Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمنا الأرض تمر بوقت عصيب فهل ننقذها؟

بحلول نهاية القرن الحالي من المتوقع أن يرتفع معدل حرارة الكوكب بنسبة تتراوح ما بين 1.5 إلى 4.5 درجة مئوية

واصلت الأرض خلال السنوات الأخيرة الماضية، تحطيم أرقامها القياسية المتعلقة بارتفاع الحرارة. إذ ذكرت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" في أحدث تقاريرها، أن عام 2019 كان ثاني أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق (بعد عام 2016)، منذ بدء تسجيل البيانات الدولية المتعلقة بدرجات الحرارة. ووفق هذه المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، فإنه منذ ثمانينيات القرن الماضي كان كل عقد من السنوات، أكثر دفئاً من سابقه، وأن من شبه المؤكد استمرار هذا الاتجاه الصعودي جراء المستويات القياسية للغازات الدفيئة المحتبسة في الجو.

ويقول بيتري تالاس، أمين عام "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية"، إن المتوسط العالمي لدرجات الحرارة ارتفع بنحو 1.1 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية، موضحاً أن المسار الحالي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون يتجه بنا نحو زيادة درجات الحرارة من 3 إلى 5 درجات مئوية بحلول نهاية القرن. ويضيف: "لقد بدأ عام 2020 من حيث انتهى عام 2019، بظواهر جوية ومناخية ذات تأثيرات كبيرة، وقد سجلت أستراليا في عام 2019 أحر وأجف عام في تاريخها، ما مهد الساحة لنشوب حرائق غابات ضخمة ذات آثار مدمرة على البشر والممتلكات والحياة البرية والبيئة. لسوء الحظ، نتوقع أن نرى طقساً متطرفاً للغاية في عام 2020 وخلال العقود المقبلة، مدفوعاً بمستويات قياسية من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي".

قياسات كربونية استثنائية

في السنوات الخمس والعشرين الماضية، زادت تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من 360 جزءاً في المليون إلى أكثر من 400 جزء في المليون. وستظل التركيزات أعلى من ذلك المستوى لأجيال قادمة، ما يحكم على كوكبنا بمستقبل أشد حرارة مع مزيد من ظواهر الطقس والمناخ، والأمطار المتطرفة. للدلالة على خطورة هذه التركيزات، يكفي أن نعلم أن القياسات المباشرة لثاني أكسيد الكربون الذي كان موجوداً في الغلاف الجوي على مدى 800 ألف سنة الماضية، تُظهر وجود تباينات طبيعية تتراوح من 180 جزءاً في المليون إلى 280 جزءاً في المليون. وهذا يدلل على أن التركيز الحالي لثاني أكسيد الكربون البالغ 400 جزء في المليون يتجاوز التقلب الطبيعي الذي سُجل على مدى أقل من مليون سنة.

من الواضح أن ثمة تغييراً ما قد حدث في مناخنا. وما شهده جنوب الجزيرة العربية (اليمن وسلطنة عُمان) منذ أيام قليلة من تساقطات مطرية غزيرة اجتاحت مناطق واسعة من أراضيهما لا يشكل استثناء. ذلك أننا شهدنا خلال العقد الفائت موجات حر قائظ في تكساس وأستراليا وروسيا وصولاً إلى شرق أفريقيا، فيما ضربت أوروبا موجات حر قاتلة، وانفجرت أعداد غير مسبوقة من الأعاصير عبر أرجاء أميركا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلطة سحرية

إذن ما الذي يجري هنا؟ أيعقل أن تكون هذه الظواهر إشارات على تحول أصاب مناخ الأرض وتسبب به السلوك البشري الخطير؟ أم أن الأرض تمر بوقت عصيب فحسب؟

الجواب بكل بساطة هو: إنها خلطة ما بين الاثنين معاً. فالقوى الرئيسة التي تسببت بوقوع الكوارث الطبيعية خلال العقود الأخيرة كانت عبارة عن دورات مناخية طبيعية، وهنا نتحدث تحديداً عن ظاهرتي "إل نينو"  و"لا نينا". ولمعرفة أثر هاتين الظاهرتين، لا بد أن نعرف أولاً أن مستوى سطح البحر في إندونيسيا والفليبين أعلى بزهاء 50–60 سنتيمتراً عن الجهة المقابلة له من المحيط الهادي في البيرو. وعند حدوث ظاهرة "إل نينو" فإن التيارات الهوائية الساخنة تدفع بركة الماء الدافئ الكبيرة المستقرة عادة وسط المنطقة الاستوائية للمحيط الهادي، شرقاً باتجاه أميركا الجنوبية. والعكس يحدث مع ظاهرة "لا نينا". ونتيجة لتحرك بركة المياه الدافئة الكبيرة، فإن التيارات الهوائية وبخار الماء يتحركان وينتج عن ذلك عواصف رعدية بالغة القوة شاهقة الارتفاع، يمتد تأثيرها خارج الطبقات الهوائية القريبة وصولاً إلى الطبقة المتوسطة من الغلاف الجوي. وبالعموم فإن "إل نينو" تدفع العواصف القوية فوق جنوب الولايات المتحدة والبيرو، بينما تجلب معها الجفاف والحرائق إلى أستراليا. أما "لا نينا" فتجيء بالفيضانات إلى أستراليا في حين تتسبب بالجفاف في الجنوب الغربي الأميركي وتكساس، إضافة إلى بلدان أخرى أكثر بعداً وصولاً إلى جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا. وهكذا تخلق الظاهرتان المتطرفتان الظروف المناسبة لظواهر طبيعية أخرى متطرفة في أماكن مختلفة.

لكن، لا يمكن أن تكون الدورات البيئية الطبيعية هي التفسير الوحيد لما يحدث مؤخراً من كوارث غير مسبوقة. فمن المؤكد أن ثمة شيئاً آخر يحدث أيضاً. فكرتنا الأرضية تسخن بصورة مستمرة وثابتة، وترتفع معها نسبة الرطوبة الموجودة في الغلاف الجوي. إذ تعمل ظاهرة البيت الزجاجي المستفحلة منذ أمدٍ طويل على حبس الحرارة وتسخين اليابسة والمحيطات، وبالتالي تسخين الغلاف الجوي. فمع ارتفاع درجة حرارتها، تقوم المحيطات بإطلاق المزيد من بخار الماء في طبقات الجو، وخلال الأعوام الخمسة والعشرين الفائتة سجلت الأقمار الاصطناعية زيادة قدرها 4 في المئة في نسبة البخار المتواجد في أعمدة الهواء، ومع ازدياد هذه النسبة تزداد احتمالات الهطولات المطرية المفاجئة المتطرفة.

تحذيرات وتفسيرات

وبحلول نهاية القرن الحالي من المتوقع أن يرتفع معدل حرارة الأرض بنسبة تتراوح ما بين 1.5 إلى 4.5 درجة مئوية؛ وتعتمد هذه النسبة بشكل جزئي على كميات الكربون التي سننتجها منذ اليوم ولغاية عام 2100. كما يتوقع العلماء أن يتغير الطقس بصورة جليّة تماماً، وأن تتحرك تيارات هوائية ومائية نمطية باتجاه القطبين الشمالي والجنوبي، تماماً كما تفعل الآن بعض النباتات والحيوانات في محاولة للهروب من الحرارة المتزايدة إلى مناطق أكثر برودة.

وإحدى أكثر المناطق التي لا يمكننا التنبؤ بتغيراتها في خارطة المناخ المستقبلية، هي المحيط المتجمد الشمالي، الذي خسر منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي ما نسبته 40 في المئة من جليده الذي يحافظ على تماسكه خلال فترة الصيف. كما ارتفعت درجة الحرارة في المناطق التي كانت تحافظ على جليدها طيلة فترة الخريف بمعدل 2 إلى 5 درجات مئوية. وثمة دلائل جديدة تشير إلى أن الاحتباس الحراري يغيّر من مسار التيار القطبي النفاث، ما يساعدنا على تفسير ظاهرة ارتفاع حرارة أميركا الشمالية خلال بعض فصول الشتاء في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من البرد القارس.

وفقاً لتقرير ضخم نشره المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال ICIMOD، تُهدد التغيرات المناخية بانصهار أكبر المناطق المتجمدة في العالم. إذ يُرجح أن تفقد المساحات الجليدية في منطقة جبال هندوكوش بالهيمالايا، التي تمتد عبر 8 بلدان في جنوب آسيا من أفغانستان إلى ميانمار، أكثر من ثلث حجمها بحلول نهاية القرن، حتى لو نجحت دول العالم في تحقيق أصعب أهدافها المناخية. ويقول فيليبس فيستر، الباحث في المركز والمنسق الرئيس للتقرير لمجلة "ساينتيفك أميركان" المتخصصة: "هذه هي الأزمة المناخية التي لم يسمع أحد عنها. فمنطقة هندوكوش تُلقّب بـ"قطب العالم الثالث" (بعد القطبين الشمالي والجنوبي) لأنها تضم كثيراً جداً من المساحات الجليدية. فهي موطن لعشرة من أحواض الأنهار الكبرى وبعض أعلى قمم الجبال في العالم، ومنها جبل إيفرست". ويعيش زهاء 300 مليون شخص في هذه المنطقة الجبلية، ويقدر الخبراء بأن حوالي ملياري شخص يستفيدون من مياه أنهارها. وتشير الأبحاث إلى أن حرارة هذه المنطقة ترتفع بمعدل أسرع من المعدل العالمي.

دور الحكومات والأفراد

حتى الآن، لا تقوم الحكومات ببذل أي جهود فعالة لوقف ظاهرة الاحتباس الحراري، فيما تبدو هذه المشكلة على صعيد الأفراد مجرد ارتفاع طفيف لدرجات الحرارة حول العالم. لكن في الواقع فإن مشكلة التغير المناخي أكثر جدية وخطورة مما نتصور، فبعض العلماء يتنبَّأون بنتائج كارثية قد يشمل تأثيرها السلبي كلاً من الصحة، والمناخ، والمياه، والغذاء، والاقتصاد، وحتى السياسة حول العالم بحلول عام 2050. فمع ترجيح العلماء أننا مقبلون على عالمٍ سيرتفع فيه متوسط درجة الحرارة زهاء 3 درجات مئوية بحلول عام 2100، فإننا سندفع ثمن هذه الدرجات الثلاث غالياً. ويتبنى البعض سيناريوهات مخيفة تفيد بأن التغير المناخي يهدد الوجود البشري على سطح الأرض. فما مدى سوء أزمة التغير المناخي لحد الآن؟

في الآونة الأخيرة، عانت المدن الساحلية حول العالم، من دمار بناها التحتية بسبب الفيضانات الجارفة الناتجة عن التغيرات المناخية، ما أسفر عن مقتل آلافٍ من البشر وتشريد الملايين. ونتيجة لهذا، تظهر الأمراض المتفشية، مثل الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا، وأمراض الجهاز التنفسي، وسوء التغذية. أصبح تلوث الموارد المائية، والمعادن المُذابة في البحر، والصرف الزراعي، أمراً معتاد الحدوث. أكثر من مليارَي شخص يعيشون اليوم في أكثر المناطق سخونة في العالم، حيث ترتفع درجات الحرارة لتصل إلى 60 درجة مئوية لأكثر من 45 يوماً في السنة، وهي نقطة لا يمكن أن يتحملها جسم الإنسان في حال تواجده خارج المنزل لمدة تزيد على ست ساعات، لأن الجسم يفقد القدرة على تبريد نفسه.

في الماضي، كانت المحيطات والغابات تمتص نصف نسبة ثاني أكسيد الكربون الذي ينتجه البشر، لكن في الوقت الحالي لم يتبقَّ سوى القليل من الغابات، ما يشير إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في السنوات المقبلة إلى معدلات غير مسبوقة. يقدر باحثون في "مبادرة الرصد العالمي للغابات" أنه في غضون عقدين ستتحول مساحات شاسعة من كوكبنا إلى أراضٍ غير مواتية، وليس من الواضح تماماً مدى سوء أزمة الغذاء التي ستحل مع تزايد ارتفاع درجات الحرارة. فبسبب القصور في إمدادات الغذاء سيتشبث كل بلد بموارده، ونتيجة لذلك من المتوقع أن تنشب أعمال شغب بسبب قلة الغذاء، وقد نشهد حروباً أهلية تودي بحياة الآلاف. يرسم البعض سيناريوهات أكثر خطورة، ويجدون أن التغيرات المناخية ستضع البشر على المدى البعيد في خطر العودة إلى حالات بدائية، بحثاً عن مكان يستطيعون الاحتماء فيه. لا أحد يعرف ما يخبِّئه المستقبل لأبنائنا وأحفادنا؛ لكن من الواضح أن آثار التغيرات المناخية ستطال جميع جوانب الحياة البشرية.

في اليوم العالمي للبيئة الذي يصادف اليوم، لا تبدو بيئة أمنا الأرض في أتم صحة، لكن الأكيد أن علاجها متوفر لدى إرادة أبنائها.