Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مغزى ركوع ضباط الشرطة أمام المتظاهرين في أميركا؟

شكك محتجون في صدقية هذه الحركة خصوصاً حيث تستخدم القوة المفرطة

تتنامى المطالبات في الولايات المتحدة بتقليص الحصانة القانونية التي تحمي ضباط الشرطة من المقاضاة (أ.ف.ب)

منذ بضعة أيام، تابع الأميركيون على مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون لقطات لرجال ونساء في زي الشرطة الرسمي في جميع أنحاء الولايات المتحدة وهم يركعون على ركبهم في وضعية تضامن وسط الاحتجاجات الضخمة التي تشهدها البلاد ضد العنصرية وما يصفه المحتجون بوحشية الشرطة. وهي صور تتناقض مع تلك التي تُظهر ضباطاً آخرين يطلقون قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على الحشود، وأحياناً على الصحافيين، فما قصة حركة الركوع وما دلالاتها؟ ولماذا لجأت إليها بعض إدارات الشرطة من دون سواها؟ وكيف سيكون تأثيرها في قضية العنصرية؟

أحد أبرز المشاهد المثيرة للانتباه، هو ما تحدثت عنها صحيفة "بوسطن غلوب": رأينا الشرطة راكعة ليلة الثلاثاء. ما أجبر الحشود في النهاية على الهتاف "إجثو على ركبكم"، داخل محطة فورست هيلز ومقر شرطة بوسطن.

هناك، صافحت الضابطة كيم تافاريس متظاهرين وركعت عند حاجز في مقر الشرطة، كما فعل العديد من زملائها. ووصفت إدارة الشرطة في تغريدة على "تويتر"، ركوع الضباط بأنه يشير إلى إنسانية ضباطنا ورغبتهم التي لا يمكن إنكارها في العمل تضامناً مع مجتمعنا. ولكن، لماذا قرر ضباط الشرطة الركوع بالتحديد مع المتظاهرين؟

سبب الركوع؟

يرجع سبب ركوع ضباط الشرطة إلى رغبتهم في الاعتراف بأن ما فعله كولين كايبرنيك لاعب كرة القدم الأميركية الشهير، قبل سنوات، كان صواباً. فقد جثم هذا اللاعب على ركبته خلال أداء النشيد الوطني الأميركي في واحدة من أهم المباريات التي شاهدها معظم الأميركيين كرمز للتضامن مع حركة "حياة السود تستحق الاهتمام"، واعتراضاً منه على العنصرية ووحشية الشرطة التي برزت في المجتمع الأميركي، خصوصاً بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2017. الأمر الذي أدى إلى انتقاد تصرفه على نطاق واسع لفترة طويلة بل وتعرضه للعقاب بالإيقاف، قبل أن يقدم رئيس رابطة الكرة اعتذاراً مصوراً قبل أسبوع واحد، يؤكد فيه أن الرابطة كانت على خطأ حينما أساءت التصرف ولم تستمع إلى الاحتجاج السلمي من قبل اللاعبين.

وما اختاره كايبرنيك وأثار ضجة واسعة قبل سنوات لتكريم الذين قتلوا من السود بسبب عنف الشرطة المفرط، هو ذاته ما اختاره رجال الشرطة بحضورهم راكعين في العديد من المدن الأميركية، في محاولة لتكرار ما فعله وإظهار علامة سلمية إلى المتظاهرين.

تفاعلات متباينة

ولهذا السبب انتشر الركوع في مدن وولايات أميركية عدة، من الشمال والجنوب ومن الشاطئ الشرقي إلى الشاطئ الغربي. ففي فيتفيل في ولاية كارولينا الشمالية التي شهدت حرق أبنية ونهب محال تجارية خلال أعمال الشغب التي رافقت الاحتجاجات في مناطق عدة، جثم 60 ضابط شرطة على ركبهم في حركة مفاجئة أمام المتظاهرين الغاضبين. وأصدرت إدارتهم بياناً قالت فيه إنهم فعلوا ذلك لتوضيح مدى تفهمهم وإدراكهم الألم الذي يعانيه المجتمع في ما يتعلق بالمساواة وبأن الشرطة تُدافع عن مبدأ العدالة للجميع وتلتزم بمعاملة كل الناس بكرامة واحترام.

وتكررت مشاهد مشابهة، في مدينة ميامي في ولاية فلوريدا، وفي بورتلاند أكبر مدن ولاية أوريغون، وكذلك في ولايات أيوا وواشنطن وكينتاكي ونيويورك وجورجيا وفيرجينيا وميتشيغان وواشنطن العاصمة وكثير من المدن والمقاطعات، تعبيراً عن الأسف لمقتل جورج فلويد، بل اغرورقت عيون بعض المتظاهرين بالدموع واحتضن رجال الشرطة متظاهرين في لحظات سيطرت عليها العواطف. وسرعان ما انتشرت هذه اللقطات المؤثرة على شاشات الشبكات التليفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي ونالت عشرات الآلاف من الإعجابات والمشاركات بعدما وصفها البعض بأنها لحظات تاريخية سيسجلها التاريخ وتتوارثها الأجيال في المستقبل.

غير أن المشاهد كلها لم تكن متماثلة، ففي أحد المشاهد جرى التحقيق مع ضابط شرطة في فلوريدا بتهمة دفع متظاهر أسود كان يجثو على ركبته أثناء تظاهرة قبل أن توبخه إحدى زميلاته في قوة الشرطة، وهي امرأة سوداء. وفيما كان الضباط الذين يركعون مع المتظاهرين يتلقون الهتافات المشجعة ويصافحهم بعض المحتجين، شكك محتجون آخرون في صدقية ضباط الشرطة، خصوصاً في المدن التي استخدم فيها بعض زملائهم قوة مفرطة للسيطرة على المتظاهرين.

تضامن أم تكتيك؟

وبينما تقول الضابطة تافاريس في مدينة بوسطن إن حياة السود فعلاً مهمة، من غير الواضح إذا ما كان جميع ضباط الشرطة يتفقون معها في هذا الرأي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حين يبدو الركوع وسيلة للتخفيف من حالة الاحتقان المتزايدة في المجتمع الأميركي ومحاولة لامتصاص الغضب، فإن بعض الضباط يرغبون في أن ينأوا بأنفسهم عن ثقافة قتل جورج فلويد في مينيابوليس وغيره من الرجال السود على أيدي الشرطة في جميع أنحاء البلاد. فقد ركع بعض الضباط ورفض آخرون حتى بعدما طلب زملاؤهم أن يحذوا حذوهم، كما عبر ضباط آخرون عن رفضهم الركوع لأنهم يشعرون أنه فعل خطأ.

في المقابل، اشتكى محتجون من أنه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يتم تجريد الصور ومقاطع الفيديو من سياقها بسرعة. فعلى سبيل المثال، تم تصوير مقطع فيديو لضباط شرطة نيويورك وهم يركعون مع المتظاهرين يوم الأحد، وانتشر الفيديو عبر "تويتر"، لكن بعد ساعة واحدة اشتكى أحد المتظاهرين من أن الضباط أنفسهم ضربوا المحتجين وألقوا عليهم قنابل غاز مسيل للدموع، بل واعتقلوا عدداً منهم.

هل من تأثير؟

تقول شانون كيتنغ في موقع "بازفييد" المحافظ، إن المشكلة لا تتعلق بالسياق والتوقيت اللذين يتبادل فيهما الناس صور الضباط وهم يركعون أو يتعانقون مع المتظاهرين فحسب. فهذا لا يعني أن أفضل طريقة للتعامل مع العنصرية والوحشية التي تمارسها الشرطة هي إبراز أن رجال الشرطة لطفاء، لكن المحتجين خرجوا إلى الشوارع لأنهم غاضبون لأكثر من سبب، فهم غاضبون من أن الولايات المتحدة تنفق 100 مليار دولار سنوياً على أعمال أمنية وشرطية، كما تستحوذ المهمات الأمنية في أي مدينة أو مقاطعة محلية أميركية على ما يراوح بين 30 إلى 60 في المئة من الميزانيات المحلية بالكامل. في حين أن الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية الأخرى تعاني من نقص التمويل.

وهم غاضبون أيضاً من أنه في مدن مثل نيويورك، لا يزال بوسع رجال الشرطة خنق المشتبه فيهم بشكل قانوني إذا ما أبدوا مقاومة مستمرة. وهو ما أدى إلى قتل أشخاص مثل إريك غارنر في أثناء احتجاز الشرطة له. وهم غاضبون لأنه على مدى عقود، اخترق المتعصبون البيض الجيش والشرطة في الولايات المتحدة.

ما المطلوب؟

المغزى الحقيقي من الركوع يتوقف على ما سيحدث بعد ذلك. فمن ناحية يصف راسان هول، مدير برنامج العدالة العرقية في اتحاد الحريات المدنية الأميركية في ولاية ماساتشوستس، الركوع بأنه "لفتة لطيفة" لكنها محدودة، مؤكداً أنه لا يشك في أن ضباط الشرطة الذين يفعلون ذلك لديهم قدر من الندم على ما رأوه، وأنهم يريدون أن ينأوا بأنفسهم عن قتل جورج فلويد. لكن الركوع سيظل في النهاية مجرد لفتة طيبة عن تعاطفهم، ما لم تكن هناك إجراءات ملموسة لمساءلة الشرطة بشكل أكبر، ولتقليص الفوارق العرقية في طريقة ممارسة الإدارات المحلية والحكومية لوظائفها في المجتمع.

ومن الأفكار المطروحة على المستوى الفيدرالي من جانب المسؤولين المنتخبين خلال مؤتمر صحافي عقدوه خارج مبنى مجلس نواب ولاية ماساتشوستس على أمل أن تتحول إلى حقيقة، أن تستعيد وزارة العدل الإشراف على أقسام الشرطة المحلية، التي ألغاها الرئيس دونالد ترمب في عام 2017، وعودة سلطات التحقيق لدى الوزارة في انتهاكات الحقوق المدنية. ما يعني التخلص من عقيدة الحصانة القانونية، التي تحمي ضباط الشرطة من المقاضاة بسبب انتهاكهم الحقوق المدنية.

وعلى الصعيد المحلي داخل الولايات، تتصاعد المطالبات بتوحيد وتحسين نوعية التدريبات لضباط الشرطة في كل ولاية، وإصلاح نظام الخدمة المدنية بحيث يسمح للفئات الأكثر تنوعاً ومهنية بالالتحاق بالشرطة. وهذا يعني حدوداً أكثر وضوحاً لاستخدام القوة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحالات الخنق والضغط على الأعناق، فضلاً عن تحويل بعض المخصصات المالية التي تُنفقها الشرطة إلى برامج تُعنى بتدريب العاملين على الحد من العنف.