Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاث حروب أنتجت مقاتلي المعارك الدائمة في المنطقة

تكرار تجربة "الأفغان العرب" عبر "الإسلاميين السوريين"

اللعبة في ليبيا أهلية داخلية وجيوسياسية خارجية (أ.ف.ب)

ليس كل ما تفعله الحروب هو الدمار والموت وتطوير آلة القتل، ولا هو فقط إعادة تشكيل الأنظمة والجغرافيا على مدى التاريخ، ولا كان الفيلسوف هيغل هو الوحيد الذي رأى "أن الحرب هي القوة المحركة لتطور الفكر، والريح الضرورية التي تحرك المياه الآسنة من أجل التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية". فما تعلمناه من دروس الحروب لم يمنع تكرارها، سواء كانت أهلية أو لأسباب اقتصادية أو أيديولوجية أو جيو سياسية. وما سجله التاريخ في نهايتها كان محطات على طريق دائري: "معاهدة وستفاليا" بعد حرب الـ30 سنة في القرن السابع عشر أقرت مبدأ سيادة الدولة، مؤتمر فيينا في بدايات القرن التاسع عشر بعد حروب نابوليون أعاد تشكيل أوروبا ضمن مبدأ "توازن القوى"، مؤتمر فرساي بعد الحرب العالمية الأولى في العقد الثاني من القرن العشرين طرح مبدأ "حق تقرير المصير" وأنشأ عصبة الأمم بعدما أسقطت الحرب إمبراطوريات وخلقت انتدابات، وأعادت تشكيل الشرق الأوسط. يالطا بعد الحرب العالمية الثانية قسمت العالم بين المنتصرين وقادت إلى إنشاء الأمم المتحدة، وحرب السويس أخرجت بريطانيا وفرنسا من الشرق الأوسط لمصلحة الجبارين الأميركي والروسي، وكل الحروب العربية- الإسرائيلية لم تصل إلى حل للصراع العربي - الإسرائيلي، والحروب التي تخوضها إيران بالوكالة مع أميركا ودول عربية قادت إلى تقوية الراديكالية الأصولية.

لكن ثلاث حروب أضافت إلى كل ذلك إنتاج مقاتلين جاهزين لخوض حروب دائمة في المنطقة، سواء كأيديولوجيين أو كمرتزقة: حرب أفغانستان ضد الغزو السوفياتي عام 1978، حرب العراق خلال الاحتلال الأميركي وبعده، وحرب سوريا. في حرب أفغانستان، جرى تجييش الراديكالية السنية ضد الاحتلال السوفياتي بحيث تولّت أميركا تسليح "المجاهدين" الذين سمّتهم "مقاتلي الحرية" وقامت باكستان بتدريبهم ودول عربية بالتمويل، فكانت "القاعدة". وعندما أُجبر السوفيات على الانسحاب ارتدّ الجهاديون على الذين سلحوهم وموّلوهم، وبدأت ظاهرة "الأفغان العرب". وهم بالطبع المقاتلون العرب الذين عادوا إلى بلدانهم وسواها وبدأوا العمليات الإرهابية في غير بلد، كما عاد قسم منهم إلى أفغانستان بعدما تسلّمت طالبان السلطة، ومن هناك أدارت "القاعدة" حرباً على "العدو البعيد" ثم "العدو القريب"، وكان تدمير برجَي التجارة العالمية في نيويورك أبرز العمليات الإرهابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حرب العراق، تولّت دمشق وطهران إرسال "المجاهدين" الأصوليين لقتال المحتل الأميركي، حيث برز أبو مصعب الزرقاوي وتنامت شبكة "القاعدة" وأعلن أبو عمر البغدادي "دولة الخلافة" في العراق، ثم أعلن أبو بكر البغدادي دولة "داعش"، أي أن الجهاديين عادوا إلى قتال من أرسلهم. وفي حرب سوريا، عملت بلدان عدة على تجييش الراديكالية السنية وإرسال "المجاهدين" للحرب ضد النظام، كما عملت طهران على إرسال الميليشيات الراديكالية الشيعية للقتال إلى جانب النظام.

وما يحدث اليوم بعدما انتهت العمليات العسكرية الأساسية في حرب سوريا هو تكرار تجربة "الأفغان العرب" عبر "الإسلاميين السوريين". عشرات الآلاف من المقاتلين المتشدّدين صاروا بلا عمل تقريباً. بينهم من هم في السجون، ومن عادوا أو يحاولون العودة إلى بلدانهم، ومن هم في بادية الشام يقومون بعمليات إرهابية تحت راية "داعش"، ومن هم مقاتلون مرتزقة للتصدير إلى ليبيا. وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن تركيا أرسلت عشرة آلاف مرتزق للقتال مع الميليشيات الأصولية وحكومة فايز السراج. ومنظمة "فاغنر" الروسية أرسلت ألف مرتزق للقتال مع الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، لكن الفارق أن "الأفغان العرب" ظلّوا يعملون في كل مكان ضمن مشروع "القاعدة" أو ضمن مشروع "داعش". أما الإسلاميون السوريون فإنهم "بندقية للإيجار". لا مشروع لهم. فهم يعملون تحت راية تركيا التي يحرص رئيسها رجب طيب أردوغان على دعم الإخوان المسلمين، أو تحت راية منظمة روسية خاصة، وإن كان صاحبها يفغيني بريغوفين قريباً من الكرملين ولقبه هو "طباخ بوتين".

واللعبة في ليبيا أهلية داخلية وجيوسياسية خارجية لها جانب أيديولوجي أصولي. والواقع أن الدول الأوروبية والعربية والإسلامية خائفة من عودة أبنائها من "الإسلاميين السوريين" كما كانت الحال ولا تزال مع "الأفغان العرب". لكن ما يقدمه المشروع الراديكالي السني بقيادة تركيا والمشروع الراديكالي الشيعي بقيادة إيران هو مشروع حرب دائمة في المنطقة.

المزيد من تحلیل