث جاءت أكثرية أسماء من جرى تعيينهم، مع تجاوز آلية التعيينات التي أُقِرت كقانون في البرلمان قبل أسبوعين تجنباً للمحاصصة، من الخاضعين لنفوذ الحزب والثنائي الشيعي، وحلفائه في "التيار الحر". وهذه التعيينات ضربت عرض الحائط كل التنبيهات الأميركية للحكومة ورئيس الجمهورية ميشال عون بأن واشنطن حريصة على بقاء من يثق المجتمع الدولي والمؤسسات المالية والخزانة الأميركية بتعاونهم معها، أمثال النائب السابق للحاكم محمد بعاصيري. وأبلغ الحزب عون وباسيل أنه لن يقبل بمراعاة طلبات الجانب الأميركي في ظل تصاعد ضغوط واشنطن عليه وعلى سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الليلة نفسها، أي الجمعة 12 يونيو، عادت جحافل الموتوسيكلات إلى وسط بيروت التجاري، آتية من محلة الخندق الغميق، ومن الضاحية الجنوبية للعاصمة للاشتراك في التظاهرات الاحتجاجية، لكن راكبيها قاموا بعمليات تخريب وإحراق العديد من المحال والمكاتب التجارية في شكل متعمد وغير مسبوق، في ليلة مجنونة ذهل منها المواطنون وسط النقل التلفزيوني المباشر لأحداثها، فيما لم تتدخل القوى الأمنية إلا بعد ساعات، ما أثار القوى السياسية كافة، وتسبّب بردود فعل سياسية عنيفة من قادة العاصمة، بدءاً من المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، مروراً بزعيم تيار "المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري انتهاءً بسائر نوابها، وسط استياء سني ومسيحي، خصوصاً أن أحزاب وقوى منطقة الأشرفية المسيحية القريبة استنفرت وأخذت احتياطاتها الأمنية إزاء إمكان امتداد أعمال التخريب إلى شوارعها وتكرار المواجهة الأهلية التي حصلت قبل أسبوع في منطقة عين الرمانة.

تحركات طرابلس و"لجان الانضباط"

وواكب استهداف وسط العاصمة تحرك شبيه في مدينة طرابلس الشمالية حيث أحرق شبان مجموعات مختلفة مكاتب مصارف وشركات ومطاعم... بعضهم رصدت الأجهزة الأمنية انتماءهم إلى جماعات إسلامية متطرفة أو إلى مجموعات تتقاضى أموالاً لقاء السلوك العنفي، فيما بعضهم الآخر ينتمي إلى "سرايا المقاومة" التنظيم الرديف الذي أنشأه "حزب الله" في مناطق سنية عديدة.

وشكّل تكرار المشهد في عاصمة الشمال يومي الجمعة والسبت، حجة للحزب كي يتبرأ من المسؤولية عن أعمال الشغب، في الاجتماع العاصف الذي عقده نواب بيروت، وبينهم أحد نواب الحزب، بذريعة أن المجموعات التي تحركّت فعلت ذلك احتجاجاً على الوضع المعيشي بدليل ما حصل في طرابلس. وكانت الرسالة التي أريد لها أن تصل إلى الأميركيين في هذا المجال بأن تصاعد الضغوط على الحزب لا يضرّه هو، بل يتسبّب باحتجاجات شعبية في غير بيئته. وهو بهذا المعنى استطاع توجيه الشبان الناقمين على تدهور الأوضاع نحو مناطق غير تلك التي تقع تحت نفوذه، فسمح لهم بتفجير غضبهم، وتنفيس احتقانهم إزاء التدهور المعيشي الذي يعانون منه أسوة بسائر اللبنانيين، خارج الضاحية الجنوبية لبيروت، وحقّق هدفاً سياسياً حيال الأميركيين بأن الفوضى ستعمّ مناطق أخرى غير التي يسيطر عليها، مقابل المراهنة الأميركية المتواصلة على أن تنصبّ النقمة جراء العقوبات عليه وفي بيئته.

إن الحزب نظّم في اليوم التالي مناورة أخرى حين أرسل مع حركة "أمل" ما يسمى "رجال انضباط" تابعين له ظاهرين بلباسٍ حزبيّ، أيام السبت والأحد والإثنين، إلى مداخل الضاحية الجنوبية ومنطقة الخندق الغميق قرب وسط بيروت، كي يحولوا دون انتقال جيش الدراجات إلى وسط العاصمة. وكانت الرسالة هنا أنه مثلما هو قادر على إفلات جيش الموتوسيكلات، يستطيع ضبط راكبيها ومنع الاحتكاك بجمهور مناطق وطوائف أخرى.   

المزيد من تحلیل