Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن إجبار الصين على دفع التعويضات للدول ولضحايا كورونا؟

مطالبات بمحاكمة بكين ومقاضاتها على إهمالها القواعد الصحية العالمية الخاصة بالأوبئة

أحد مختبرات معهد ووهان للفيروسات في مقاطعة هوبي الصينية (أ ف ب)

حُسم أمر مصدر فيروس كورونا المستجد بأنه من أحد مختبرات مدينة ووهان الصينية، لكن هناك أمرين لم يحسما بعد، الأول كيفية خروج هذا الفيروس من المختبر، إن كان بسبب خطأ بشري أو بسبب إهمال متعمّد، والثاني إخفاء الصين معلومات عن تفشي الفيروس في بداياته وعدم إخطارها دول العالم بما يجري على أراضيها، لاتخاذ التدابير اللازمة والحيلولة دون انتشاره، بالتالي مخالفتها القواعد والمعاهدات الدولية المتفق عليها تحت سقف الأمم المتحدة، لمثل هذه الحالات التي تؤثر في البشرية جمعاء.

مطالبات بالتعويض العام والخاص

في كلتا الحالتين، ارتفعت أصوات حول العالم، من دول ومن مؤسسات خاصة وسياسيين، تطالب بمحاكمة ومقاضاة الصين على إهمالها ومخالفتها القواعد الدولية، أمام المحاكم الدولية أو المحاكم الوطنية، لدفعها إلى التعويض على الدول التي استُنزف اقتصادها بسبب الحجر الصحي الممتد حتى اليوم، والتعويض على الضحايا وعائلاتهم في جميع أنحاء العالم، ولم يترك الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة إلا وتحدث في موضوع التعويضات، بل وأنهى علاقة الولايات المتحدة بمنظمة الصحة العالمية قبل أيام، وتوقف عن دعمها مالياً متهماً إياها بأنها "تعمل لصالح الصين"، بعدما رفضت المنظمة تكراراً اتهام الصين بالإخلال بواجباتها تجاه المجتمع الدولي، ثم قررت أستراليا رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الصين، ولكن هذه الدعوى دونها عقبات كثيرة، ولم يتوان الاتحاد الأوروبي مجتمعاً أو عبر دوله بتوجيه الإدانات نفسها للصين التي كان عليها "دقّ ناقوس الخطر العالمي" في اللحظة التي تم فيها اكتشاف أول إصابة بالوباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهؤلاء جميعاً يستندون في تهمة التقصير إلى أن النظام الصيني قمع عدداً من الأطباء والعاملين في المختبرات البيولوجية، وأجبر آخرين على توقيع تعهدات بعدم إفشاء أي معلومة تتعلّق بالفيروس، بعدما حاولوا نشر هذه التحذيرات في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أن بعضهم إما توفي بسبب الفيروس أو اختفى من دون أي مسوّغ.

دعوى قضائية

وفي الولايات المتحدة الأميركية، قدّم السيناتور توم كوتون والنائب دان كرينشو، في أبريل (نيسان) 2020، تشريعاً يسمح للأميركيين بمقاضاة الصين في المحكمة الفيدرالية الأميركية، للحصول على تعويضات الوفاة والإصابة والضرر الاقتصادي الناجم عن كورونا، وكانت محطة "فوكس نيوز" "Fox New" قد كشفت حينها أن عملاء من الاستخبارات الأميركية يجمعون المعلومات حول المختبر الصيني، وعن أصل التفشي الأوّلي لفيروس كورونا، قبل أن تصبح هذه المعلومة عامة ومعلنة رسمياً.

وقام إريك شميت، المدعي العام لولاية ميزوري، برفع دعوى قضائية ضد الصين في المحكمة الجزائية الأميركية في الولاية.

في بريطانيا، اعتبرت جمعية "هنري جاكسون"، وهي مركز أبحاث تابع للمحافظين الجدد، أن إخفاقات بكين تنتهك فقرتين على الأقل من اللوائح الصحية الدولية التي وقّعت عليها الصين، وهذا ما يستدعي أن تجري المقاضاة أو المحاكمة في محكمة العدل الدولية أو محاكم "هونغ كونغ" أو في محاكم أخرى في العالم.

أما على الصعيد العملي، فقد رفع المحامي الأميركي لاري كلايمان دعوى قضائية لتغريم الصين 20 تريليون دولار أميركي، وهذا المبلغ أعلى بكثير من الناتج المحلي الإجمالي الصيني المقدر بـ 12 تريليون دولار، وتقدم كلايمان بالدعوى أمام محكمة منطقة شمال ولاية تكساس، معتبراً أن الصين صنعت الفيروس ليكون سلاحاً بيولوجياً، وهو انتهاك للقوانين الأميركية والدولية وغيرها من المعاهدات والمبادئ العالمية.

هل يمكن محاكمة الصين؟

أول ما خالفته الصين هو أحكام نص الفقرة الأولى من المادة السادسة من اللوائح الصحية لعام 2005، التي تُلزم كل دولة طرف في منظمة الصحة العالمية، وفي غضون 24 ساعة بإخطار المنظمة بجميع الأحداث التي تشكل حالة طارئة وعمومية صحياً، وقد تثير قلقاً دولياً، أما المادة السابعة من اللوائح نفسها فقد نصّت على إلزام الدول بعد الإخطار، بتزويد المنظمة بالمعلومات ذات الصلة بالصحة العمومية، وهكذا تكون الصين قد خالفت الأحكام الدولية بسبب تراخيها في الإبلاغ عن ظهور الوباء، وكانت نتيجة تراخيها، انتشار الفيروس على نطاق واسع في العالم حتى أصبح جائحة عالمية.

وبعد البحث والتدقيق من قبل دول كثيرة تبيّن أن الفيروس ظهر في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وليس في ديسمبر (كانون الأول) 2019 كما تزعم الصين، وتراخي بكين لا يتمثل فقط بعدم الإبلاغ، بل بعدم اتخاذ الإجراءات الواجبة في مثل هذه الحالات من قبيل إغلاق جميع مطاراتها وموانئها، ومنع مغادرة الأشخاص خارج حدودها.

وخالفت الصين المادتين السادسة والسابعة من لوائح منظمة الصحة العالمية. ولكن كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يقاضيها على مخالفتها تلك؟

اقتراحات وفتاوى

العقبة الأولى أمام الدول الراغبة بمقاضاة الصين أمام محكمة العدل الدولية أو من خلال التحكيم الدولي، هي أن الأمر لا يمكن أن يتم من دون موافقتها، فالقضاء الدولي بصفة عامة يقوم على مبدأ أساسي وهو احترام سيادة الدول، الذي يتطلب موافقة الدول المدّعية والمدّعى عليها كشرط أساسي للمثول أمامه، أما اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة أشخاص بعينهم في مواقع المسؤولية في الحكومة الصينية، فلا يصحّ أيضاً في حالة كورونا، لأن هذه المحكمة تختصّ بمحاكمة الأفراد الذين يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وهذه الشروط غير متوافرة بحق المسؤولين الصينيين، وفي الوقت عينه لا يمكن إدانة الصين في مجلس الأمن الدولي لأنها تتمتع بحق الفيتو.

ولتجاوز مسألة توافر الاختصاص القضائي، يقترح مستشارون في القانون الدولي ومحامون أن تقوم الدول بتجميد أصول وأموال الشركات الصينية المملوكة للدولة، لإجبار بكين على دفع التعويضات، وفي حال لجأت الصين لمقاضاة تلك الدول بسبب هذا التجميد، حينها يتم إجبارها على الاحتكام إلى القانون الدولي، وهذا السيناريو قريب لما قامت به الولايات المتحدة الأميركية في قضية الرهائن الأميركيين الذين احتجزوا في طهران (1979-1981). فتسوية تلك القضية تمت بعدما جمدت الولايات المتحدة الأرصدة الإيرانية لإجبار إيران على المثول أمام محكمة العدل الدولية، ما أدى إلى سعي إيران إلى إنهاء القضية في الجزائر بتفاهمات جانبية تجنّبها الوصول إلى المقاضاة.

ويرى محكّمون دوليون وخبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية بوجود طريقة أخرى لا تتطلّب موافقة الصين للجوء إلى محكمة العدل الدولية، وهي اللجوء إلى الاختصاص الإفتائي لمحكمة العدل الدولية، ووفقاً للمادة 96 يجوز للدول أن تلتفّ على حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي وتلجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتضغط عليها لكي تقوم بنفسها أو تأذن لغيرها من أجهزة الأمم المتحدة بما فيها "منظمة الصحة العالمية" لطلب "فتوى" من محكمة العدل الدولية، كما تنص الفقرة الأولى من المادة 65 من نظام المحكمة، "للمحكمة أن تفتي في أي مسألة قانونية بناء على طلب أي هيئة رخص لها ميثاق الأمم المتحدة باستفتائها"، ولا شك في أن للفتوى قيمة قانونية وأدبية كبيرة، فقد حصلت ناميبيا على استقلالها عن جنوب أفريقيا بسب فتوى لمحكمة العدل الدولية عام 1971.

الصين: مسرحية سياسية هزلية

ولكن رد الصين كان اعتبر أن منشأ الفيروس أمر متروك للعلماء كي يدرسوه ويجيبوا على الأسئلة المتعلقة به ولا يمكن تسييسه، وأنه وفقاً للقانون الدولي، فإن مسألة منشئه لا علاقة لها بمسؤولية الدولة، واعتبرت الجهات المسؤولة عن الملف في الصين، أن جهود الحكومة الصينية في إصدار المعلومات والوقاية من المرض والسيطرة عليه، تتوافق مع اللوائح الصحية العالمية، و"نعارض بشدة أي محاولة لتسييس المرض واصطناع مسرحية هزلية لمحاسبة غير قانونية".

إذاً، مسؤولية الصين القانونية متوافرة لمخالفتها قواعد تحذير العالم من انتشار الفيروس، إلا أن أمر مقاضاتها وإجبارها على دفع التعويضات للدول والأفراد دونه عقبات كثيرة، قد لا تتم إلا بإجراءات "وضع اليد" على أملاك الحكومة الصينية في أنحاء العالم، ولكن من قبل حكومة كل دولة على حدا، فهل سيحصل هذا الأمر أم أن مجموعة اتفاقات جانبية تجارية واقتصادية والتوافق على تقاسم النفوذ، سيحيل الأمر برمته إلى ما خلف الكواليس؟