الحرب السورية قضمت حقوق الكتّاب والناشرين... وظاهرة التزوير أجهزت على المكتبات

بسطات الأرصفة تروّج الكتب المقرصنة ... ولا رقابة

تحوّلت مخازن بعض دور النشر خلال المعارك إلى مستودعات ذخيرة وأسلحة ومخطوفين وخنادق للنزاع الدائر منذ سنوات (غيتي)

لا يغيب الناشر السوري عن سوق الكتب العربية في معظم معارضها؛ لكنه غائبٌ في شكلٍ شبه تام عن بلاده؛ مرغماً لا بطلاً؛ فالكتب في كل من دمشق وحلب وحمص واللاذقية وسواها من المدن تعوم على الأرصفة والأكشاك والشاحنات؛ كتبٌ لبشرٍ ماتوا أو هُجِّروا أو نزحوا عن مدنهم؛ تاركين وراءهم بيوتهم ومكتباتهم ودور نشرهم وأحلامهم. ولكن من قال إن الكتب ليست لها استخداماتٌ أخرى في زمن الحرب؛ هكذا على الأقل صنعت منها بطلة رواية "المريض الإنكليزي" لمايكل أونداتجي درجاً بدل الأدراج المتهرئة في المبنى القديم.

أما في المدن السورية؛ فقد تحوّلت مخازن بعض دور النشر خلال المعارك إلى مستودعات ذخيرة وأسلحة ومخطوفين وخنادق للنزاع الدائر منذ ثماني سنوات تقريباً؛ داخلةً بذلك سِفر خروجها الأقسى من خريطة النشر العربية. من بقي اليوم فهو ما زال يقاوم حقيقة مريرة للغاية؛ بحيث استعاض هؤلاء عن الدمغة السورية على إصداراتهم؛ ليحصلوا على تراخيص لبنانية أو مصرية أو حتى مكسيكية؛ وذلك ليتمكنوا من المشاركة في معارض خارجية من مثل الشارقة وأربيل والرياض وأبو ظبي والقاهرة وسواها؛ لاسيما في ظل صمتٍ مطبقٍ لأي دور متوقع من اتحاد الناشرين السوريين، المؤسسة التي لم يكن لها دور قبل الحرب؛ ولا بعد وقوعها. النشاط الأخير لهذا الاتحاد كان مع بداية الأحداث الدامية في البلاد عندما أقام الاتحاد دورته الثالثة من "معرض ربيع الكتاب" والذي كان مقرراً إقامته في منتصف أبريل (نيسان) العام 2011؛ لتؤجله الحرب إلى أجل غير مسمى! وقتذاك دفع أصحاب الدوْر المشاركة ما يترتب عليهم من أجور الحجوزات لأجنحتهم في "حديقة الجلاء" الواقعة في قلب العاصمة السورية؛ من دون أن يضمن لهم أحد حق استرجاعها!

اتحاد الناشرين التابع لوزارة الإعلام لطالما طالب الناشرون السوريون بأن يكون تحت إدارة وزارة الثقافة؛ لكن "الاتحاد" بقي بعيداً من أي تأثير يمكن أن يُحدِثَهُ نحو إستراتيجية نشر وطنية؛ في حين ما زالت وزارة الثقافة تنظّم معرضاً دائماً للكتاب في معظم الجامعات السورية، ولاسيما جامعة دمشق. ويضم هذا المعرض أعداداً كبيرة من العناوين التي تطبعها "الهيئة السورية للكتاب"، دار النشر الرسمية التي ما زالت صامدة حتى الآن؛ على الرغم من غلاء سعر الورق (سعر الملزمة الواحدة يصل إلى عشرة آلاف ليرة- 50 دولاراً أميركياً)، إضافةً إلى ضعف التوزيع؛ لتحتكر الهيئة معظم الجهات المعنية بالتأليف والترجمة والنشر والطباعة عبر مديرياتها: التأليف، والترجمة، والمطبوعات، وإحياء التراث العربي، ومديرية منشورات الطفل، والتخطيط، والمعلوماتية، وغيرها من المديريات التابعة لها؛ إضافة إلى المجلات والدوريات التي توزعها هذه الهيئة مجاناً على المكتبات العامة. لكن آلية التوزيع في الهيئة العامة للكتاب مازالت تعاني من نقطة ضعف قديمة ومزمنة في مجال التوزيع، فليست لدى وزارة الثقافة ولا لدى الهيئة شبكات توزيع واسعة على نطاق المناطق السورية كافة، خصوصاً في ظل خطورة التنقل وشحن الكتب بين المدن؛ فالهيئة توزّع إصداراتها على نقاط البيع في المراكز الثقافية؛ أضف أنه لا يوجد مؤسسة توزيع خاصة بتوزيع الكتب.

الحسم على أسعار الكتب الذي تدعمه "هيئة الكتاب" تقلّص من 40 في المئة إلى 15 في المئة وأقل، ما جعل أزمة الكتاب تتفاقم أضعافاً مضاعفة؛ تاركة مساحة المنافسة من جديد بين كتلتَي نشر رئيستين في البلاد؛ الأولى هي كتلة دور النشر ذات التوجه العلماني في عناوينها؛ وأبرز هذه الدوْر التي انقطعت أخبار أصحابها بعد نزوح معظمهم إلى الخارج هي: كنعان، ورد، بدايات، التكوين، أطلس، قدمس، رفوف، ممدوح عدوان، الحوار، الجندي، الفرقد؛ أرواد... فيما تترأس دار فكر في قلب العاصمة الكتلة الثانية من دور النشر، والتي تغلب على منشوراتها عناوين الكتب الإسلامية والتراث؛ وتقع معظمها في حي الحلبوني بدمشق. مفارقة تركت أثرها في حركة النشر السورية؛ فدور النشر التي كانت تطبع قبل الحرب ما يقارب خمسة وثلاثين عنواناً صارت تطبع اليوم من خمسة إلى عشرة عناوين.

حركة الترجمة التي كانت آخذة بالنمو قبل الحرب مثلها مثل حركة التأليف؛ تراجعت هي الأخرى، حتى وصلت الأزمة ببعض الكتّاب والمترجمين بالاقتصار في طباعة مؤلفاتهم على إنجاز نسخة رقمية يكتفون بتوزيعها على أصدقائهم في انتظار نسخ ورقية منها؛ لاسيما الشعراء والروائيين الذين وجد بعضهم في طباعة كتبهم ضرباً من المجازفة، فاقتصرت أعداد النسخ التي يطبعونها على نفقتهم الخاصة من مؤلفاتهم على مئتين وخمسين نسخة؛ توزع غالبيتها كإهداءات على المعارف والأصدقاء أثناء حفلات توقيع خاطفة.

المطابع الكبرى للكتب تمت سرقتها من معظم المدن السورية، لاسيما مدينة حلب؛ ناهيك عن تحوّل معظم جمهور القراء إلى معتقلين ومخطوفين ومهجرين وموتى، أما ما تبقّى من هؤلاء فما زال يعتمد على بسطات الكتب المستعملة؛ والتي تنتشر بكثافة على أسوار الجامعات والأسواق العامة، كشريطٍ طويل من حزن ورقيٍّ مبللٍ بالدماء والدموع.

تزوير الكتب وسرقة حقوق الناشرين

مئات العناوين من الكتب المزوّرة تفترش أرصفة العاصمة السورية اليوم؛ فعبر الطريق الواصلة بين "جسر الثورة" وساحة المحافظة؛ وصولاً إلى ساحة الحجاز ومنطقة الحلبوني، يمكن مشاهدة بسطات هذه "البضاعة" وعلى أغلفتها أسماء لدور نشر وهمية لا وجود لها؛ ظاهرة وجدت لها سماسرتها وتجارها قبل الحرب؛ ولكن مع  دخول البلاد عاماً خامساً من الكابوس؛ نجحت بعض المكتبات في تعويم هذه الظاهرة، وجعلها حلاً مناسباً للكثير من القراء الذين انخفضت قدرتهم الشرائية أمام غلاء الكتب والفروق المتفاقمة لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار.      

"من يزوّر معروف"، يقول سامي أحمد مدير دار "التكوين": "انظر إلى كتب واسيني الأعرج مزوّرة؛ وهناك كتب التركية إليف شافاق التي تطبعها دار لا أعرف لها مكاناً باسم وهمي، والتي أخذت ترجمة خالد الجبيلي لروايتها "قواعد العشق الأربعون". كتب أمين معلوف وأحلام مستغانمي وإيزابيل الليندي وحيدر حيدر وخالد حسيني وغيرها الكثير يمكن ضبط نسخ لا تحمل أية إشارة إلى دور نشر سورية أو عربية".

ظاهرة قد يكون لها مبرر وهو غلاء الكتاب وعدم توافره، فالكتب التي ترد من لبنان مثل كتب أمين معلوف غالية الثمن؛ مثلاً روايته "التائهون" (دار الفارابي اللبنانية) وصل سعرها في المكتبات السورية إلى 15 دولاراً أميركياً أي ما يقارب أربعة آلاف وخمسمئة ليرة سورية، في المقابل النسخة المزوّرة من هذه الرواية يصل ثمنها إلى 500 ليرة، ما يعادل دولاراً ونصف دولار.

نبيل عمران مدير الرقابة في وزارة الإعلام يقول: "تزوير الكتب أمر منوط باتحاد الناشرين السوريين؛ نحن في الوزارة لم نتلقّ حتى الآن أية شكوى من أي ناشر إزاء هذه العملية اللاأخلاقية؛ لكن الأزمة شاملة وأنتجت مشاكل مركّبة ليس آخرها تزوير الكتب؛ إذ إن هناك تداعيات قاسية على الجميع؛ جعلت بعض المزوّرين يلجؤون إلى هذا السلوك؛ فهم ينظرون إلى الأمر كمسألة تجارية بحتة؛ تضيع معها حقوق دور النشر وحقوق ملكية مؤلفيها".

دور النشر المحلية تلجأ إلى المعارض الخارجية للتعويض عن خساراتها وانحسار الطلب على عناوينها بسبب غلاء أسعار كتبها؛ فيصل سعر النسخة الواحدة من كل عنوان تطبعه إلى 1500 ليرة سورية للكتاب الواحد، أي ما يعادل خمسة دولارات أميركية. "فعندما كانت إصدارات الكتب تُطبع من دون حقوق؛ كانت دور النشر السورية تقدم الكتاب للقارئ بأسعار مغرية، يقول مدير دار التكوين، لكنها ومع الهجوم العنيف الذي تعرضت له مع حملة حقوق الملكية الفكرية؛ عادت وارتفعت أسعار الكتب بطبعتها السورية".

المشكلة ليست في الحقوق؛ فدور النشر لا تستطيع أن تنافس السعر المزوّر؛ لاسيما بعد رفع الدعم الذي كانت تقدمه بعض المراكز الأجنبية لهذه الدور في فترة ما قبل الحرب، من دون أن تكون هناك مسؤولية تذكر للهيئة العامة للكتاب أو وزارة الثقافة ووزارة الإعلام واتحاد الناشرين السوريين.

هيثم الحافظ رئيس اتحاد الناشرين السوريين يقول رداً على هذه الاتهامات: "الاتحاد حريص كل الحرص على متابعة مسألة تزوير الكتب وحقوق المؤلف، بتنسيق كامل ومباشر مع الهيئة العامة السورية للكتاب؛ وعبر مديريتها؛ وهناك جهة قضائية في الوزارة تقوم بمتابعة كل حالات التزوير عبر الضابطة العدلية التي قامت بالعديد من الحملات وفي مناطق مختلفة لمكافحة ظاهرة الكتب المزوّرة ومحاكمة المخالفين وفق قانون حقوق الملكية السوري".

ولكن كيف يعلّل رئيس اتحاد الناشرين تفاقم بسطات التزوير المنتشرة بكثافة على الأرصفة وعلى أسوار الحدائق والجامعات؟ نسأل فيجيب الحافظ: "الأمر يحتاج إلى شكوى من الناشر المتضرّر، فالضابطة العدلية لا يمكنها أن تتحرّك بلا شكوى صريحة؛ أضف إلى أن عملية التزوير ظاهرة ليست مقتصرة على سورية فقط، بل هي تشمل العالم العربي الأكثر خرقاً لحقوق المؤلف؛ ثم هناك صعوبات كثيرة للسيطرة على هذه الظاهرة، ومنها عدم قدرة الضابطة العدلية على مداهمة كل الأماكن التي تبيع هذه الكتب أو تطبعها في أماكن تصنف بأنها ساخنة لجهة الصراع المسلح الدائر في البلاد".

"أكثر من ناشر قدّم شكوى، فتعاملنا معها فوراً عبر الضابطة العدلية"، يعقّب الحافظ ويضيف: "القضاء السوري يدين ظاهرة التزوير، وهو موضوع قضائي بحت، لكن السبب الرئيس لانتشار هذه الظاهرة هو عدم توافر المُنتَج في سوق النشر السورية، ولهذا كنا قد دعونا الناشرين العرب إلى الحضور في الأسواق المحلية بما يناسب القدرة الشرائية للمواطن السوري؛ وهذا أمر يجب أن تراعيه هذه الدور كما هو معروف عالمياً. لقد سيطرنا كاتحاد ناشرين على نشاط بعض المكتبات التي تقوم بعملية التزوير علناً".

"وزارة الثقافة غائبة عن الوعي"، يقول معظم الناشرين الذين التقيناهم ورفضوا ذكر أسمائهم متسائلين: "أين تذهب ميزانيات هيئة الكتاب؟ ألا تذهب إلى الأعمال الكاملة لأدباء اتحاد الكتّاب العرب، وسلسلة التراث الملفّقة من بطون الكتب القديمة التي تُقدم كغنائم لمؤلفيها المغمورين؟ القرصنة هي التزوير؛ والقانون السوري لم يمنعنا؛ لكن الوزارة عندما دخلت عبر هيئة الكتاب في اتفاقات حقوق الملكية تراجعت حركة النشر السورية؛ مقابل التغاضي عن نشاط مكتبات من مثل "الفتال" و"العلبي" و "النوري" التي تقوم بعملية التزوير في وضح النهار".

غابرييل غارسيا ماركيز كل ما نُشر له ليس لديه حقوق؛ فالروائي الكولومبي لا حقوق له في سوق النشر السورية، وثمة عناوين كثيرة قُرصنت على هذا النحو مثل:  "الخديعة المرعبة" للفرنسي تيري ميسان وكتاب "الحريم السياسي" لفاطمة المرنيسي الصادر عن دار الحصاد؛ ما أدى إلى استفحال ظاهرة التزوير التي تضيع معها جهود العديد من المشتغلين في حقول النشر؛ فليست حقوق المؤلف أو حقوق الناشر هي ما يضيع وحسب، بل حقوق المخرجين والمدقّقين؛ وجهود فريق التحرير من مراجعين ومصمّمي أغلفة؛ وهذه كوارث متبادلة بين من يزوّر كتباً ومن يسطو على حقوق ملكيتها؛ بحيث تصل حقوق الملكية الفكرية لعنوان واحد من التي تترجمها الدور العربية إلى 20 ألف دولار أميركي.

حتى الآن لا يوجد في وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب – آلية لضبط حقوق الملكية سواء بالنسبة إلى دار النشر وهنا نقصد الهيئة، أم بالنسبة إلى الكاتب أو المترجم؛ وفي العموم لا تزال الآلية المتّبعة تسير وفقاً للعِرف الذي وُضعَ مع تأسيس الهيئة أي في العام 2007. إذ يقوم المترجم أو المؤلف بتقديم كتابه المؤلَّف أو المتَرجم في ديوان الهيئة بنسختين ورقيتين من الكتاب ونسخة إلكترونيةـ ويقوم بملء استمارة يُسأل فيها عن وضع الكتاب، أي إن كان متَرجماً سابقاً أو مؤلَّفاً ومنشوراً في دار نشر أخرى. وغالباً ما تتم الإجابة بالنّفي؛ ثم يحوّل هذا المخطوط (الكتاب) إلى قارئ يقوم بعملية التقييم إيجاباً أو سلباً؛ ليُرسَل الكتاب من ثم إلى المطبعة ويتم التنازل الكامل عن المخطوط من المؤلّف أو المترجم إلى الهيئة لمدة خمسة أعوام عبر إقرار التنازل.

الغريب في أمر إقرار التنازل هذا أن الهيئة السورية للكتاب تتعامل مع المترجم على أنه صاحب الكتاب، أو صاحب الحق في ترجمته! وبالتالي فإنها بذلك تحمي نفسها من أية محاكمة يمكن أن ترفعها عليها دار نشر ترجمت كتاباً ما وحصلت على حقوق نشره. فبالنسبة إلى الهيئة، المترجم هو الذي يملك الكتاب وبالتالي فهي تشتريه منه!

مجد حيدر صاحب دار "ورد" يعلق قائلاً: "تقدّم بعض الزملاء الناشرين في الآونة الأخيرة بمبادرة لمحاربة آفة تزوير الكتب التي تقضم صناعة النشر في سورية، وقد تفاقمت هذه الظاهرة حتى تحوّلت إلى صناعة نشر سوداء موازية بل وأستطيع أن أؤكد أن الناشر السوري والعربي باتا يتسوّلان في المكتبات لعرض النسخة الأصلية من إصداراتهما. فيتذرّع صاحب المكتبة بكل وقاحة بارتفاع سعر الكتاب الأصلي، ومستوى دخل المواطن المتردي والكثير من علك الكلام!
وحتى هذه اللحظة لم تتحرك وزارة الثقافة السورية أو هيئاتها المعنية بالكتاب أمام عويلنا ونحيبنا ولطمنا ونتف شعورنا. على الرغم من أن تفعيل الضابطة العدلية في الوزارة بالتعاون مع السلطات القضائية؛ يمكن أن يكون بداية لعودة الهيبة للكتاب الأصلي وحماية الناشرين من هذا السرطان المُستفحل، وإعادة الكرامة إلى عناوين كتبنا الداشرة على بسطات الأرصفة في شوارعنا الغنّاء".

المزيد من ثقافة