التحوّل إلى مجتمعٍ غير نقديّ بات أقرب من أيّ وقتٍ مضى وهو تهديد خطير لحريّاتنا المدنية

التعويل على البطاقات هو بمثابة تحيّز ضدّ أصحاب الدخل المتدني والمهاجرين غير الشرعيين والمتقدمين في العمر.

استخدام البطاقة الائتمانية أسهل من أوراق النقد عموماً لكن في بعض الحالات يكون العكس صحيحاً، ومصروف الجيب المخصص للأطفال هو خير مثل على هذه الحالات (رويترز)

يكاد دخولنا إلى مجتمعٍ غير نقديّ أن يكون وشيكاً بعد أن انتشر في البلدان الاسكندينافية وصولاً إلى كلّ جزء تقريباً من أجزاء العالم المتقدّم. ولكنّ التمدد هذا يُواجه اليوم بعض المقاومة. فقد وردنا هذا الأسبوع تقرير يُحذّر من عدم قدرة ما لا يقلّ عن 8 ملايين بريطانياً من التأقلم مع فكرة اختفاء النقود الورقيّة من السوق، في الوقت الذي أمست فيه فيلادلفيا أول مدينة أميركية تُلزم تجار البيع بالتجزئة قبول النقود الورقية عوض البطاقات، مع بعض الاستثناءات على غرار خدمات تأجير السيارات التي تُشكّل فيها البطاقات ضمانةً لهوية المستأجر. وتسعى مدنٌ أميركية أخرى، بما فيها نيويورك وشيكاغو والعاصمة واشنطن إلى الحذو حذو فيلادلفيا.

المجتمع غير النقدي هو واحدة من تلك الموجات العارمة التي تكتسح العالم، وتكاد أن تُضاهي ضخامتها تطوّر الأيفون وانتشاره أهميةً. ولكن ما نحن فاعلون بها؟

الحجج كلّها معروفة. بالنسبة إلى الحجج الداعمة لمجتمعٍ غير نقدي فتتضمن الأمان والملاءمة والتكلفة والتفضيل الشخصي وتحاشي التهرّب الضريبي وإلى ما هنالك. أما الحجج المعارضة له فهي في معظمهما اجتماعية: استبعادالأفراد الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية، أي نحو 6 في المئة من سكان لوس أنجيليس، من جانب كبير من الحياة الاقتصادية. المجتمع غير النقدي هو بمثابة تحيّزضد أصحاب الدخل المتدني والمهاجرين غير الشرعيين والمسنين.

في الأشهر الأخيرة، لعب انتقال تجارة التجزئة من الشارع إلى الإنترنت دوراً في زيادة المبيعات غير النقدية. لكنّ مسألةًأخرىتُحرّك بصمت رأي الحكومة الداعم للتحوّلإلى مجتمعٍ أقل اعتماداً على أوراق النقد، ألا وهي الخسارة التي تتكبدها السلطات حالياً جراء التهرب. ففي غضون العام الفائت، كانت معدلات تسديد الضريبة على القيمة المضافة كبيرة جداً في بريطانيا. فهل يعود ذلك إلى القدرة على تعقّب مزيد من المبيعات؟

ولكنّ بعض القضايا العملية قد يجعل الأمر أقل وضوحاً. فالحجة المتعلّقة بالملاءمة مثلاً، تترنّح في كلا الاتجاهين. نعم، استخدام البطاقة أسهل من أوراق النقد عموماً، لكن في بعض الحالات يكون العكس صحيحاً؛ ومصروف الجيب المخصص للأطفال هو خير مثل على هذه الحالات.

والجدال في هذا الإطار يُشبه إلى حدٍّ كبير الجدال القائم في بريطانيا حول استخدام الشيكات. يمكنكم الاطلاع على الحجج المؤيدة لإلغاء الشيكاتوالسير على خطى عدد كبير من الدول الأوروبية. لكنّ الجمعيات الخيرية من جهتها تخشى خسارة الكثير من هباتها لو جرى التخلي عن الشيكاتفي شكلٍ كامل. ولعلّ أكثر ما تخشاه هو عدم رغبة المسنين، وهم الشريحة الكبرى من المانحين، في تكبّد عناء القيام بتحويلات مصرفية في الوقت الذي يُمكن أن يُحرروا فيه الشيكات بكل طيبة خاطر.

وفي السويد حيث بلغ التحوّل مرحلة متقدمة، يستعين تجار التجزئة بلافتات نيّقة تُرحّب بالمستهلكين كافة من دون أن تسمح بالتعاملات النقدية. بهذه الطريقة، هم يتحيّزون عملياً ضدّ المهاجرين غير الشرعيين من دون أن يُشهروا ذلك. من الممكن أن تنجح هذه الإسراتيجية في المقاهي، لكن هل يُعقل أن يرفض أيّ متجر التعامل مع زبون أجنبي بحجة حيازته السيولة وعدم امتلاكه بطاقة ائتمانية مقبولة؟ الإجابة هي نعم على الأرجح، على أقل تقدير في اسكندينافيا.

ما يحصل في السويد يتشابه مع ما يجري في كلّ من الصين والهند.

في الصين، المساعي كبيرة وجدية من أجل إرساء رقابة اجتماعية. ولو إنّ الناس فيها يُعادون المعايير الاجتماعية والسياسية الحالية، فهم قد يجدون صعوبة في شراء تذكرة قطار. الصين بعيدة كل بعد من التحوّل إلى مجتمع غير نقدي، لكنّ أنظمة التعرف على الوجه لديها هي الأكثر تطوراً في العالم. ومع ذلك، ثمة شكوك كثيرة تحيط بمدى دقتها، الأمر الذي يعتبر ذريعةً إضافية لتتبع تحركات الأفراد من خلال نفقاتهم لا من خلال صورهم.

أما في الهند، فتأييد إلغاء التعاملات النقدية ينطلق من رغبة في تقليص الفساد أكثر منها رغبة في تعقب تحركات الأفراد، ولذا، سحبت الأوراق النقدية القديمة الطراز والكبيرة من التداول. وبقي معي بضع روبيات من سفرتي الأخيرة، فوضعتها في مغلف خاص بشركة الطيران البريطانية، آملاً في أن ينتهي بها المطاف في صندوق الأعمال الخيرية الخاص بالشركة.

ما يحدث إذاًله وجهان. المجتمعات الليبرالية في الغرب تُلغي تداول العملات الورقية النقدية لمجموعة من الأسباب، فيما تتخلى عنه المجتمعات الأقل ليبراليةً لأسبابٍ أخرى.

هنا تكمن أهمية الاعتراضات على الاقتصاد غير النقدي التي تقف وراءها أطراف عدّة. فالمصارف المركزية بما فيها المركزي البريطاني قلقة. وهذا شأن المدنكذلك – أتوقع أن تحذو مزيد من المدن الأميركية حذو فيلادلفيا. من المفترض بتجار التجزئة أن يقلقوا أيضاً. من المفترض بكلّ من يهتم لأمر الحريات المدنية أن يقلق. فالحفاظ على الاقتصاد النقدي يحتم على الأفراد بذل جهود جبارة. الأمر أشبه بالشارع الرئيس، إما أن تستخدمه أو تخسره.

قد تكون هناك دوامة هبوطية محتملة. إذ اعتُبر التعامل النقدي في الصفقات أمراً رخيصاً وفاسداً بعض الشيء، فسيستغنى سريعاً عن الأوراق النقدية. وعندئذٍ، لن يتضرر الأثرياء، فبطاقاتهم الذهبية ستكون خير سندٍ لهم. وسيكون الأقل ثراءً من تصيبهم المعاناة. الأمر الذي لا بدّ أن ينعكس سلباً على مجتمعاتنا. أحسنتِ فيلادلفيا!

© The Independent

المزيد من آراء