Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

6 حوادث دموية تجسد صراع السود مع الشرطة الأميركية

بلد القانون لا يخلو من نشطاء حقوق الإنسان

ربما يندهش البعض من القول إن واقعة مقتل جورج فلويد، الأميركي من أصل أفريقي في مدينة منيابوليس، مستهل الأسبوع الماضي، رغم بشاعتها، لا تعد حدثاً نوعياً بالنظر إلى تاريخ صراع السود مع الشرطة، إذ فاقم اختلاف الحادثة عن غيرها من جرائم القتل الأخرى، تأثيرها على نفوس الأميركيين الذين اعتادوا سماع أنباء إطلاق النار في ولاية ما، بخلاف الموت الصامت لفلويد، الذي حمل معه الركوع المميت، والنظرات غير المبالية، والكلمات المستغيثة، والدماء المتحدرة، وغيرها من العوامل التي شكلت رغم هدوء الموقف وقتامته، منظراً صارخاً بالنسبة إلى العالم، حتى أصبح اسم جورج حديث الأقطار، والشرارة التي اندلعت على إثرها مظاهرات تباينت ما بين سلمية وعنيفة.

رحل فلويد، لكنه ترك خلفه أسرة كاملة ستصارع من أجل قضيته، مثل عشرات الذين لقوا حتفهم بشكل مباشر وغير مباشر على يد الشرطة الأميركية، ومن خلال عملية تتبع بسيطة، يمكن لمن يستغرب كثرة النشطاء المقاتلين لأجل حقوق الإنسان، في بلد يقدس القانون مثل الولايات المتحدة، أن يكتشف أن الحزن هو المحرك الرئيس لهؤلاء المدافعين، من أمهات وأشقاء لم يلتئم جرحهم، بعدما شاهدوا مقتل شخص عزيز عليهم، على يد كيان اعتباري نافذ، ولذلك يوجد عدد من العائلات التي فقدت عضواً منها، التي صارت ناشطة تتصدر الإذاعات والقنوات، في محاولة لإحياء ذكرى أفرادها، والسعي إلى إيقاف حوادث القتل العنصرية، التي سنستعرض مستجدات واحدة من أحدثها، بالإضافة إلى أربع قضايا قتل تصدرت الرأي العام عام 2014، في ظرف خمسة أشهر فقط.

 

بريونا تايلور

ما زالت ابنة ولاية كنتاكي، بريونا تايلور، حديث الشارع الأميركي، إذ لم يمض على مقتلها إلا شهرين، في حادثة تصدرت وسائل الإعلام المحلية، بعدما اقتحمت الشرطة منزلها في مدينة لوزيفيل، في 13 مارس (آذار) الماضي، متسلحين بأمر تفتيش قانوني، انتزعوه من أحد القضاة، الذي منحهم سلطة دخول المنزل من دون إخطار ساكنيه، ووفقاً لصحيفة "لويزفيل كورير"، فإن الشرطة كانت تحقق مع رجلين، تدور الشكوك حول متاجرتهما بالمخدرات، خارج منزل بعيد عن منزل السيدة تايلور، لكن معلومات الشرطة، أشارت إلى أن الرجلين استخدما شقتها لتلقي الشحنات، ما دفع القاضي إلى إصدار مذكرة تسمح بالدخول من دون سابق إنذار.

لكن عملية منتصف الليل، انقلبت مأساة لعائلة تايلور، بعدما لقت حتفها إثر تبادل إطلاق النار بين الشرطة وصديقها الحميم، إذ تقول شرطة لويزفيل، إنها "أطلقت النار فقط داخل منزل السيدة تايلور رداً على إطلاق النار عليهم أولاً من قبل كينيث ووكر، صديقها الذي كان في السرير معها"، وأضافت، إن" السيد ووكر أصاب أحد الضباط في ساقه، لكن كان من المتوقع أن يتعافى بالكامل"، وعلى الرغم من اتهام الشاب لاحقاً بمحاولة قتل ضابط شرطة، فإن القضية رفعت في وقت سابق من الشهر الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، قالت والدة تايلور، تاميكا بالمر، إن "ابنتها كانت تحمل أحلاما كبيرة، وخططت لمهنة مديدة في مجال الرعاية الصحية كفني طوارئ صحية"، وتتابع، "كانت بيرونا تخطط لتصبح ممرضة، وتمتلك منزلاً ثم تكوّن أسرة، وكانت شخصية مستقيمة، ومحترمة للغاية، ولم تستحق ما حدث لها، فهي ليست من هذا النوع من الأشخاص". ويصر أقارب القتيلة ومحاموها، على أن الضباط لم يحددوا هوياتهم أبداً قبل الدخول، على الرغم من ادعاءاتهم.

وفيما تؤكد الشرطة إنه على الرغم من وجود المذكرة التي تسمح لهم بالدخول مباشرة، فقد طرق رجالها الباب عدة مرات، وعرفوا أنفسهم قبيل الاقتحام قبل أن يجبروا على الدخول من الباب الخلفي، حيث قوبلوا على الفور بطلقات نارية، أصيب على إثرها ضابط. ومن جانبه، قال ووكر، 27 عاماً، الذي يحمل ترخيصاً لحمل السلاح، إنه "يخشى على حياته، ولا يطلق النار إلا دفاعاً عن النفس"، حيث اعتقد أن شخصاً ما كان يحاول اقتحام المنزل، وبعد تبادل إطلاق النار، هاتف ووكر الطوارئ، قائلاً إن "شخصاً اقتحم البيت، وأطلق الرصاص على صديقتي"، وفقاً لتسجيل نشر هذا الأسبوع.

وقال المحامي روب إيغيرت، إنهما "لم يكونا على علم بأن هؤلاء ضباط شرطة، ولم يجدوا حينها مخدرات في الشقة، لكن ووكر كان خائفاً على حياتهما"، كما قالت العائلة، إنه "لأمر صادم أن تشعر الشرطة بضرورة إجراء العملية في منتصف الليل"، ويقول المحامون إن الشرطة "حددت المشتبه به الرئيس في التحقيق باقتحامهم الشقة، لكنهم، شرعوا لاحقاً في إطلاق النار على المسكن، وسط "تجاهل تام لقيمة حياة الإنسان".

ورفض الادعاء، التهم الموجهة إلى ووكر، مضيفاً "لن يتم اتخاذ أي قرارات نهائية إلى حين استكمال التحقيقات"، وقال بعض الخبراء القانونيين، إن "حقيقة أن المدعين أسقطوا التهم تشير إلى وجود شكوك لدى هيئة المحلفين بشأن رواية الأحداث التي أخبرتها الشرطة".

وعلى الرغم من أن التركيز المكثف خلال الأشهر القليلة الماضية على جائحة كورونا، أعاق الاستجابة الأولية من قبل المجتمع ووسائل الإعلام، فإن الاحتجاجات التي اندلعت لمقتل فلويد، أشعلت التضامن مع عائلة تايلور، في وقت يواصل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تحقيقاته في الحادثة. وقال عمدة مدينة لويزفيل، غريغ فيشر السبت الماضي، إنه سيطبق حظر التجول، وسيتواصل مع الحرس الوطني بعد احتجاجات نتج على إثرها إصابة سبعة أشخاص.

وعلّق العمدة، بشكل مؤقت، كافة أوامر التفتيش من دون إخطار، وأصدر سياسة جديدة تتطلب مصادقة مذكرات التفتيش من هذا النوع، من قبل رئيس الشرطة أو شخص يعينه، قبل إرسالها إلى قاضي للموافقة عليها، كما أعلن فيشر، إحداث تغييرات أخرى لضمان "مزيد من التدقيق والشفافية والمحاسبة"، بما في ذلك، تعيين مسؤول جديد للشرطة، والإلزام بارتداء كاميرات الجسم دائماً أثناء تنفيذ أوامر التفتيش، وإنشاء مجلس مدني لمراجعة المسائل التأديبية المتعلقة بالشرطة.

 

إريك غارنر

وفي يوليو (تموز) عام 2014، تداول الشارع الأميركي، مقطع فيديو يظهر مجموعة من ضباط شرطة نيويورك، ينهالون بالضرب على إريك غارنر، مواطن أميركي من أصل أفريقي، حيث طرحه الضباط أرضاً على أحد الأرصفة، فيما راح أحدهم يُدعى دانيال بانتاليو، يُطوِّق ذراعيه، على رقبة غارنر الذي عانى مشكلات صحية، وكرّر عبارة "لا أستطيع التنفس" 11 مرة، الكلمات نفسها التي نطق بها جورج فلويد الأسبوع الماضي قبيل وفاته، غير أنها لم تجد نفعاً في إيقافهم، وبعدما فقد الرجل وعيه، ظل ملقى على الرصيف لمدة سبع دقائق في انتظار وصول سيارة إسعاف، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، في المستشفى بعد ذلك بنحو ساعة.

وتبدأ جذور الواقعة، من اشتباه الشرطة ببيع غارنر، السجائر بشكل غير قانوني، لكنه نفى على الفور، وعبّر عن سأمه من المضايقة، عندها حاول الضباط اعتقاله، لكنه رفض التعاون، قبل أن يحصل الاشتباك الذي نتج عنه مقتله. وأثار قرار هيئة المحلفين في مقاطعة ريتشموند، في 3 ديسمبر (كانون الأول) عام 2014، عدم توجيه أصابع الاتهام إلى الشرطي بانتاليو، احتجاجات واسعة، وجرى تنظيم ما لا يقل عن 50 مظاهرة على الصعيد الوطني بحلول 28 ديسمبر 2014، وبعد عام، أعلن عن تسوية، تدفع فيها مدينة نيويورك لعائلة غارنر 5.9 مليون دولار.

من جانبها، رفضت وزارة العدل توجيه اتهامات جنائية ضد بانتاليو، بموجب قوانين الحقوق المدنية الفيدرالية، فيما أوصى القاضي الإداري بإنهاء عمله، في أغسطس (آب) العام الماضي، قبل إطلاق سراحه في الشهر نفسه، بعد أكثر من خمس سنوات على وفاة غارنر.

 

مايكل براون

وبعد شهر من حادثة إريك غارنر، استيقظ الأميركيون في 9 أغسطس 2014 على مقتل مايكل براون، مراهق يبلغ من العمر 18 عاماً، بعد إصابته برصاصة قاتلة سددها ضابط شرطة يُدعى دارين ويلسون، في ولاية ميزوري، حيث كان براون برفقة صديقته دوريان جونسون، وقال الشرطي، إن المشادة حدثت بعدما "هاجم براون سيارة الشرطة، للسيطرة على سلاحه"، فيما قالت جونسون إن "الشرطي بدأ المواجهة بعدما أمسك عبر نافذة سيارته برقبة براون وقام بتهديده، ثم أطلق النار عليه". ووفقاً لرواية جونسون المتضاربة مع أقوال ويلسون، فإن الأخير "أطلق على براون 12 رصاصة حتى سقط على الأرض، بما في ذلك مرتين خلال الشجار في السيارة، وأصيب على إثرها ست مرات، وربما كانت الأخيرة هي القاتلة".

وأثار الحدث آنذاك اضطرابات في مدينة في فيرغسون، على الرغم من أن تحقيقاً لاحقاً أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي، كشف عدم وجود دليل يثبت رفع براون يديه مستسلماً أو قوله "لا تطلق النار". واندلعت مظاهرات تستخدم شعار "ارفع يديك، لا تطلق النار"، لإدانة للحادثة، واستمرت الاحتجاجات السلمية والعنيفة أكثر من أسبوع، ما دفع السلطات إلى حظر التجول الليلي، وانتقدت وسائل إعلام وسياسيون حينها استجابة أجهزة الشرطة وتعاملها مع المظاهرات.

 

إيزيل فورد

أُطلق النار على إيزيل فورد، 25 عاماً، في 11 أغسطس 2014، إثر إيقافه من قبل ضابطين من قسم شرطة لوس أنجلوس على رصيف في جنوبي المدينة، وجاءت الحادثة، بعد أيام فقط من مقتل مايكل براون، ووفقاً لوسائل إعلام محلية، فقد "أوقف ضابطان من وحدة العصابات بالشرطة، فورد للتحقيق معه بعد رؤيته في الشارع، وعندما خرج الشرطيّان من سيارتهما نحوه، حاول فورد مهاجمة الضابط الرئيس، وبعد صراع، أطلق شريكه الرصاص على الشاب"، الذي توفي لاحقا في المستشفى، غير أن هذه الرواية، كانت محل شك لدى أفراد المجتمع الذين قالوا إن فورد مريض عقلياً، وكان يمتثل لأوامرهما قبل إطلاق النار عليه.

رافقت الواقعة سلسلة من الاحتجاجات في جميع أنحاء لوس أنجلوس، وفي يونيو (حزيران) 2015، انتقدت لجنة شرطة لوس أنجلوس، الطريقة التي تعامل بها الضابطان.

لاكوان ماكدونالد

وسجلت الولايات المتحدة حادثة إطلاق نار، في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، راح ضحيتها لاكوان ماكدونالد، البالغ من العمر 17 عاماً، على يد شرطة شيكاغو، بعدما أطلق الضابط جيسون دايك، 16 رصاصة على ماكدونالد، الذي كان يمشي في الشارع بشكل غير منتظم، وكان دايك أرسل إلى الموقع حيث كان يحمل المراهق سكيناً ويسير مبتعداً عنه، قبل أن يمطره الشرطي بوابل من النيران التي أردته قتيلاً، كما أظهرت كاميرات الشرطة.

وفي اليوم نفسه اتهم الشرطي بجريمة قتل من الدرجة الأولى، واحتجز من دون كفالة في سجن مقاطعة كوك، قبل إطلاق سراحه في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، ووصول المدينة إلى تسوية مع العائلة، وبعد أربع سنوات، أدين جيسون دايك بارتكاب جريمة قتل من الدرجة الثانية، بدلاً من الأولى، إذ اعتبرت هيئة المحلفين تصرف الضابط نابعاً من إحساسه بالخطر على حياته، وتتراوح مدة عقوبة هذا النوع من الجرائم بالسجن لمدة تتراوح بين 4 و20 عاماً.

واندلعت احتجاجات حينها تطالب، بتغييرات في إجراءات الشرطة والقضاء، وبناء على طلب المدعي العام بولاية إلينوي، ليزا ماديجان، أجرت وزارة العدل تحقيقاً يتعلق بالحقوق المدنية على خلفية وفاة ماكدونالد، ونشاطات قسم شرطة شيكاغو، وكشف تقريرها قبل ثلاثة أعوام، امتلاك قسم الشرطة "ثقافة العنف المفرط" خصوصاً ضد المشتبه بهم من الأقليات، فضلاً عن ضعف التدريب والإشراف، ووقعت وزارة العدل مع مسؤولي المدينة مرسوماً يتضمن خطة تطويرية تشرف عليها المحاكم.

تامير رايس

وما إن مضى شهر على حادثة شيكاغو، حتى أطل مقتل تامير رايس، البالغ من العمر 12 عاماً، بعد تعرضه لطلق ناري من قبل شرطي يُدعى تيموثي ليمان، كفاجعة خيمت على مدينة كليفلاند، بعد مباشرة الشرطة، يوم 22 نوفمبر 2014 بلاغاً، يفيد بوجود شخص يلوح بما يشبه مسدساً في حديقة عامة بالقرب من منزل المتصل، الذي أوضح في المكالمة أن "المسدس من المحتمل أن يكون مزيفاً، وحامله ربما يكون حدثاً"، غير أنه في غضون ثوانٍ من الوصول إلى الموقع، أطلق ضابط الشرطة النار على رايس، في الساعة 3:30 مساءً، قبل أن يتبين لاحقاً أن المسدس لُعبة تستخدم لإطلاق الكريات البلاستيكية، وتوفي الصبي صباح اليوم التالي.

واعتبر الطب الشرعي بولاية أوهايو، إطلاق النار المميت على تامير رايس جريمة قتل، ووفاته نتيجة طلق ناري فوق السرة، ورفعت عائلة الصبي، دعوى قضائية ضد الضابط وزميله، بسبب "رفضهما تقديم أي رعاية طبية له لمدة أربع دقائق على الأقل، عندما كان مستلقياً على الأرض وهو ينزف"، ولم يُعط الإسعافات الأولية حتى وصول عميل من الـ"FBI"، وقالت الشرطة إن طاقماً طبياً طارئاً وصل عقب ذلك بثلاث دقائق.

ورفضت هيئة المحلفين توجيه الاتهام لضابط الشرطة، على أساس أن رايس كان يخرج على ما يبدو أنه سلاح ناري حقيقي، غير أن العائلة كسبت دعوى قضائية رفعتها ضد مدينة كليفلاند، حصلت من خلالها على تسوية مقابل 6 ملايين دولار.

 

الحقيقة المُرّة

يذهب البعض إلى وصف العنصرية بالوباء القاتل، لكن الفيروسات الفتّاكة لا يتعاطف معها أحد، إذ تقول الحقيقة المرّة إن العنصرية والوحشية لها معتنقوها، وما الولايات المتحدة إلا تجسيد للمعاناة الناشئة عن صراع الأقليات مع الشرطة، التي غالباً ما ينجو أفرادها من دعاوى القتل بحجة الدفاع عن النفس، ربما يكون ذلك صحيحاً ومنطقياً في أحيان، غير أن الأرقام المتزايدة غير مبشّرة، وتشير إلى أنه مثلما لم يكن إريك غارنر، أو مايكل براون آخر الضحايا، فإن جورج فلويد ربما لا يكون آخر أميركي من أصل أفريقي يلقى حتفه بوحشية.

وعلى الرغم من المعاناة الخاصة للأميركيين من أصل أفريقي، فإن فئات أخرى مثل الأميركيين البيض تقع أيضاً في أوساطهم حوادث القتل من قبل الشرطة، ووفقاً لإحصاءات موقع "ستاتسا"، فإن أرقام إطلاق النار من قبل الشرطة في الولايات المتحدة آخذة في الزيادة، ومنذ 30 مارس 2020، أُطلق النار على ما مجموعه 228 مدنياً، 31 منهم من الأميركيين الأفارقة، وفي عام 2018، سُجلت 996 حالة إطلاق نار قاتل، كما ارتفع هذا الرقم إلى 1004 في عام 2019.