Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المقاتلون الأجانب ومستقبل المبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية

القاهرة ليست قادرة على تفعيل بنود مبادرتها من دون دعم المجتمع الدولي

ما يصعّب ظاهرة المقاتلين الأجانب في ليبيا هو أنهم لا يخضعون لتعليمات حكومات نظامية (أ.ف.ب)

لا تزال الأزمة الليبية أحد الملفات المطروحة على أجندة المجتمع الدولي، وتظل المبادرة المصرية لحل سياسي في ليبيا هي أحدث الجهود بهذا السياق. أهمية "إعلان القاهرة" تأتي من كونه جاء بعد صمتٍ طويلٍ من قِبل المجتمع الدولي من جراء فيروس كورونا، وأيضاً من كونه ردّاً على التوغل التركي غير المقبول في ليبيا، بالتالي بشمال أفريقيا ككل.

لكن، الواقع يدل على أن مصر، بكل ما لها من مصالح في ليبيا سواء سياسية أو أمنية أو اقتصادية، ليست قادرة على تفعيل بنود مبادرتها من دون دعم ملموس من المجتمع الدولي، إذ يسمح تدخل المجتمع الدولي بممارسة الضغوط على حكومة الوفاق في الغرب الليبي لقبول معايير التسوية السياسية.

وبالطبع، توجد قضية أخرى تتعلق بوجود عددٍ من المقاتلين الأجانب في ليبيا بالوقت الحالي، وهو ما يمكن أن يكون عائقاً لأي حلّ سياسيّ في الفترة الراهنة. ولذا، بات تفعيل "إعلان القاهرة" مرهوناً بشقين، الأول ردود الفعل الدولية، والثاني ظاهرة انتشار المقاتلين الأجانب في الداخل الليبي.

ولاقت المبادرة المصرية كثيراً من الدعم من قِبل المجتمع الدولي، وتواصل عدد من الدول مع مصر، على رأسها روسيا والولايات المتحدة الأميركية. "إعلان القاهرة" جاء في توقيت كان المجتمع الدولي بعيداً عن ممارسة دور فاعل في ليبيا، والتحالفات الإقليمية والدولية بدأت تتغير في ما يتعلق بالشأن الليبي. بالتالي، تقدّمت مصر بعددٍ من الحلول السياسية التي كانت غائبة منذ فترة عن الساحة الدولية.

ولعل، التساؤل الأكثر ضرورة في الوقت الحالي هو: مَنْ سيدعم المبادرة المصرية للتسوية السياسية في ليبيا ومَنْ سيرفضها؟ تبدو الأمور أن هناك كثيراً من الدعم لرؤية القاهرة، لكن تقف تركيا ومعها الغرب الليبي ضد محاولات الوصول إلى حل سياسي، وهو أمر مفهوم في ظل العلاقات المتوترة بين مصر وتركيا.

ردود الفعل الدولية
المنظمات الدولية أعربت عن دعمها المبادرة المصرية، سواء الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية أو مجلس الأمن في الكونغرس بالولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يعني أن هناك توافقاً دوليّاً حول ضرورة تطبيق حل سياسي في ليبيا، لكن كيف يمكن تفعيل هذا التطبيق في ظل عدم اعتراف الأطراف المتصارعة بشرعية بعضها بعضاً؟

اللجوء إلى المفاوضات يبدو أنه الحل الأكثر نفعاً في الوقت الحالي، لكن هذه المباحثات يجب أن تشمل كل الأطراف في الداخل الليبي من دون استثناء أو إقصاء. دول مثل روسيا، والولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، والأردن، والبحرين وفرنسا، أعلنت تضامنها مع المبادرة المصرية، وضرورة العودة إلى الحل السياسي. لكن توجد ضغوط من الممكن أن تمارسها تلك الدول على الأطراف في ليبيا تكون أكثر فاعلية من التعبير عن الدعم من خلال التصريحات أو البيانات الصحافية.

مصر والسعودية والإمارات لهم مصالح في استقرار الأمن في العالم العربي، بالتالي هم قادرون على ممارسة الضغوط على الأطراف الليبية، خصوصاً الشرق الليبي، في ظل ما قُدِّم من دعم مالي، ولوجيستي، وعسكري، واستخباراتي في بعض الأحيان. لذا من الممكن أن يكون لهذه الدول دورٌ في إقناع الطرف الذي تسانده بضرورة اللجوء إلى طاولة المفاوضات.

 

روسيا تحتفظ بعلاقة متساوية بين الشرق والغرب الليبي، فهي تجلس مع خليفة حفتر من ناحية، وتستضيف فايز السراج من ناحية أخرى. والهدف الروسي من التدخل في ليبيا يتعلق بوجود موسكو بمنطقة شمال أفريقيا كنوع من أنواع زيادة النفوذ السياسي، والحضور بعد انتهاء الصراع في عملية إعادة الإعمار وتسليح الجيش الليبي. وهو ما يعني أن روسيا قادرة على ممارسة الضغوط على الطرفين في سياق الصراع، كونها لها مصالح ممتدة في ليبيا.

والولايات المتحدة الأميركية انسحبت من الملف الليبي منذ تولي دونالد ترمب مقاليد الأمور في البيت الأبيض، وخرجت من المشهد الليبي بشكل كبير، تاركة المساحة لروسيا والاتحاد الأوروبي بوصفهما فاعلين دوليين. لكن في الأيام الأخيرة عادت الولايات المتحدة فاعلاً في المشهد الليبي، وإن لم يكن بالقوة نفسها التي كانت خلال السنوات الماضية.

وتأتي فرنسا باعتبارها أحد الدول المعنية بالشأن الليبي والمتداخلة فيه. ويوجد ملفان تهتم بهما باريس في الوقت الحالي، الأول الهجرة غير الشرعية، خصوصاً من سواحل طرابلس، والثاني أمن الجنوب الليبي، وهي قضية لا تشهد الاهتمام نفسه من قِبل المجتمع الدولي مقارنة بصراع الشرق والغرب. فرنسا لها استثمارات بوسط أفريقيا في مجال اليورانيوم، لذا تحرص على الوجود في الملف الليبي لرعاية مصالحها. ويوجد عددٌ من الدول مثل إيطاليا وألمانيا على سبيل المثال، لهم مصالح في ليبيا، لكن دورهم الدولي يشهد نوعاً من التراجع خلال الفترة الحالية.

المقاتلون الأجانب
تعاني ليبيا ظاهرة الكيانات العسكرية غير النظامية منذ 2011 وحتى الآن. ومنذ بدء الانقسام في 2014 تحوّلت البلاد إلى أرض خِصبة لرعاية الإرهاب، خصوصاً من الأجانب الواردين من دول أخرى. سوريا والعراق هما الدولتان اللتان تأتي منهما غالبية المقاتلين الأجانب في ليبيا، وهذا نظراً إلى تفكيك تنظيم داعش وعناصره في هاتين الدولتين. لكن المرور من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا يحتاج إلى كثيرٍ من الدعم، وهو ما وفَّرته تركيا في الآونة الأخيرة. ويوجد دعم عسكري صريح لا تنكره تركيا لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وهو الدعم الذي غيَّر كثيراً من موازين القوى العسكرية في سياق الصراع الليبي. لكن يظل التساؤل مطروحاً: ما ماهية القوى العسكرية التي استطاعت تعديل موازين القوى داخل ليبيا؟

 

لم يعرف الغرب الليبي قوى عسكرية نظامية منذ الانقسام السياسي، وكانت القوى العسكرية دائماً نتيجة التحالفات السياسية، مثل ميليشيات فجر ليبيا أو قوات البنيان المرصوص، أو قوات بركان الغضب التي نشهدها الآن. لكن في الوقت الحالي، لم تعد التحالفات السياسية هي السائدة، خصوصاً أن المقاتلين الأجانب لا يخضعون لتعليمات حكومات نظامية. المقاتلون أو المرتزقة الأجانب، كما سمّاهم "إعلان القاهرة"، من غير الممكن السيطرة عليهم، والقضية ليست في جنسيات هؤلاء المقاتلين، لكنها في غياب العقيدة العسكرية لديهم.

جدير بالذكر أن التشكيلات المسلحة غير القانونية في ليبيا بات بإمكانها الخروج عن إرادة الدولة، وممارسة التدخل السياسي من خلال العمل العسكري غير المشروع. وهذه النقطة تحديداً من غير الممكن التعامل معها من قِبل الحكومة، إذ إنها لا تحتاج إلى قرار، لكن تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تهدُف إلى وقف الاستخدام غير الشرعي للسلاح في ليبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من غير الممكن أن تكون هناك محاولات للتسوية السياسية في ظل وجود قوى عسكرية لا تتبع القرار السياسي لأي حكومة، وهو ما تشهده ليبيا في الوقت الحالي. سواء في الشرق أو الغرب، تتسم السلطات السياسية والعسكرية في ليبيا بالهشاشة وعدم القدرة على التعامل مع التطورات على أرض الواقع. وتوجد كيانات سياسية لها أذرع عسكرية، لكن التواصل بين تلك الجهات شديد الضعف، ولا يوجد تنسيق بين الرؤى الآتية من كل جانب.

المبادرة المصرية لها كثير من الحظوظ في الداخل الليبي، خصوصاً في ظل غياب مبادرات أخرى، سواء على المستويين الإقليمي أو الدولي، لكن يوجد عدد من التحرّكات التي من الممكن من خلالها تفعيل ما جاء في إعلان القاهرة من بنود.

المزيد من تحلیل