Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التصفيق للطواقم الصحية في بريطانيا جميل ولكن

صوفي غالاهر تسأل، هل نريد فعلاً أن نكون بلداً يدعم موظفيه الأساسيين من عتبات المنازل من دون أن يبادر بالفعل إلى إرساء التغييرات المهمة؟

الاحتفاء بدور العاملين في القطاع الصحي البريطاني لا يكفي إذا لم ينالوا حقوقهم "الصحية" والمادية والمعنوية (غيتي)

ساورتني شكوك عندما رأيت منشوراً على فيسبوك للمرة الأولى في مارس (آذار) يتحدث عن نيّة الناس "التصفيق تحيّةً للعاملين في الرعاية الصحية" مساء يوم الخميس، فكم شخص سينضمّ إلى هذه الحملة؟ وهل ستقتصر فعلياً على شخص وحيد يحمل قِدراً ويقف على عتبة منزله وحده؟ ولا سيّما في لندن حيث التقاء النظرات مصادفةً بين غريبين داخل قطار الأنفاق يُعتبر خرقاً لأصول اللياقة العامة.

وكان الظلام قد خيّم حين دقّت الساعة الثامنة ليلاً ووقفت قرب النافذة أترقّب الخيبة. لكن بدلاً من ذلك، علا ضجيج هائل، إذ قُرعت أجراس الكنائس وأُطلقت أبواق السيارات وتعالت صرخات الناس وصفيرهم وتهليلهم- حتّى بات التصفيق أقل صوت بين هذه الأصوات. أبكاني هول مفاجأة لم أتوقّعها- في بلدٍ معروفٍ بجموده، وابتعادِه إجمالاً عن إظهار المشاعر في العلن، وعدم ارتياحه بعض الشيء إزاء مسألة الوطنية. 

وشأني شأن الكثيرين غيري في كل أرجاء البلاد في ليلة 26 مارس تلك، وقفت مع جيراني وصفّقت بكل صدق، آملة في أن تنقل بادرة شكري الصغيرة تلك- التي باتت ضخمة بسبب الملايين غيرها- مدى امتناننا لمن يقفون في طليعة مواجهة الجائحة داخل مستشفياتنا، ودور رعايتنا وبقالاتنا، وباصاتنا وقطاراتنا. ولأن فضل وجودي في المملكة المتحدة يعود فقط إلى مجيء جدّي المهاجرين من إيرلندا من أجل العمل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، شعرت بالفخر.

كما شكّلت تلك اللحظة، خلال الأيام الأولى للحجر، مناسَبةً لنا كي نذكّر أنفسنا بأننا لسنا وحدنا. ومهما كبُر شعور الوحدة بين أربعة جدران- ولا سيّما بالنسبة إلى من يعيشون وحدهم، أو من يحمون أنفسهم من الاحتكاك بالآخرين بسبب إصابتهم بالأمراض، أو من يواجهون مرحلة مستجدة من عدم اليقين من الناحية الاقتصادية- كنّا كلّنا معاً. وهذا أمر مؤثّر جداً بالنسبة إلى بلدٍ لا يعرف 68 في المئة من سكّانه جيرانهم، بينما لا يشعر 50 في المئة من سكّانه أنهم ينتمون إلى مجتمع واحد، وتفشّت فيه الانقسامات السياسية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأظهرت الفيديوهات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مدى توسّع نطاق حركة التصفيق- فقد امتدّت من أقصى البلاد إلى أقصاها، ولم تعد بالتالي فقاعة من الثناء بل أصبحت حركة شعبية. بات ملايين الأشخاص يخصّصون دقيقتين من كل مساء خميس كي يعبّروا عن شعورهم تجاه العمّال المكلفين بالحفاظ على تماسك بلادنا. وهو احترام متجدّد تجاه كل الأشخاص الذين اعتبرناهم من المسلّمات في حياتنا. صحيح أنّ الحكومة قالت لنا إن أفضل ما يمكننا فعله من أجل دعم العاملين الأساسيين هو ملازمة المنزل، لكن كان من اللطيف أن نشعر بقدرتنا على بذل جهد أكبر قليلاً من ذلك.

ثمّ بدأت حصيلة الوفيّات بالارتفاع. مع قدوم 28 أبريل (نيسان)- أي شهر بعض التصفيق للمرة الأولى- توفّي 100 عامل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وفي مجال الرعاية الصحية بسبب كوفيد-19. فيما استمرّت البلاد بالتصفيق ووضع أقواس القزح على النوافذ، بدأت بادرة تضامننا الصغيرة تزعج الذين زعمنا أننا ندعمهم.

بعدها بأسابيع، بلغ التصفيق حجماً أكبر من أيّ مرحلة أكبر مضت: ظهر الأمير ويليام وكايت ميدلتون مع أولادهما الثلاثة الذين ارتدوا ثياباً زرقاً، وانضمّت إلى الحملة شخصيات بريطانية بارزة -مثل آل بيكهام ودانيال كريغ- وانتشر وسما #صفّقوا_للعاملين_في_ المجال_الصحي (#Clapforcarers) و #شكراً_لهيئة_الخدمات_الصحية_الوطنية  (#ThankyouNHS) لمدّة 24 ساعة قبل الحدث وبعده، وكنّا أمّة عازمة على التصفيق. حتّى أنّ حدة تصفيق البعض أوصلتهم إلى الطوارئ بسبب إصابات متعلقة بالطرق على القدور. كما أضأنا مقرّ جهاز الاستخبارات الداخلية "أم آي 5"MI5  (وغيره من المباني) باللون الأزرق فقط كي نظهر مدى اهتمامنا.

ومنذ منتصف مايو (أيّار)، أشارت التقديرات إلى تضاعف عدد وفيات العاملين في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وفي قطاع الرعاية الصحية إذ وصلت إلى 200 وفاة على الأقلّ (لكن قد لا نعرف أبداً العدد الحقيقي بسبب عدم الإفصاح عن تسجيل الكثير من الوفيات). وكان الأطبّاء يحذّرون من نقص معدات الوقاية الشخصية طوال شهر قبل الوصول إلى هذه المرحلة: حتّى أنّ الكلية الملكية للأطبّاء قالت إن الوضع يسوء ولا يتحسّن. كما توفّي طبيب حذّر بوريس جونسون من نقص المعدات بسبب كوفيد. وقيل إن النساء عرضة للإصابة بشكل خاص لأنهن عاجزات عن الحصول على معدات وقاية شخصية تناسبهنّ حجماً. 

وتخبّطت الحكومة البريطانية: فقد طلبت 400 ألف لباس طبي من تركيا تبيّن أنها غير مفيدة، فيما بدأ الوقت بالنفاد بالنسبة إلى العاملين على الخطوط الأمامية الذين يتّجهون إلى أعمالهم يومياً وهم يعلمون أنّهم لا يحصلون على الحماية اللازمة من أجل أداء الوظيفة التي نطلب منهم أداءها. وبينما لم تُسائل الأمّة الحكومة حول قضايا مثل معدات الوقاية الشخصية- ولم تضغط عليها في موضوع المشاكل التي قال لنا العاملون الأساسيون إنها الأكثر أهميّة- أصبح صدى التصفيق بلا معنى.  

وقال مزيد من العاملين في المجال الطبي إنهم في غنى عن تصفيقنا- بل يحتاجون لمساعدتنا. وليس في مسألة معدات الوقاية الشخصية فحسب، بل في مسألة تسديد رواتب كافية للممرّضين والممرضات كي لا يعودوا مضطرّين للّجوء إلى بنك الطعام أو في مسألة تأمين الحقوق الأساسيّة للعاملين المهاجرين مثل حقّ بقاء عائلتهم داخل المملكة المتّحدة في حال فارقوا هم الحياة. لا يمكننا التمتّع بأمور جميلة إن كنّا منافقين- بلد يدعم عامليه الأساسيين من عتبات المنازل من دون أن يتحرّك على أرض الواقع نحو إرساء التغييرات المهمة.

والآن، في الأسبوع العاشر لحملة التصفيق، قالت آن ماري بلاس، السيّدة التي بدأت هذه الحملة إنّ الوقت حان للتوقّف عن استخدام ملاعقنا الخشبية كلياً. سوف أفتقد للتصفيق، ولشعور الصداقة والمودّة المؤقت الذي ولّده في خضمّ هذه الفترة الصعبة. لكنني أخدع نفسي إن ادّعيت أن ما دفعني للاستمرار به يعدو كونه شعور ذنبٍ يراود شخصاً آمناً في منزله وقادراً على العمل عن بُعد، يتمتع بترف حِسبان أنه يساعد.

© The Independent

المزيد من صحة