محاولات في البصرة لتنشيط الاستثمار تصطدم بعقبات وتحدّيات

حجم الاستثمارات الحالية في البصرة يتجاوز ثلاثة مليار دولار، أكثرها مشاريع تتعلق بقطاعات الإسكان والصناعة والتجارة

نصب أسد بابل في منطقة العشار وهو من معالم مدينة البصرة (اندبندنت عربية)

بوصفها عاصمة اقتصادية للعراق، تسعى محافظة البصرة إلى توفير مناخ مناسب للاستثمار من أجل تسريع دوران عجلة التنمية الاقتصادية وامتصاص ظاهرة البطالة، إلا أن صعوبات وتحديات تشريعية وإدارية ومالية وسياسية تضغط باتجاه تحجيم التجربة. مع ذلك، تتطلع هيئة الاستثمار في المحافظة إلى استقطاب استثمارات أجنبية ومحلية بعشرات مليارات الدولارات.

هيئة لتنظيم الاستثمار

يعود تأسيس هيئة الاستثمار في البصرة إلى العام 2008، ويلقى على عاتقها تشخيص فرص الاستثمار وتأمينها وإصدار الإجازات للمستثمرين لتنفيذ مشاريع تنتمي إلى قطاعات مختلفة، على أن لا تزيد التكلفة التخمينية لكل مشروع على مليار دولار، وأن لا يكون متعلقاً بصناعة النفط أو قطاع المصارف. فالموافقة على مشاريع من هذا النوع، وبهذا الحجم من التمويل، تقع ضمن نطاق صلاحيات الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

ووفق رئيس الهيئة علاء عبد الحسين سلمان، فإن "حجم الاستثمارات الحالية في البصرة يتجاوز ثلاثة مليار دولار، أكثرها مشاريع تتعلق بقطاعات الإسكان والصناعة والتجارة"، مبيّناً أن "طموحنا يفوق ذلك بكثير. ففي المنطقة الاقتصادية المزمع إنشاؤها بالقرب من موقع مشروع ميناء الفاو الكبير يفترض أن تقوم مشاريع استثمارية بقيمة 15 مليار دولار، لكن انشاء هذه المنطقة يعتمد على انجاز الميناء وتشغيله".

يعد مشروع بناء ميناء الفاو الكبير، الذي يسير العمل فيه ببطء شديد، أكبر فرصة استثمارية متاحة في البصرة. وكان من المخطط أن يُنفذ المشروع بتمويل حكومي، إلا أن صعوبات مالية اضطرت الحكومة إلى عرضه فرصةً استثمارية، وقد أبدت خلال العام الماضي شركات أجنبية وعراقية رغبتها في الاستثمار بالمشروع.

البنك الدولي يتدخل

هيئات ومنظمات دولية عدة حاولت دعم تجربة الاستثمار في البصرة، بما فيها البنك الدولي، الذي ساعد أخيراً في وضع دراسة تضمنت رؤية استراتيجية للاستثمار في المحافظة، وقد اتكلت هيئة الاستثمار على الدراسة لاعادة ترتيب أولوياتها، وتعيين القطاعات التي تحتاج إلى تنفيذ مشاريع استثمارية أكثر من سواها.

وأشار سلمان إلى أن "دراسة البنك الدولي أكدت أن بعض القطاعات يجب أن تُوجه الاستثمارات نحوها على نحو مركزٍ. وهذه القطاعات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخصائص ومميزات تتعلق بالبصرة، مثل موقعها الجغرافي وموانئها التجارية والثروة النفطية الهائلة التي تمتلكها". وأضاف أن "قطاع الخدمات اللوجستية جاء في المرتبة الأولى من حيث الأهمية، يليه القطاع الصناعي ثم القطاع الزراعي، فقطاع الإسكان، في حين أن ترتيب الاستثمارات المنفذة في المحافظة حالياً يختلف بعض الشيء".

في المقابل، أكد عقيل إبراهيم الخالدي، رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس محافظة البصرة، أن "التعقيدات الإدارية في بعض الدوائر الحكومية أسفرت عن تعطيل مشاريع استثمارية كثيرة"، موضحاً أن "أحد المستثمرين قدم طلباً لتنفيذ مشروع استثماري، ولم تكتمل الموافقات ويُوقع العقد إلا بعد مرور خمس سنوات. وأي مستثمر أجنبي إذا عزم على المجيء إلى البصرة، عليه الانتظار من أسابيع إلى أشهر حتى تصدر له تأشيرة الدخول (الفيزا)".

ولفت الخالدي إلى أن "قطاع الخدمات المصرفية في البصرة لا يساعد في تنشيط حركة الاستثمار، لأن نسبة الفائدة على القروض تصل أحياناً إلى 12 في المئة، وهي نسبة مرتفعة لا تشجع المستثمرين. وما يجعل الاقتراض أكثر إرهاقاً لهم هو أن المصارف تشترط فترات سداد قصيرة نسبياً تراوح بين سنتين وثلاث". وأضاف أن "القوانين تعفي المستثمرين من الضرائب والرسوم، لكن في الواقع هم يدفعون ضريبة الاستقطاع، فضلاً عن ضريبة العقار".

قانون لدعم الاستثمار

في محاولة من مجلس النواب العراقي للتحول نحو اقتصاد السوق، أصدر في العام 2006 قانون الاستثمار. نصت فقرة الأسباب الموجبة على أن القانون شُرع "من أجل دفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطويرها، وجلب الخبرات التقنية والعلمية وتنمية الموارد البشرية وإيجاد فرص عمل للعراقيين من خلال تشجيع الاستثمارات، ودعم عملية تأسيس مشاريع الاستثمار في العراق وتوسيعها وتطويرها على مختلف الأصعدة، ومنح الامتيازات والإعفاءات لهذه المشاريع". وقد عُدّل القانون في العام 2010، ثم في العام 2015 عبر تضمينه مغريات وامتيازات إضافية للمستثمرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى القاضي والنائب السابق وائل عبد اللطيف أن "قانون الاستثمار عندما عُدّل حصلت فيه ثغرة فتحت باباً جديداً للفساد"، موضحاً أن "القانون صار يحتوي على مادة تسمح للمستثمرين بالحصول على قروض ميسرة من الدولة، وهذا ما سمح بحصول حالات تلاعب في المال العام بذريعة دعم الاستثمار".

أضاف "بغض النظر عن هذه الثغرة، فإن قانون الاستثمار يبدو جيداً، والخلل يكمن في عدم تطبيقه بحذافيره. كما أن ظاهرة الفساد الإداري هي العائق الجوهري في تعطيل استثمارات مهمة وعزوف مستثمرين عن تنفيذ مشاريع في العراق".

رغبة محفوفة بالحذر

يشير صبيح الهاشمي، رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة، إلى أن "شركات من عشرات الدول ترغب في الاستثمار في البصرة، لكن رغبتها مشوبة بشيء من التوجس والحذر مع ما يتردد عن وجود ابتزاز للمستثمرين وتأخير في انجاز معاملاتهم"، موضحاً أن "النتيجة الحتمية لذلك هي قلة الاستثمارات الأجنبية. إذ إن أكثر من 90 في المئة من المشاريع الاستثمارية المنفذة تعود إلى مستثمرين عراقيين من البصرة ومحافظات أخرى، في حين لم تتدفق بعد رؤوس أموال أجنبية كبيرة إلى المحافظة".

وأكد الهاشمي أن "البصرة تملك مقومات اقتصادية وجغرافية وطاقات بشرية تؤهلها لتكون وجهة عالمية للمستثمرين إذا توفرت إرادة سياسية جادة تؤسس لبيئة خصبة لازدهار مشاريع الاستثمار"، معتبراً أن "مكافحة الفساد الإداري والاستعانة بذوي الخبرة في توجيه دفة الاستثمار والتخلص من التعقيدات الإدارية البيروقراطية، هي خطوات لا بد منها في سبيل نجاح تجربة الاستثمار".

علماً أن الخريطة الاستثمارية في البصرة للعام الحالي تتيح عشرات الفرص للمستثمرين العراقيين والأجانب. وأكثر الفرص تتعلق بمشاريع تقضي ببناء مجمعات سكنية وتجارية ومستشفيات أهلية ومراكز طبية تخصصية ومعامل للاسفلت والملح الغذائي والصناعي ومكابس التمور، بالإضافة إلى مد خطوط سكك الحديد وإنشاء أرصفة ومستودعات في الموانئ، والعديد من هذه الفرص معلنة رسمياً منذ عام 2017، ولم تجد إلى الآن من يغتنمها.