Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معارك ليبيا تتجاوز السياسة فكيف تفكر القاهرة في ما بعد مبادرتها؟

الدبلوماسية تسابق أصوات الحرب لإبعاد شبح المواجهة مع أنقرة

تقود القاهرة جهوداً سياسية ودبلوماسية لحشد الدعم الدولي في الأزمة الليبية (موقع متحدث الرئاسة المصرية)

بمرور اليوم الأول على "عدم تطبيق" وقف إطلاق النار الذى طالب به "إعلان القاهرة" كخطوة أولى في إيجاد حل سياسي بين الأطراف المتنازعة في ليبيا كخيار إستراتيجي، بعد إصرار قوات حكومة الوفاق الوطني في غرب البلاد والمدعومة من أنقرة، على المضي قدماً في عملياتها العسكرية على وقع تقدم ملحوظ حققته ضد قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تتسارع تطورات المشهد في الجارة الغربية لمصر بشقَيه السياسي والعسكري بعد أشهر من التراجع في دائرة الاهتمام الدولي.

وبينما تقود القاهرة جهوداً سياسية ودبلوماسية لحشد الدعم الدولي لإعلانها الذي رحبت به أغلب العواصم الفاعلة في الأزمة، باستثناء أنقرة والدوحة، تتجه الأنظار إلى التحركات المصرية في الأزمة الليبية لا سيما بعدما تداول مغردون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة قالوا إنها لتحريك آليات وآرتال عسكرية مصرية متجهة إلى الحدود الغربية مع ليبيا لمساندة قوات حفتر. ولم تعلق عليها مصر.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تمكنت حكومة الوفاق الوطني من إجبار قوات الجيش الليبي التي تشن منذ أبريل (نيسان) 2019 عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية، على التراجع ليس فقط من طرابلس، بل من غرب البلاد بشكل كامل حتى مدينة سرت (في الوسط) بدعم تركي، وبالتزامن أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صباح السبت الماضي، مبادرة جديدة للحل السياسي تدعو إلى وقف إطلاق النار اعتباراً من اليوم الإثنين، وتشكيل مجلس رئاسي منتخب يمثل الأقاليم الثلاثة في البلاد (برقة وفزان وطرابلس)، وتفكيك الميليشيات وطرد المقاتلين الأجانب كافة من البلاد، إلا أنها قوبلت بالرفض من الوفاق وتركيا.

ما حقيقة التحرك العسكري المصري؟

بحسب مصادر رسمية متطابقة مصرية وليبية تحدثت إلى "اندبندنت عربية"، فإن "خيار تدخل القاهرة عسكرياً في الأزمة لم يطرح على الطاولة بعد كحل لمواجهة تطورات الأوضاع في الساحة الليبية ومنه التصعيد التركي والدعم العسكري المتواصل لقوات حكومة الوفاق".

وفيما أوضح المصدر المصري، من دون نفي أو إثبات صحة الفيديوهات المتداولة بشأن الحشد العسكري المصري على الحدود الغربية استعداداً لدخول ليبيا، أن "القاهرة تتخذ كافة الاحتياطات الأمنية اللازمة طوال الوقت على حدودها الغربية كمحور إستراتيجي للحفاظ على أمنها القومي ومنع تسلل أي عناصر إرهابية أو خارجة على القانون إلى مصر"، قال المصدر العسكري في الجيش الوطني الليبي "إن الأوضاع الميدانية الراهنة لا تزال تحت السيطرة، وإن معركة سرت حيث تسعى مليشيات حكومة الوفاق إلى اقتحامها ستكون حاسمة في المشهد الليبي".

وبحسب المصدر الليبي، "على الرغم من اقتراب ميليشيات الوفاق من المدينة (على بعد نحو 50 كيلومتراً منها) إلا أن القدرات الحالية للجيش الوطني قادرة على إفشال أي تقدم لها باتجاه شرق البلاد". مشدداً في الوقت ذاته على أن "الموقف المصري لن يبقى طويلاً مستبعداً للخيار العسكري، وفي حال تفاقم النزاع قد يزداد الدعم المصري بهذا الخصوص".

ووفق مصادر عسكرية مصرية، تحدثت سابقاً إلى "اندبندنت عربية"، فإنه فى حال إقرار مصر الخيار العسكري، فإن الاعتماد الأكبر سيكون تكيتيكات الدعم الجوي والبحري لقوات الجيش الوطني الليبي، وذلك في شكل ضربات جوية أو بحرية لأهداف مباشرة سواء من داخل الأراضي المصرية أو من السواحل الليبية". مستبعدين في الوقت ذاته "التوغل العسكري البري في الأراضي الليبية"، وهو ما يتنافي مع ما تم تداوله من فيديوهات بشأن تعزيزات عسكرية شملت أرتالاً من الدبابات والمدرعات.

وفي العام 2015، وجه سلاح الجو المصري ضربات مباشرة لمعاقل تنظيم داعش في درنة الليبية بعد تنفيذه عملية قتل جماعي لمسيحيين مصريين.

في الأثناء، وخلال الساعات الأخيرة، واصلت قوات حكومة الوفاق الوطني تقدماً بطيئاً إلى مدينة سرت الإستراتيجية للوصول إلى شرق البلاد والمنشآت النفطية الرئيسية، بعدما تمكنت من السيطرة على غرب ليبيا، إلا أن مصادر عسكرية وإعلامية موالية لحكومة الشرق تحدثت عن تعزيزات عسكرية وقوات خاصة تابعة للجيش الوطني الليبي وصلت إلى المدينة ومحيطها لتعزيز الصفوف في مواجهة قوات حكومة الوفاق.

وسرت هي مسقط الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي قبل أن تتحول معقلاً لتنظيم الدولة الإسلامية. وتبعد 450 كلم شرق طرابلس وكانت قوات حكومة الوفاق استعادت السيطرة عليها عام 2016 وفي مقدمها كتائب مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) قبل أن تسيطر عليها قوات الجيش الوطني في يناير (كانون الثاني) الماضي. ويومها، تمكن حفتر من السيطرة على المدينة الساحلية من دون معارك تذكر بعد نيله تأييد جماعة سلفية محلية مسلحة.

 

ووفق عسكريين، تكمن الأهمية الإستراتيجية للسيطرة على سرت، في أنها تمهد الطريق إلى منطقة "الهلال النفطي" والتى تضم أبرز حقول الإنتاج في البلاد، أحد مصادر القوة الأساسية في البلاد.

وبينما تسيطر قوات حفتر على شرق ليبيا ومعظم ثروتها النفطية. أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط الأحد استئناف الإنتاج في حقل الشرارة (جنوب) أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد، وأشارت على موقعها إلى تراجع "كبير" بنسبة 97 في المئة لعائداتها في أبريل (نيسان) مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وقالت إن "الخسائر تجاوزت خمسة مليارات دولار".

ماذا أمام القاهرة من خيارت بعد "إعلانها السياسي"؟

يتفق مراقبون ومتخصّصون في الشأن الليبي تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، إن الخيارات وإن كانت محدودة أمام القاهرة لاحتواء الأزمة الليبية إلا أن إعلانها السياسي الأخير ومبادرتها للحل بين الأطراف المتنزاعة، يبقي عليها كرقم مهم في المعادلة الليبية بعدما أثبتت للعالم تفضيلها الحل السلمي للأزمة كبديل للحل العسكري في مقابل كشف تمسك الطرف المقابل بالحل الأخير.

وبحسب عمرو الشوبكي، الباحث السياسي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، "لا يزال الخيار العسكري بعيداً في قائمة الخيارات المصرية للتعاطي مع الأزمة الليبية"، متابعاً: "على الرغم من الدعم التركي لحكومة الوفاق فإن هناك شبه استحالة لسيطرة قواتها على الشرق الليبي فى ضوء التعقيد والتداخل الأقليمي والدولي في الأزمة الليبية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر "قد تستمر المواجهات العسكرية بين الطرفين لكن لن يستطيع طرف حسم المعركة لصالحه، وعليه أستبعد خيار التدخل العسكري المصري إلا في حالة تهديد مباشر لحدودها الغربية أو اضطراب الأوضاع في المنطقة الحدودية"، مضيفاً في الوقت ذاته "اعتقد بأن تستمر الحرب بالوكالة".

ويزيد "تدرك القاهرة أن مبادرتها للسلام في ليبيا ستواجه تحديات منذ البداية بخاصة أن الطرف الآخر (حكومة الوفاق) لم يكن موجوداً، لكن أعتقد بأن الهدف الأساسي من تلك المبادرة كان إعادة تأكيد القاهرة سعيها نحو بناء الدولة الوطنية في ليبيا ليس فقط انطلاقاً من مشروع عسكري وإنما بشكلها المدني السياسي ممثلاً في حضور رئيس مجلس النواب الليبي المعترف به دولياً عقيلة صالح". وعليه بحسب الشوبكي، لم تستبعد القاهرة من البداية احتمالات رفض حكومة الوفاق مبادرتها.

واتفاقاً مع وجهة نظر الشوبكي، يقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق في القوات المسلحة المصرية وأستاذ العلوم الإستراتيجية، إن "القناعة تبقى في القاهرة بأن الخيار العسكري لن يحل الأزمة الليبية، وهو الأمر الذى ينطبق أيضاً على احتمالات تدخل مصر عسكرياً"، موضحاً "الخيار العسكري يمثل استنزافاً للقدرات والموارد، وعليه فإن المبادرة المصرية للحل تعطي زخماً سياسياً على مستوى المجتمع الدولي للتفاعل مجدداً مع الأزمة الليبية وكشف موقف حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج ومن خلفه تركيا، والضغط عليهما للابتعاد عن الحل العسكري".

ووفق سالم فإنه "من المبكر الحديث عن التدخل العسكري في ليبيا"، معتبراً أن الوقت الحالي هو "فقط للجهود السياسية والدبلوماسية بعد إعلان القاهرة، ورؤية التعاطي الدولي بشكل كامل معها".

وذكر سالم: "أنه طوال الفترة الماضية نجح الجيش المصري في تأمين الحدود مع ليبيا والممتدة بطول نحو 1300 كلم في إطار خطة إحكام على حدودنا، وهو ما يبقي الهدف الإستراتيجي للتحرك المصري باتجاه ليبيا".

في المقابل، يعتبر السفير فخري عثمان، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إن "تأكيد القيادة المصرية المتواصل بأن الأمن والاستقرار في ليبيا جزء لا يتجزأ من الأمن والاستقرار في مصر يؤكد محورية القضية الليبية وتطوراتها بالنسبة إلى مصر، وبالتالي محورية التعاطي مع الأزمة".

وبحسب عثمان: "فإن مصر الآن في مرحلة التعاطي السياسي مع مبادرتها بشأن ليبيا، لكن لا يمكن استبعاد أي خيار آخر، وهو ما بدا في تحذير الرئيس المصري خلال إعلان المبادرة أكثر من مرة من مضي الطرف الآخر في الخيار العسكري كحل للأزمة الليبية".

وبجانب المتغيرات السياسية والعسكرية، يرى عمرو الشوبكي، متغيراً آخر يؤثر في تطورات الأوضاع في ليبيا، وهو ذلك المتعلق بـ"التفاهمات الروسية التركية" حيث يرتبط البلدان بشبكة مصالح معقدة ومتداخلة قد تؤثر في مجريات التطورات الليبية".

وبينما دعمت موسكو المبادرة المصرية لإحلال السلام في ليبيا مشيدة، بالجهود الدبلوماسية التي تبذلها مصر"في هذا الاتجاه". رفضت أنقرة المبادرة، واعلن رئيسها المضي قدماً في دعم حكومة الوفاق.

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011 تشهد ليبيا حالة من الفوضى. ومنذ 2015 تتنازع سلطتان الحكم، حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السرّاج ومقرها طرابلس (غرب) وحكومة موازية يدعمها المشير حفتر في شرق البلاد. ولا يعترف حفتر بشرعية حكومة السراج التي تشكلت بموجب اتفاق الصخيرات في المغرب، بإشراف الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2015.

المزيد من تحلیل