Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النسيج التركي يغزو الأسواق الجزائرية والمستثمرون يتذمرون

رفع وتيرة الإنتاج المحلي سيخفّض فاتورة الاستيراد ويوفّر العملة الأجنبية

تضرّر قطاع النسيج والجلود الجزائري أخيراً نتيجة الظروف الاقتصادية (اندبندنت عربية)

لا تُخفي السيدة وردة، 30 عاماً، انزعاجها من المُتفاخرات بالألبسة التركية وتشكيلاتها المتنوّعة، وهي التي تحوز ورشة خياطة لتصميم ألبسة جزائرية، تمكّنت من تصديرها إلى موريتانيا، ولقيت رواجاً كبيراً. وتقول وردة لـ"اندبندنت عربية"، "بحكم تخصصي في الخياطة، اعتدت ارتداء ما تصنعه أناملي، ومن هنا راودتني فكرة تصميم ألبسة (صُنع في الجزائر) وتسويقها. السلع المستوردة من تركيا والصين، التي باتت مُقلّدة في معظمها وباهظة الثمن، ليست أحسن حال من تلك التي أصمّمها".

غزو اقتصادي

وتشهد الجزائر في السنوات الأخيرة غزواً للنسيج التركي، في قالب ألبسة موجّهة بالدرجة الأولى إلى النساء والأطفال، وهو ما يعتبره مستثمرون محليون تهديداً لنشاطاتهم التجارية ومشروعاتهم التي انطلقوا فيها، تماشياً مع وعود حكومية وخطابات سياسية بدعم المستثمرين المحليين، لخفض فاتورة الاستيراد التي تقدّر حاليّاً بـ30 مليار دولار سنوياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضرّر قطاع النسيج والجلود في الجزائر خلال الأعوام الـ30 الأخيرة، نتيجة الظروف الاقتصادية التي مرّت بها البلاد، لا سيما مرحلة التسعينيات، والانفتاح الحرّ للسوق الذي خلق "فوضى" في عمليات الاستيراد، يكون هدفها في بعض الأحيان تهريب العملة تحت غطاء الاستيراد، وهو ما تكشفه تقارير دورية للجمارك الجزائرية.

واستغلت دول أوروبية وآسيوية عدة هذا الظرف الاقتصادي الهشّ، وعزّزت حضورها في سوق استهلاكية بامتياز، وتعتبر الصين، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وتركيا من أهم الدول المموِّنة الأساسية للأسواق الجزائرية.

وعلى سبيل المثال، يبلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وتركيا نحو أربعة ملايين دولار، بينما أفاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن هذا الرقم "يبقى غير كافٍ حتى وإن كان محترماً"، معرباً عن أمله أن يرتفع إلى خمسة مليارات دولار، وذلك خلال زيارته الأخيرة الجزائر مطلع عام 2020.

من الاستيراد إلى التصنيع

ويعدُ زاوي بلال، صاحب مؤسسة الإنتاج الصناعي للألبسة والحقائب الجلدية، من المستثمرين الجزائريين الذين رفعوا تحدي التصنيع المحلي، على الرغم من صعوبات السوق التي تشهد منافسة من السلع المستوردة، والعراقيل الإدارية التي لا تزال تعترض طريقهم. يقول لـ"اندبندنت عربية"، "في السابق، كنت أستورد المنتجات من دول عدة، غير أنني قرّرت ولوج عالم التصنيع والإنتاج المحلي للمنتوجات التي كنت أستوردها، بعد دراسة السوق".

ويُضيف، "تشجيع الدولة الإنتاج المحلي دفعني نحو تأسيس مؤسسة بسواعد جزائرية في مجال تصميم وإنتاج الألبسة والحقائب الجلدية بمواصفات ومتطلبات السوق وبأسعار جدّ تنافسية من أجل تموين المتعاملين المحليين عوض استيرادها".

ويوضح بلال أن أزمة كورونا، كانت "فرصة لإثبات قدرات الجزائريين في التصنيع المحلي"، مضيفاً "لقد أسهمنا في تزويد السوق الوطنية بألبسة واقعية، وُزِّعت على هيئات عدة، ومؤسستنا لها نظرة مستقبلية للتوجه نحو التصدير وفق المقاييس الدولية إلى بلدان الجوار، وخلق فرص عمل أكبر، حتى للنساء في منازلهن".

وشرع زاوي بلال في عملية الإنتاج سنة 2016، وشارك في صالونات ومعارض وطنية ومحلية، وهو يوظّف عشرات العمال، ويلقى المنتوج استحسان الزبائن، غير أن هذا المستثمر الخاص يشتكي من منافسين يتعمّدون إغراق السوق بمنتوجات مستوردة.

العودة إلى الساحة

من جهته، يدعو رياض طنجة، رئيس الاتحاد الوطني للمستثمرين الشباب، إلى عدم إنكار الجهود المبذولة من قِبل أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لتطوير قطاع النسيج، مؤكداً بروز عشرات ورشات تصميم الملابس الاستهلاكية سواء الموجّهة إلى المواطن أو المصانع، ويكفي فقط دعمها من قِبل السلطات.

ويرى طنجة، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أن "المستهلك الجزائري لم يعد مقتنعاً في السنوات الأخيرة بالسلع المستوردة، سواء القادمة من تركيا أو الصين أو غيرهما، لاعتبارات عدّة أبرزها غياب الجودة وارتفاع الأسعار". وقال "تكفي جولة واحدة في المساحات التجارية لمعرفة قيمة ونوعية المنتوج الجزائري"، ودعا رئيس الاتحاد الوطني للمستثمرين الشباب إلى "ضرورة التوقف عن التسويق للمنتجات الأجنبية، من خلال تقليص عمليات الاستيراد، بالنظر إلى أنّ مجال النسيج في الجزائر لا يزال خصباً، ويمكنه تلبية الحاجات الوطنية، بالتالي وقف نزيف العملة الصعبة".

الإرادة السياسية

في مقابل ذلك، أمُل رئيس نقابة عمال النسيج والجلود بن يوسف زناتي، في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، توافر إرادة سياسية حقيقية، لإعادة بعث قطاع النسيج والجلود، ما يعيد إليه مجده يوم كانت السلع الجزائرية تباع في المراكز التجارية الأوروبية. وقال "الاستثمار في القطاع سيرفع اليد العاملة، ويحرّك عجلة المنتوج الوطني بنوعية رفيعة وجودة عالية في غضون السنوات القليلة المقبلة".

وأضاف، "الدولة صبّت نحو ملياري دولار قبل تسع سنوات، لإنعاش قطاع النسيج الصناعي"، معترفاً بوجود "عراقيل بيروقراطية لا تزال تعترض الاستثمارات المحلية"، ومقترحاً "اتخاذ إجراءات عملية لإنتاج المادة الأولية محليّاً، وهي من جملة المقترحات التي من المقرر أن يرفعها إلى الحكومة" وفق قوله.

200 متعامل خاص

وحسب أرقام رسمية، تُحصي السوق الجزائرية نحو 200 متعامل خاص في مجال النسيج، وهي عبارة عن مؤسسات صغيرة ومتوسطة، تضاف إليها الشركات الوطنية العمومية (حكومية)، التي يفوق عددها 24 متعاملاً، تستحوذ على حصة الأسد من السوق، بحكم أنها مؤسسات كبرى، وتسعى إلى البحث عن كيفية استرجاع ثقة المواطن الجزائري بالنسيج والغزل المصنّع محلياً ومجابهة المنافسة.

زراعة القطن

وقرّرت الجزائر أخيراً تخصيص مساحات لزراعة القطن في الصحراء الجزائرية، وهو ما يجعل رئيس نقابة عمال النسيج والجلود متفائلاً بوقف استيراد المادة الأولية لإنتاج القماش، وتلبية طلبات قطاع النسيج مع تصدير الفائض، ومؤكداً أن الجزائر قادرة على تلبية الطلب المحلي من ملابس وحقائب وأحذية بجودة رفيعة في غضون سنوات قليلة، أكثر جودة من السلع التركية المستوردة حاليّاً.

فرصة لا تعوّض

وتقول سليمة عمراوي، 41 عاماً، صاحبة ورشة خياطة، إنها كانت تستثمر في "إنتاج ملابس تتماشى مع المواسم الاجتماعية، مثل المآزر قبيل الدخول المدرسي، والتنانير التقليدية والأقمصة الرجالية التقليدية مع اقتراب رمضان والعيد"، وتضيف "مع بداية أزمة كورونا، توجّهنا نحو صناعة الكمامات، فحتى باعة الملابس باتوا يطلبونها، باعتبار أن الصينية غالية الثمن".