Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في زمن الكمامة عيون النساء تستعيد التوهج

تعددت الألوان والتصميمات وبيوت الأزياء تدخل على خط المنافسة ويتم استغلالها تجاريا

ارتداء الكمامة في الأماكن العامة صار أمراً مستساغاً سواء عن قناعة شخصية أو إجبار قانوني (أ.ف.ب)

في البدء كان الأزرق والأبيض هما السيدان الأوحدان، ثمّ تسلل الأسود عبر أبواب خلفية، ومكث بعض الوقت تارة وحده من دون إضافات، وأخرى برسم لعنكبوت أو تطريز سوبرمان، ولأن الأوضاع تشير إلى أنها باقية فترة أطول مما كان الجميع يتصوّر، وإذ إن الإجراءات الرسمية والقرارات الحكومية تدفع بها من خانة الاختيار إلى وضعية النفاذ، فقد أصبح للكمامة "هوت كوتور" Haute Couture، ولها نصيبٌ وفيرٌ من عالم الـ"ماركة" Label، وتستوجب قواعد لتنسيق الـ"إنسومبل"، لكن منها أيضاً ما يطرح بأعداد كبيرة Off-the-rack، جنباً إلى جنب مع تلك الأعداد الصغيرة المميزة التي تطرح للعملاء المميزين باعتبارها In Vogue.

كمامات "سينييه"

وحتى خمسة أشهر مضت، كان الحديث عن أحدث خطوط موضة الكمامات، أو أسعار الـ"سينييه" منها، أو تنسيق ألوان القميص والبنطلون لتناسب كمامة اليوم أو كمامة السهرة أشبه بالهراء وأقرب للخيال. لكن هراء الأمس بات نافذاً بحكم القانون، وخياله تحوّله إلى واقع معاش، إمّا تعيشه بالأبيض والأزرق كغيرك من ملايين الكوكب العاديين الذين لا يعنيهم من الكمامة سوى الوقاية من فيروس القرن الـ21، وإمّا تعيشه بتفرّد وتميز واختلاف.

 

الوجوه المتصببة عرقاً في عربة مترو الأنفاق بدرجة حرارة قاربت الـ45 تختفي نصف ملامحها خلف الكمامات الطبية باللونين الأزرق أو الأبيض أو كليهما. إنها الكمامات الجراحية التي كانت حتى يناير (كانون الثاني) الماضي مرتبطة ومقتصرة ومتوقفة عند حدود ما صار يعرف لاحقاً باسم "الجيش الأبيض"، أو أفراد الطواقم الطبية.

طاعون لندن العظيم

الكمامة الطبية المرتبطة في الأذهان بطاعون القرن الـ17، الذي عرف بـ"طاعون لندن العظيم" تغيّر شكلها ومحتواها قليلاً. لم تعد ذلك القناع الأيقوني المصنوع من الجلد ذي المنقار المدبب المعبأ بعطور وبخور كان يُعتقد أنها قادرة على درء خطر الفيروسات المحمولة جواً. بل أصبحت خفيفة ورقيقة ومزوّدة بشريط كاوتشوكي لتناسب مقاسات الرؤوس المختلفة المتعددة الطبقات، والأهم من ذلك أنها تستخدم لمرة واحدة فقط، ثم يُتخلّص منها، أو هكذا يُفترض.

لكن، واقع الحال يشير إلى معاودة الاستخدام، إن لم يكن من عبر التداول من شخصٍ إلى آخر، فعبر الاستخدام المتكرر من قِبل الشخص نفسه. لكن إلزامية ارتداء الكمامة لدرء خطر الفيروس تدفع البعض إلى تصرّفات طائشة من شأنها أن تفتح الأبواب وتفرد الأذرع للترحيب به، والتأكد من أنه نزل أهلاً وحلّ سهلاً.

اصطحاب الكمامة

سهولة تطبيق القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء المصري قبل أيام الخاصة بإلزامية ارتداء الكمامات دفعت غالبية المواطنين إلى "اصطحاب" الكمامة معهم أينما ذهبوا. البعض يرتديها حماية لنفسه ولمن حوله، والبعض يبقيها في جيبه أو حقيبته وقاية لنفسه من المساءلة، وربما دفع المخالفة.

ونصّت القرارات على إلزام العاملين والمترددين على الأسواق أو المحلات أو المنشآت الحكومية أو الخاصة أو البنوك، أو في أثناء الوجود بجميع وسائل النقل الجماعي سواء العامة أو الخاصة ارتداء الكمامات الواقية، وذلك لحين صدور إشعار آخر، كما نصّت على معاقبة المخالف بغرامة لا تتجاوز أربعة آلاف جنيه (252 دولاراً أميركياً).

العقوبة الحقيقية، من وجهة نظر نادية خيرت، 18 عاماً، هي أن تضطر إلى ارتداء كمامة ورقية رخيصة. نادية المعروفة في محيط صديقاتها بأنها الأكثر أناقة ومواظبة على الموضة، بل وأحياناً صانعة الصرعات في عالم الأزياء، لم يهدأ لها بال إلا بعد ما حصلت على مجموعة من الكمامات الفريدة عبر طلبها "أونلاين".

 

الكمامة الواحدة ليست بخمسة جنيهات (32 سنتاً أميركياً) كتلك التي تشتريها الغالبية من الصيدليات، ولا بـ350 جنيهاً (22 دولاراً أميركياً) في حال وجدت كمامة N95 الأكثر حماية، لكنها لا تقل عن 500 جنيه مصري (31 دولاراً أميركياً)، وهي وارد أرقى بيوت الأزياء العالمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر سان لوران وبالنسياغا وشانيل وكريستيان سيريانو ولوي فيتون وغيرها.

كمامات "هوت كوتور"

وأبرز "غيرها" وأكثرها إثارة الجدل، خط كمامات "هوت كوتور" الحديث المُنتَج من قِبل نجمة تلفزيون الواقع كيم كردشيان، الذي أُطلق اسم "سكيمز" عليه. وعلى الرغم من التزام التنويه بأن الكمامات الجديدة المصنّعة بدرجات ألوان البشرة المختلفة ليست طبية، فإنها تنفد بعد عرضها بدقائق معدودة.

كمامات كاردشيان ليست وحدها المهيمنة على قمة صرعات الكمامات في زمن كورونا، بل توجد أخرى أطلقتها بيوت أزياء مثل "بوهو" و"آسوس" تلقى إقبالاً ضخماً من قِبل الممسكين بتلابيب الأناقة والريادة والـ"هوت كوتور". الأدهى من ذلك أن متخصصي تصنيف الأزياء الأسبوعي وترتيب منتجاتها حسب روعة الشكل وعملية التصميم وحرفية الاستخدام باتوا يعرضون أحدث ما ورد إلى عالم الأزياء في زمن كورونا. وأصبح للكمامات تفصيل مستقل وتقييم يعتد به متخصصو الموضة ومحبو الأناقة.

أنوثة الكمامة

ويخطئ من يعتقد أن محبات الأناقة سيجدن أنفسهن في موقف صعب يناقض ميلهن الفطري إلى الأناقة ومهاراتهن المُكتسبة من أجل إبراز مواطن الجمال وإخفاء بواطن العيوب. إخفاء ثلاثة أرباع الوجه يعني ترشيد نفقات أحمر الشفاه مع تعظيم الإنفاق على كحل العيون.

تقول منة الفلكي، 27 عاماً، مسؤولة تسويق في شركة عقارات، إنها نجحت في تقليص ميزانية أحمر الشفاه ومثبّت المكياج والأساس ومحمِّر الخدود. وتضيف "أرتدي كمامة طوال ساعات العمل، وأوقات وجودي في السوبر ماركت. في البداية اكتشفت أن الروج (أحمر الشفاه) يُمسح في الكمامة، ثم أضطر إلى تذوقه رغماً عني. أول مرة نزلت فيها من البيت دون أحمر شفاه كنت أشعر أن شيئاً ما ينقصني. ثم اعتدت ذلك. ورغم أن الكمامة تغطي أغلب ملامح الوجه فإن الملامح الأبرز والأوقع والأكثر قدرة على جذب الأنظار تبقى خارجها".

 

وتتحدّث الفلكي بإسهاب عن مكياج العينين الذي بات يكلفها أضعاف ما كانت تنفقه في زمن ما قبل الكمامة. تقول: "كنت أتعجّب من المنتقبات اللاتي يمعنّ في إظهار جمال عيونهن، وحتى من لا تتمتع بجمال العينين تتفنن في رسمهما. الآن فهمت. المبالغة في التركيز على العينين هي تعويض لما يُخفَى. وأنا الآن أضع كثيراً من الكحل والماسكرا على سبيل التعويض".

لكن، التعويض وحده لا يكفي في زمن الكمامات الباقي معنا لحين إشعار آخر. لذلك، فإن أناقة الكمامات تطل برأسها هذه الآونة لترسّخ لنفسها مكانة في عالم الأزياء، ومنها تحقيق الأرباح، وفي الوقت نفسه تعويض ما قد يسقط سهواً من أنوثة في مكياج الفم أو أحمر الخدين.

أناقة الكمامات شطحت ونطحت في زمن قياسي. فمنها من أغرق في الألوان الملفتة والتصميمات المثيرة، ومنها من اعتنق الإثارة بمعناها الكلاسيكي في التصميم. بيوت أزياء مثل "كوزابيلا" و"كيتي ماي" المعروفتين بتصميم الملابس النسائية الداخلية (لانجري) وفساتين الأفراح والسواريه انضمت إلى ركب إنتاج الكمامات، لكن بطريقتهما الخاصة. إذ تسللت كمامات الدانتيل والساتان المرصّعة ببضع من الألماس وقليل من التطريزات إلى الأسواق البعيدة. هذه الكمامات على الرغم من جمال تصميماتها وإثارتها لم تصل إلى المنطقة العربية، ولن تفعّل على الأرجح لأنها تعدّ خروجاً عن الآداب العامة وخدشاً للحياء.

حياء مخدوش

الحياء المخدوش في آلاف الكمامات التي تسللت إلى الأسواق المصرية في الأيام القليلة المقبلة ما زال في حَيرة من أمره. هل يمضي قدماً ويستكمل خدش الحياء الذي يضرب المجتمع مع كل إعلان عن ملابس داخلية، أم يتوقف قليلاً، ويكتفي بالرواج الهامس من دون جلبة أو ضوضاء؟!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الضوضاء الناجمة عن شاشات التلفزيون المفتوحة في ملايين البيوت وقت بث المسلسلات المتخمة بالإعلانات تشير إلى أحد أكبر الأسماء المتخصصة في صناعة الملابس الداخلية القطنية، وقد غزت الأسواق بكمامة قطنية جديدة فريدة أنيقة وتحمل واجهتها إلى جوار منطقة الفم شارة الاسم الشهيرة في عالم البوكسرات الرجالي. ولأن الجميع منشغل هذه الأيام في تدبر أمره، من حيث توفير مخزون استراتيجي من الكمامات، وذلك بعد دراسة متطلبات السوق وقدراتها الشرائية، فقد أخذت هذه الكمامة في الانتشار رغم أنف حياء البوكسرات.

كمامات طبقية

وبين حياء شارة الملابس الداخلية وصفاقة الفروق الطبقية، حرب كمامات حامية الوطيس. فالفيروس الذي لا يطّلع على حسابات الشخص البنكية قبل مداهمته، وجد في الكمامات ما ينقل الصراع الطبقي إلى عالم الوباء. كمامات تحمي جداً، وأخرى نصف نصف، وثالثة هي والعدم سواء مطروحة في الأسواق، وكلٌّ يقتني ما يناسب جيبه.

ولأن الجيوب أشكال وأنواع وقدرات، فإنّ حرب الكمامات في زمن كورونا لم تقف عند حدود التصنيفات الطبقية، بل امتدت لتتحوّل إلى حروب ربحية بين المصانع المنتجة لها، بل وصراعات أممية بين من ينتج أوفر، ومن يهيمن على العالم أكثر بكمامته الطبية، بل وربما من يقرصن كمامات العالم أكثر من غيره.

 

عاشت البشرية اللحظة التي تتهم فيها ألمانيا الولايات المتحدة الأميركية بقرصنة 200 ألف كمامة طبية كانت في طريقها إليها، وعاشت لتكون شاهد عيان على مضاربة أخلاقيات التجارة من قِبل رجال أعمال أميركيين عرضوا ثلاثة أضعاف قيمة شحنة كمامات كانت في طريقها من الصين إلى فرنسا، لتتحوّل وجهتها إلى أميركا، وقبلها أقبلت تركيا على قرصنة شحنة مستلزمات طبية وكمامات كانت متوجهة إلى إيطاليا.

نرتدي أو لا نرتدي الكمامات

ومن إيطاليا إلى سويسرا، وتحديداً جنيف، حيث منظمة الصحة العالمية التي أعيت العالم في تعليماتها المتضاربة عن الوقاية من فيروس كورونا المستجد. "المنظمة ترى أن ارتداء الكمامات مفيد في الوقاية من الفيروس"، "ارتداء الكمامات لا يقي تماماً من الفيروس"، "ننصح بقصر ارتداء الكمامات على أفراد الطواقم الطبية"، "لا يوجد دليل علمي على أن الكمامات تحمي من الفيروس"، "ربما تساعد الكمامات على نشر الفيروس" وغيرها من الرسائل المتضاربة كانت كفيلة بضرب جدوى الكمامة في مقتل، لولا عاملها النفسي الذي يمدّ مرتديها بشعور بالثقة بأنه في مأمن.

"بقاؤك في البيت أمان، لكن لو اضطريت للنزول اختار القطن". إعلان ضمن عشرات الإعلانات التي بدأت تروّج للمنتج الجديد من الكمامات القطنية. فمنذ حديث رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن التنسيق مع وزارة الصناعة لإنتاج كمامات مصنّعة من الأقمشة، مطلقاً عليها اسم "الكمامات المستدامة"، والكمامة القطنية تكسب أرضية على حساب الورقية. وعلى الرغم من تحذيرات عدّة بأن القطنية ليست طبية، ولا تقي شرور انتقال العدوى، فإن كلام الحكومة دائماً ما يجد أرضاً صلبة من المصداقية.

شفافية الإسلاموفوبيا

مصداقية الكمامات باعتبارها وسيلة أمان في زمن الفيروس دفعت البعض إلى انتهاز الفرصة والتذكير بالأمس القريب، يوم أن أبدت دول عدة انزعاجها من "الكمامات الدينية" أو النقاب، حيث تغطية وجوه النساء والفتيات لأسباب دينية، ووصل الأمر ببعضها إلى تجريم ارتدائه.

وفي فرنسا، إحدى أبرز الدول التي خاضت حرباً لمنع النقاب، تعرّض الرئيس إيمانويل ماكرون إلى انتقادات البعض، حين ظهر مرتدياً كمامة قبل أيام تزامناً مع تأكيد الحكومة الفرنسية استمرار منع النقاب والبرقع خلال انتشار الوباء، وهو ما وصفه البعض بـ"شفافية الإسلاموفوبيا في زمن كورونا".

شفافية أخرى كشف عنها زمن كورونا، وهي شفافية تحقيق الأرباح والاستفادة من الأوضاع. كم هائل من مواقع التجارة على الإنترنت خصص جانباً لا بأس به من نشاطه لتجارة الكمامات. صحيح أنّ كلاً من "فيسبوك" و"إنستغرام" و"غوغل" أعلن منع أي إعلانات تعرض منتجات تتكسّب من الجائحة، فإنّ الإعلانات تملأ الأثير العنكبوتي، لكن من دون ذكر كلمة كورونا بشكل مباشر.

 

طرائف وسخائف

الأثير العنكبوتي مليء بالعجائب والطرائف والسخائف. ففي الوقت الذي هبّت ميليشيات عنكبوتية للسخرية ورفض القرار المصري بإلزام المواطنين ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، بحجة فقر المواطنين وعدم جدوى الكمامات، سارعت الميليشيات نفسها إلى احترام قرارات ارتداء الكمامات في الدول التي يقيمون فيها، باعتبار قرار الإلزام "عين العقل".

العقل يقول إنه في زمن فرض الكمامات تطل أفكار الجرائم الإبداعية المستفيدة من أجواء التمويه المقدّمة لها على طبق من فضة، إن لم يكن اليوم فغداً. جرائم سطو مسلحة عديدة شهدتها دول عدة في العالم في الشهرين الأخيرين والعنصر المشترك فيها الكمامات. ولأن ارتداء الكمامة في الأماكن العامة صار أمراً مستساغاً، سواء عن قناعة شخصية للوقاية أو إجبار قانوني للوقاية، فقد رأى خارجون عن القانون في تمويه هُوياتهم فرصة ذهبية للقيام بعملية أو اثنتين. أكثر العمليات المنتفعة من تعميم الكمامات هي جرائم السطو والسرقة والنشل، وهي مرشحة للزيادة في زمن اعتياد الكمامة.