لقاء مع ملاكمة عراقية محترفة سابقة نجت من الإبادة وتعلم الآن اللاجئات كيف يقاتلن

عندما شنت داعش هجومها على منطقة سنجار سنة 2014، تعرض الآلاف لما وصفته الأمم المتحدة "بواحدة من أكثر الجرائم فظاعة يمكن تصورها". كاتي أومالي (Katy O’Malley) تحدثت إلى المنظمة الخيرية البريطانية خلال مهمة للأخيرة لتمكين الناجيات.

هدف "زهرة الزنبق" هو مساعدة النساء على التخلص من التوتر واسترجاع الثقة بالنفس (موقع منظمة "زهرة الزنبق")

حلبة الملاكمة هي آخر مكان يمكن أن يقصده الناس بحثا عن ملجأ، لكنها في الواقع المكان الذي وجدنا فيه مجموعة من 15 امرأة شابة في مخيم للاجئين بقاعدة عسكرية سابقة في إقليم كردستان بشمال العراق، وهم الذين فروا  من قبضة المجموعات المسلحة التابعة لتنظيم "داعش".

وتقول طابان شوريش مؤسسة المنظمة الخيرية "زهرة الزنبق": "بالنسبة لهن، تعد الملاكمة طريقة رائعة لتصريف طاقتهن وإعادة اكتشاف الثقة بالنفس".

في شهر أكتوبر (تشرين أول) 2018، أطلقت منظمة شوريش الخيرية، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل مع الفتيات الشابات والنساء ضحايا النزاع، خطة رائدة للملاكمة سمتها "أخوات الملاكمة في العراق". وتهدف المبادرة إلى مساعدة هؤلاء النسوة على التخلص من التوتر واكتساب الثقة والاستمتاع بلحظات من العزلة بعيدا عن العائلات الإيزيديات اللاجئات التي يبلغ عددها ثلاثة آلاف أسرة تعيش في ظروف مزدحمة في المخيم.

 

في أغسطس (آب) 2014، هاجم مسلحو داعش المنطقة الشمالية الغربية من سنجار حيث كانت تقطن أغلبية من الإيزيديين. وطوق المسلحون  المنطقة وبدأوا في فصل الذكور عن الإناث وإخضاع من تزيد أعمارهن من الفتيات عن تسع سنوات لفحص عذريتهن  وبيع العديد منهن للاسترقاق الجنسي. وطبقا لتقرير أصدرته الأمم المتحدة سنة 2016، فإن داعش عرض الإيزيديين  المنتمين إلى تلك المنطقة لواحدة من "أكثر الجرائم فظاعة يمكن تصورها".

يستضيف مخيم روانغا للاجئين مند 2014 ما يزيد عن 15000 نازح أغلبهم من الإيزيديين. ويعد واحدا من 25 مخيما موجودا ضواحي مدينة دهوك الواقعة في المنطقة الكردية شمال العراق. وهنا تدير "زهرة الزنبق" واحدا من مراكزها الثلاثة التي تركز على تقديم خدمات تعليمية في مجال الصحة العقلية، وحقوق الإنسان والرفاه للفتيات والنساء.

وتضيف شوريش التي تفهم جيدا المحنة التي عانتها هؤلاء النازحات: "إذا لم تمارس هؤلاء النسوة الملاكمة، سيبقين حبيسات غرفهن  24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع إذ ليس لديهن ما يفعلنه. لذلك فإن مراكزنا تعد ملاجئ آمنة لهن."

وقد نجت عاملة الإغاثة البريطانية التي تعود أصولها إلى كردستان من الإبادة خلال حقبة صدام حسين. وعندما كانت في الرابعة من عمرها سممت الشرطة السرية شوريش وعائلتها لأسبوعين قبل أن يتمكنوا من النجاة بأعجوبة من إمكانية دفنهم أحياء إبان الإبادة البشرية لحملة الأنفال التي نفذت سنة 1986. فبعد اختباء والد شوريش الذي كان ناشطا سياسيا، تم تسميمه وفرت عائلته من البلد لتستقر في المملكة المتحدة سنة 1988. تقول شوريش: "مند الولادة وحتى سن السادسة، تعرضت للكثير من الصدمات."

لذلك تخلت شوريش عن عملها في أغسطس 2014 في لندن وعادت إلى كردستان بعد إبادة الإيزيديين. ومكثت في المنطقة لخمسة عشر شهرا. وتذكر أنه "خلال تلك الفترة، عملتُ عن قرب مع النساء والفتيات اللائي تعرضن للأذى من تنظيم داعش. وعندما عُدت إلى المملكة المتحدة، شعرتُ بأنه من الطبيعي أن نسلك تلك الطريق وندعم النساء والفتيات ضحايا الصراح والنزوح."

 

تتراوح أعمار النساء والفتيات اليافعات اللائي يحضرن دروس الملاكمة  في مركز الأخوات الملاكمات بين 12 و 28 سنة كما تختلف تجاربهن. تقول شوريش: "دمرت داعش حياتهن تدميرا كليا وجماعيا وانقلبت رأسا على عقب."  فالكثير من أولئك الذين انخرطوا في النزاع تعرض أفراد من عائلاتهم للقتل أو السجن. وكشفت شوريش كيف تعرضت فتاة تعمل معها "زهرة الزنبق" لا يتجاوز عمرها 12 سنة للاغتصاب من طرف ستة رجال ينتمون لداعش طيلة ثلاث سنوات. وفي غضون ذلك، تتذكر حسنى،  الفتاة البالغة من العمر 17 سنة، والتي تتعلم الملاكمة في مركز الأخوات الملاكمات، لحظة فرار عائلتها من قرية تل قصب في سنجار عندما هاجمتها داعش.

وتروي قائلة: "ما من أحد كان يعرف ما يحدث وأين يتجهون، فالشيء الوحيد الذي كنا نعرفه هو أنه كان علينا أن نفر بعيدا. لم نكن نعرف ماذا كانت تفعله تلك المجموعة الوحشية ولماذا يقتلون الأطفال والنساء والفتيان والرجال الأبرياء. الكل كان يركض في تلك الشوارع  بينما كانت عصابات داعش تطلق النار. كان ذلك مثل كابوس يحدث في الواقع."

ومثل الآلاف من أفراد الطائفة الإيزيدية، تمكنت حسنى وعائلتها من الفرار  إلى الجبال حيث اختبأوا لأربعة أيام وأربع ليالي مع قليل من الماء وكسرة خبز كل يوم للبقاء على قيد الحياة. حسنى اليوم تعيش مع عائلتها في مخيم روانغا مثل الآلاف من النساء النازحات حولها، وتستعد للمقاومة.

وتقر أنها كانت دوما تحلم أن تمارس الملاكمة لتجعل "روحها وجسدها أقوى". وتقول: "عندما هاجمتنا داعش زادت لدي الرغبة في تعلم الملاكمة، أريد أن تعلم كيف أقاوم. أُدرِك أنه من الصعب أن تقاوم شخصا يحمل سلاحا، لكنني على يقين أنه لو كنا نعرف كيف يمكننا أن نقاوم عندما هاجمتنا داعش، لكان الأمر مختلفا." وتوضح أنها تتدرب ساعة كل يوم، وتمارس الملاكمة لأنها تجعلها تشعر بالقوة والثقة.

وتتقاسم حسنى تصميمها الفولاذي للاستفادة من قوتها مع الملاكمة البريطانية المحترفة السابقة كاثي براون التي تعمل أيضا كمعالجة إدراك سلوكي، والتي التحقت ببرنامج الأخوات الملاكمات لتعليم الفتيات اليافعات فنون الملاكمة.

غير أن حب براون  للملاكمة ليس القاسم المشترك الذي يجمعها مع العديد من النساء اللائي تعلمهن، ذلك أنها، شأنها شأن الكثير من اللاجئات الإيزيديات، تعرضت للعنف الجنسي وتحولت للملاكمة "بحثا عن الشعور بالانتماء والهدف".

 

وفي هذا الصدد تقول: "ساعدتني الرياضة على تطوير قوة داخلية وآليات التأقلم لكي أشعر في نهاية المطاف أنني قوية بما يكفي لأستطيع الحديث عما تعرضت له." وتأمل أن يكون لبرنامج الأخوات الملاكمات الأثر ذاته على النساء اللائي التحقن به. وترى أن "الملاكمة تساعد بصورة طبيعية على التخلص من الغضب ومن النزوة العدائية. فعندما تنشأ لديك القدرة على فهم غضبك وقلقك وإحباطك، ستكون قادرا على اكتساب الأدوات لإطلاق مشاعرك والتعامل معها بطريقة تستطيع التحكم فيها أكثر. ما أفعله الآن هو طريقة فريدة للعلاج بالملاكمة.  آمل أن أكون هناك لأساعد الفتيات ليس فقط كمعلمة ملاكمة، بل أيضا كهيئة إنصات تحاول مساعدتهن على اكتساب الأدوات الضرورية للعمل من خلال مشاعرهن."

في يوليو (تموز) الماضي أطلقت شوريش وبراون المرحلة التالية من مبادرة الأخوات الملاكمات. وسيقضين 10 أيام في مخيم روانغا لتطوير مهارات النساء وتدريب قلة مختارة من المجتمع المحلي لتصبحن معلمات ملاكمة ومواصلة البرنامج لفائدة نساء وفتيات أخريات.

وسيعمل الفريق الذي يرافقه  غريغ ويليامز، زوج براون وشريكها في تأسيس (بوكسولودجي) وهي مؤسسة مختصة في تقديم دروس الملاكمة، مع الفتيات كل صباح "لتعليمهن كيفية الملاكمة بشكل مناسب وسليم وكيفية اللكم واستخلاص قدر جيد من الجهد من قدر قليل العمل."

وتوضح براون أن "أحد الأشياء الجميلة في الملاكمة هو أنها تبعث على التأمل وأنه ما عليك إلا أن تركز بجدية على المهارات والتقنيات. فهي تأخذك بعيدا عن رأسك، لتفكر عن مكان وضع يديك ووركيك وقدميك. أريدهن أن يصبحن قادرات على إدراك ما يفعلنه في تلك اللحظة لأستطيع أخذهن بعيدا عن التفكير في الصدمة القابعة في رؤوسهن ولو لجزء من اللحظة."

وستعلم براون نساء المجموعة اللائي تزيد أعمارهن عن 18 سنة كيف يصبحن معلمات ملاكمة بأنفسهن، آملة أن يصبحن قادرات على استخدام المهارات التي حصلن عليها لكسب عيشهن. وتعتقد اللاعبة السابقة، أنه باستعمال تطبيقات (البوكسولوجي) التي تشمل أكثر من 300 فيديو لتقنيات الملاكمة، سيكون بمقدورها تعليم النساء كيف يلاكمن بكفاءة وفعالية."

وتوضح براون قائلة: "سنصور كل تقنية نعلمها لهن حتى نزودهن ليس فقط بطرق الملاكمة بل أيضا بالأدوات التي تمكنهن من التقدم وتعليم الرياضة لفتيات أخريات."

 

وتأمل "زهرة الزنبق" في نهاية المطاف أن ترسل الملاكمات اللائي تدربن إلى مراكز أخرى تديرها المنظمة الخيرية في شمال العراق لإحداث تأثير تسلسلي يمكن النساء من تعليم وتمكين نساء أخريات في جميع أنحاء المنطقة. أما في الوقت الراهن، فإن مشروع الأخوات الملاكمات النموذجي ما يزال يثبت أنه برنامج لا يقدر بثمن لتلامذته.

وتوضح شوريش: "أولا، لم نواجه أي ردة فعل معاكسة من الأهالي وهو ما يظهر الحساسية التي أخذنا بها الأمر عندما أتينا إلى المنطقة."

"ثانيا، يمكنك رؤية إلى أي حد تتحمس هؤلاء الفتيات لتعلم الملاكمة، وكيف ينفتحن ويتعلمن إدارة مشاعرهن. بالنسبة لحسنى وللفتيات من مثيلاتها، فإنها أصبحت فعلا تشعر أنها بدأت تصبح أكثر قوة وأكثر ثقة في نفسها، وأنها تطور إحساسا بالانتماء "لأسرة صغيرة" من زميلاتها الملاكمات. إن ذلك يمنحنا الدعم والمكان الآمن اللذين نحتاجهما للتغلب على إحباطنا بعد الفظاعات التي عانينا منها لاسيما فقدان العديد من الأصدقاء والأقرباء الذين نحبهم."

"النساء يحتجن للتغلب على الخوف والعار اللذين ينتابهن. نحن نكسر الأعراف التقليدية التي تقول أن النساء وُجِدْن فقط للطهي وتنظيف المنزل. نحتاج أن نكون أكثر قوة وثقة في النفس. وسنبلغ ذلك الهدف من خلال الملاكمة."

وعن مستقبل مبادرة الأخوات الملاكمات تقول شوريش أن المعركة من أجل مساعدة النساء ضحايا الصراع والنزوح ستستمر. "فأينما ذهبت مراكزنا، يجب أن تنتقل إليه الأخوات الملاكمات".   

© The Independent

المزيد من رشاقة