Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ستواصل القاهرة خياراتها التفاوضية في ليبيا؟

تركز مصر حالياً على بناء الدولة من الداخل وعدم الذهاب إلى مغامرات عسكرية

فرص التدخل العسكري المصري في ليبيا محكومة بضوابط راسخة (أ.ف.ب)

لا زالت كل الخيارات قائمة في التعامل مع تبعات ما يجري في ليبيا، برغم التأكيد على أن مصر طرحت مبادرتها السياسية استناداً على ما توافر من معلومات لدى القاهرة من احتمالات نجاح الطرف الآخر في حكومة الوفاق الوطني في تغيير المعادلة العسكرية على الأرض نتيجة لما جرى في قاعدة "الوطية" من جانب، ومساعي الجانب التركي للتسريع بتحقيق إنجازات حقيقية في الوصول إلى "ترهونة"، وهو ما لم يتحقق بعد لاعتبارات متعلقة باستمرار تمركز قوات خليفة حفتر، التي لن تخرج إلى مناطق التماس.

خيارات متعددة

تكشف مجريات العمل السياسي والعسكري الراهن في ليبيا تطورات مفصلية، أهمها السؤال الاستراتيجي: هل تدخل مصر المواجهة بصورة مباشرة وتنتقل إلى الانخراط العسكري الشامل؟

إن طرح القاهرة مبادرتها السياسية ليس مقدمة لعمل عسكري مباشر، خصوصاً أن المبادرة في نقاطها وعناصرها تعتبر خريطة طريق كاملة ومسؤولية تنفيذها هي مسؤولية دولية بالأساس وليست مصرية أو عربية، ومن ثم فإن طرح القاهرة تم في سياق قراءة للمناخ الدولي، ورد فعل للتحركات التركية والمخاوف من تطورات تطال كل الأطراف، حيث لا زال حفتر الرهان الحقيقي لمصر، وليس فايز السراج الذي بات وجوده عبئاً دولياً على الرغم من استمرار الاعتراف الدولي بحكومته.

إنّ تتالي المواقف المؤيدة للمبادرة المصرية سيعني بالأساس دعم كل الجهود الراهنة لبدء مسار سياسي حقيقي بقيادة روسيا، وفي الخلفية ترتيبات مصرية أمنية واستراتيجية لتأمين مناطق الحدود المصرية - الليبية الطويلة التي تقوم القوات المصرية بتأمينها بالكامل، حيث لا توجد قوات مسؤولة بالمعنى المتعارف عليه على الجانب الآخر، خصوصاً أن الأداء العسكري لحفتر بصرف النظر عن خسارة "الوطية" ما زال يملك القدرات العسكرية للحسم الكامل في ليبيا، وأن المسالة تتعلق بالدعم غير المسبوق من الجانب التركي الذي ليس لديه أية موانع حقيقية في الدخول في مفاوضات مع مصر بشأن ليبيا، وهو ما أكده مستشار الرئيس التركي أقطاي أخيراً، وهو ما تكرر أيضاً ومسبقاً في ملف الغاز في شرق المتوسط، أي أن تركيا تريد أن تصبح اللاعب الرئيس ضمن اللاعبين الرئيسين في الملف الليبي في الفترة المقبلة، ولهذا تتحرك عسكرياً بقوة وتعزيز حضورها السياسي من خلال تقوية مركزها التفاوضي لاحقاً (دخلت في اتفاقيات جديدة أخيراً مع حكومة الوفاق لا ترتكز فقط على مشروعات الإعمار).

للقاهرة حساباتها الاستراتيجية والتكتيكية في الملف الليبي، وتدرك جيداً أن ليبيا ملف مفتوح وممتد، ولكن الخطر الأكبر في ملف الأمن المائي حيث المرواغات الإثيوبية المتكررة التي حان الوقت لحسمها، والتي تتعلق بقرار ملء سد النهضة وتأثيره في الداخل المصري، خصوصاً أن القاهرة تدرك جيداً أن الوسيط الأميركي ربما له حساباته المباشرة غير المعلنة في الملف، وصحيح أن هناك مستجداً طرأ خلال اجتماع ثلاثي مصري إثيوبي سوداني مصري (لحظة كتابة هذا الموضوع)، لكن ما تزال نتائجه مرتبطة بالجانب الإثيوبي في ظل حضور الولايات المتحدة وممثلي البنك الدولي، والمعنى هنا أن الذين يدفعون القاهرة للمواجهة والذهاب إلى الحرب في ليبيا لا يدركون أن للقاهرة خياراتها وحساباتها المباشرة مع التركيز على أن مصر لن تحارب نيابة عن أحد، ولن تقف في مواجهة تركيا في مسرح العمليات، وأن الأمر بالأساس متعلق بقوات حفتر، وأنها والإمارات تعملان على تعزيز قواته وتمكينه من تحقيق إنجازات حقيقية على الأرض في الفترة الراهنة والمحتملة، وليس استبدال قوات الجيش الليبي بقوات مصرية مباشرة، فمصر سبق أن دفعت من قبل الأطراف الأميركية والأوروبية في مرحلة ما بعد باليرمو وأبوظبي لفعل هذا، وتحفظت القاهرة لأن الأولويات الأمنية والاستراتيجية تحددها الدولة المصرية وليس أي طرف آخر إقليمي أو دولي.

 

صحيح أن التحرك التركي الراهن تتزايد وتيرته والمسعى الجوهري الوصول إلى المدن المستهدفة، وأهمها سرت وطرابلس، حيث الهدف الرئيس، إلا أن هناك قيوداً حقيقية ستمنع حدوث ذلك دولياً وإقليميا، فمع دخول الجانبين الروسي والأميركي على الخط التفاوضي للطرح المصري (اتصالات الرئيسين السيسي وبوتين) خلال الساعات الأخيرة ستسيطر على الأرض احتمالات بقاء الأوضاع على ما هي عليه، بما في ذلك تجميد ما يجري تمهيداً للدخول في مفاوضات جديدة وفقا لطرح القاهرة، وتحت مظلة دولية وقد تكون روسيا وليست مصر هي الوسيط المباشر، نظراً لعلاقاتها المفتوحة مع كل الأطراف، وهو ما يتيح لها ممارسة دور سياسي وعسكري على الأرض، خصوصاً أن هناك مصالح متقاطعة تشمل إلى جانب روسيا ومصر الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا، وهي قوى لن تسمح أبداً بتجاوز الخطوط الحمراء في التطورات الراهنة على مسرح العمليات، والتي تحاول تركيا العمل على تغيير قواعد الاشتباك قبل التفاوض السياسي، وعينها دائماً على مصالحها الجديدة في ليبيا التي تتجاز النفط فقط وتمر بالوجود التركي الحقيقي والممتد في ليبيا والمتوسط، ولهذا لن تضحي بأية خيارات بديلة قد تُرغَم عليها.

إن انفتاح القاهرة على كل الأطراف المعنية بالملف الليبي وتصميمها على إنجاح مبادرتها السياسية معناه أنها اختارت العمل التفاوضي حتى مع رفض حكومة الوفاق واستمرارها في التصعيد العسكري مدعومة من تركيا، ومرجع ذلك إدراك القاهرة للمخطط التركي، وهو العمل على استنزاف قدرات الجيش الليبي وتحقيق نجاحات عسكرية مع العمل على جر كل من مصر والإمارات للذهاب إلى الحل العسكري الكامل والمباشر في ظل تباطؤ الخيارات الدولية خصوصاً الأميركية التي اكتفت بالإعلان عن ترحيبها بالمبادرة المصرية لكن من دون أية مسارات لافتة، وهو ما يثير علامات استفهام حول ما يمكن أن يتم بين الولايات المتحدة وروسيا من جانب، وبين روسيا وتركيا من جانب آخر في حال وقف إطلاق النار، ولو بصرورة مؤقتة لإفساح المجال أمام دخول الرئيس بوتين شخصياً على الخط وحسم الأمر، وهو أمر متوقع وسبق أن جرى في سوريا، وقابل للتكرار في مسرح عمليات ليبيا مجدداً، خصوصاً أن القاهرة ليس لديها أي خيارات أو سيناريوهات معدة سلفا للدخول في مواجهة مفتوحة أو حرب عصابات أو ميليشيات بصرف النظر عن طبيعة التقييم المصري الراهن والمحسوب جيداً للخطر الوارد من الجبهة الليبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يدرك الجانب التركي في مجمل تحركاته – بصرف النظر عن جوهرها فعلياً - أن الجيش المصري جيش محترف وعامل ولديه إمكانيات كبيرة ومصنف عالمياً، وأنه عل الرغم من كل ما يجري من إرسال عناصر إرهابية من سوريا، ومن تركيا بناء على موافقة البرلمان الليبي، فإن هذا الأمر ليس ممنوحاً بصورة مباشرة، وأن الخبرات المصرية المتراكمة في الحرب المفتوحة لمواجهة الإرهاب تمكن القاهرة عند الضرورة من مواجهة أية قوات في ليبيا وخارجها، وإن كانت مصر لديها تقييماتها السياسية والاستراتيجية الحقيقية التي ترتبط بتحديد شكل ومضمون المخاطر وتصنيفها من ليبيا، ومن الجنوب بل وأيضا في اتجاه الشمال الشرقي، وفي ظل انفتاح المشهد في التعامل مع مسألة الأمن المائي واستمرار مصر في خيارها التفاوضي وعدم عسكرة سياستها الخارجية، وتركيزها الرئيس على بناء الدولة المصرية من الداخل، وعدم الذهاب إلى مغامرات عسكرية.

مسارات مستقبلية

هناك إذن محددات مهمة لاستشراف ما سيجري. المحدد الأول هو استمرار العمل السياسي المنضبط، وهو ما ركزت عليه القاهرة وتحشد له كل أدواتها، ومن المتوقع أن يستمر بصرف النظر عن ردود الفعل من الجانب الليبي على المستويين، إضافة إلى التدخلات التركية المحكومة بضوابط استراتيجية صارمة برغم ما تقوم به القوات التركية على الأرض ومسعاها لتوسيع دوائر الاشتباك، والانخراط بقوة في إدارة المشهد استقواءً بمواقف أميركية روسية وأوروبية معقدة تطول ليبيا وملفات أخرى تسعى تركيا إلى الدخول في تفاصيلها.

والمحدد الثاني، هو أن الجيش الليبي ما زال يسيطر على وسط وشرق وجنوب ليبيا واقعيا، وأن ما خسره أخيراً قد يكون في العرف الاستراتيجي تكتيكاً وليس خسارة عسكرية كبيرة كما يتصور البعض، بالتالي فإن التوقع باستمرار المواجهات العسكرية وارد، والقاهرة ستستمر في دعم حفتر وستدفع بنجاحاته، ولن يكون الهدف الحفاظ على تمركزه في مناطق وجوده فقط، بل الأمر متعلق بما يملكه من قدرات على الأرض، فليبيا مقسمة إلى أقاليم كبيرة، ومن ثم فإنه لا توجد لأي قوة في طرفي المعادلة قدرات على الحسم أو الجزم، وأن الدولة بأكملها ليست فقط طرابلس كما يتوهم البعض، ومن ثم فإن القدرات التركية التي لم تختبر في حرب حقيقية إلا في سوريا وفي مناطق تعرف طبيعة مواجهتها لن تستطيع الوصول إلى أكثر من مناطق الوفاق عبر ميليشيات مسلحة، وفي النهاية لا يمكن الانفتاح على كل ليبيا الكبيرة التي لا يمكن تطويعها بسهولة أو السيطرة عليها.

 

وبالنسبة إلى المحدد الثالث، فإنه في ظل تأمين مصالح الأطراف الدولية الخاصة بالنفط، فلا مجال لخوض حرب عسكرية شاملة على الأرض الليبية، سواء من قبل أطراف إقليمية أو دولية، وهو ما تدركه أطراف الصراع برغم الاستقواء بالقوى الأخرى، وهو ما يشير إلى أن المشهد العسكري منضبط برغم كل ما يجري، وأن الحسابات الاقتصادية والسياسية قد تسبق الحسابات العسكرية على الرغم من استمرار العمل العسكري داخل المعادلة الثنائية الليبية.

الخلاصة

ستواصل مصر مساندة قوات الجيش الليبي سياسياً ودبلوماسياً مع إدراك القاهرة أن المخطط التركي ساع لتشتيت قوات حفتر والانتقال إلى مسرح عمليات إلى آخر، خصوصاً أن خسارة "ترهونة" ستظل خطوة تكتيكية وليست استراتيجية، والذهاب إلى "ترهونة" بديل تركي للمواجهة لحين الجلوس على مائدة التفاوض بضغط روسي وإجراء توافقات أميركية أوروبية برغم التقدير أنه ربما استمر العمل العسكري لبعض الوقت، خصوصاً أن التحولات الميدانية على الأرض قد تكسب كل طرف أوراق حقيقية في المفاوضات السياسية المقبلة، بدليل أن خليفة حفتر لم يتجاوب مع التسوية المقترحة في موسكو أو في برلين.

ومن الوارد أن يتكرر هذا أيضاً في أي مفاوضات جديدة، ولهذا كان التركيز المصري الإماراتي على الدفع برئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح إلى الواجهة السياسية التفاوضية للتركيز على الخيار السياسي وليس العسكري، وهو ما أكدت عليه المبادرة المصرية، وركزت على مسارات سياسية واضحة ومباشرة، ومن خلال الأمم المتحدة، وتحت مظلة دولية روسية بالأساس وعبر توافقات مصلحية من خلال إقرار وتنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية بين روسيا وليبيا في مجالات متعددة (الطاقة والإعمار)، إضافة إلى ما سيثار في ملف التربيطات الجديدة في مصالح دول شرق المتوسط والتي تشمل مصر وتركيا وإسرائيل وروسيا إلى جانب اليونان وقبرص.

تبقى إذن فرص التدخل العسكري المصري محكومة بضوابط ومعطيات مصرية راسخة ولا ترتبط بأية سيناريوهات نظرية في التدخل العسكري الصريح، أو عدم التدخل، وإنما بحسابات وطنية للدولة المصرية وقرارها العسكري والسياسي معاً، وفي ظل تأمين مصر لكامل حدودها مع الجانب الليبي، والتي تمتد إلى 2000 كيلو متر وقراءة واعية مستفيضة لأهم المخاطر، والتحديات التي تواجهها مصر من الجنوب في الوقت الراهن، وتحديد سيناريوهات التعامل.

المزيد من تحلیل