Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنطون فيبرن ينجو من حربين ليقتله جندي حليف لخرقه منع التجول

المبدع الذي أطلق الحداثة الموسيقية كفعل غضب ضد الرومانطيقيين

أنطون فيبرن بريشة أوسكار كوكوشكا (اندبندنت عربية)

خاض أنطون فيبرن الحرب العالمية الأولى ونفذ بجلده منها، كذلك مرّت عليه الحرب العالمية الثانية ونفذ بجلده وهو الذي لم يخضها، فعمره لم يكن يسمح له بذلك. لكنه في عام 1945 وكان في الثانية والستين، وبعد انقضاء تلك الحرب، بينما كان يتنزّه قرب بيته الريفي في النمسا مبتعداً عن صخب حفيديه ليدخّن سيجارة في الهواء الطلق، أردته رصاصة جندي أميركي كان يسعى للحفاظ بكل جدية على قوانين منع التجوّل. فانتهت بذلك حياة واحدٍ من الموسيقيين الثلاثة الكبار الذين صنعوا مجد "فيينا الحمراء" في مجال الموسيقى عند بدايات القرن العشرين، واشتغلوا معاً على نشر الموسيقى التسلسلية، وتلك الاثنى عشرية، إلى جانب آرنولد شونبرغ وآلبن برغ.

لكن، لئن كان رفيقاه الكبيران قد نوّعا، فبرع شونبرغ في الرسم والكتابة والأوبرا إلى جانب التأليف الموسيقي الخالص، وركّز آلبن برغ على بعض الأعمال الأوبرالية التعبيرية، ومن ضمن ذلك رائعته "لولو" التي حوّلت أفلاماً سينمائية منذ بدايات السينما الناطقة على الأقل، فإن أنطون فيبرن كتب في حياته أعمالاً تضاهي الموسيقى الأوركسترالية التي أبدع فيها إلى درجة أثارت غيرة شونبرغ واهتمام الفيلسوف آدورنو، وجعلت في عداد متابعيه كلاً من ميسّيان وبيار بوليه وغيرهما.

وإذا كان اسم فيبرن قد ارتبط بمؤلفاته، خصوصاً في مجال الموسيقى الاثنى عشرية، فإن قطعته الأشهر تبقى تلك التي كتبها قبل ذلك، ممهداً فيها لولادة الاثنى عشرية، ونعني بها "ست قطع للأوركسترا الكبيرة" التي عزفها للمرة الأولى في فيينا ربيع عام 1913 تحت قيادة شونبرغ تحديداً. ثم عدّلها وبشكل شبه جذري ليقدّمها من جديد عام 1929 مع إضافات يمكن اعتبارها اثنى عشرية.

الغضب وسيلة للإبداع
مهما يكن، فإن كتابة هذه القطعة التي تنقسم إلى ستة فصول، تتسم الثلاثة الأولى منها بحركة صاخبة، وإن كانت متفاوتة في إيقاعها، بينما تتكوّن الرابعة من مارش جنائزي يتلوه لحن بطيء الإيقاع، يبدو كأنه دعوة إلى التأمل في ما تعنيه الموسيقى الجنائزية، تمهيداً للحركة الأخيرة التي تعود إلى شيء من الإيقاع المتسارع، إنما في عذوبة لا شكّ فيها.

ورغم أن هذا التقسيم وإدخال العنصر الجنائزي يوحيان بموسيقى عاطفية، فإنّ العمل كله أتى بارداً، تلك البرودة التي سوف تسم موسيقى التيار الاثنى عشري كله، حتى من دون أن يقصد فيبرن ذلك. فهو إنما لحّنها أصلاً نوعاً من الرد على العاطفية المفرطة التي كان خلال السنوات السابقة يندد باستشرائها في موسيقى سكريابين ورمسكي كورساكوف وغيرهما، وصولاً إلى ريتشارد شتراوس وديبوسي، من الذين كان في أعمالهم قدر كبير من "ميلودراما رومانطيقية" حسب تعبيره. ومن هنا قد يحق لنا أن نقول إن حداثة النصف الأول من القرن الماضي الموسيقية برمتها، وُلِدت من رحم تلك القطعة ومن دون قصد!

كان أنطون فيبرن واحداً من كبار موسيقيي النصف الأول من القرن العشرين. كان مهماً، مؤلفاً وملحناً لكن أيضاً قائد أوركسترا، غير أنه عانى كما يعاني عادة تلاميذ الكبار، تلمذته على يد شونبرغ، المبتكر التقني على أي حال للموسيقى الاثنى عشرية، الذي ألقى بظله على التأليف الموسيقي في بدايات هذا القرن، وصار أي تأليف من أوروبا الوسطى على الأقل غير قادر على أن تكون له أهميته ومكانته إن لم ينتسب إليه سلباً أو إيجاباً. فيبرن كان واحداً من أبرز تلاميذ شونبرغ، وارتبط به اسمه، لكن حين حاول أن يحلّق وحده، وراح يبتعد عن تعاليم أستاذه، لم يتمكّن من ذلك طويلاً، رغم أن النقاد والجمهور كانوا يستقبلون أعماله "المستقلة" بكل ترحاب وإعجاب. كان شيء ما يربط تلك العلاقة بين فيبرن وشونبرغ، ما كان يمزِّق الأول ويشعر الثاني بتفوّقه الدائم على تلميذه.

وفاء تلميذ
مهما يكن، فإنّ العلاقة لم تكن أبداً تناحرية، بل إنّ فيبرن ظل يحفظ لأســتاذه الكبير فضله عليه، إلى درجة أنه في عام 1941 حين كان في أمسّ الحاجة إلى العمل، وقد بات فقيراً مُعدماً بعد أن سدّ عليه وجود النازيين في الحكم كل منفذ، سعى أصدقاؤه لتعيينه في منصب أستاذ للموسيقى بأكاديمية فيينا، ففرح بالأمر أولاً، لكنه سرعان ما رفض المنصب، لأن مســـؤولي الأكاديمية اشـــترطوا علـــيه، أول ما اشترطوا، أن لا يأتي خلال التدريس على أي من تعاليم شونبرغ. وهذا ما جعله يعيش بعد ذلك في عـزلة تامة وبؤس مذهـــل حتى مات، غداة تحرير بلـده من ربقة النازيين عام 1945 كما أشرنا، وحين وجدوه ميتاً قرب بيت ابنته في الريف كان منحنياً بهدوء إلى النافذة يتأمل غروب الشمس.

ولد أنطون فيبرن في فيينا عام 1883، ابناً لأسرة متواضعة، واتّجه منذ صباه إلى دراسة الموسيقى، وفي الجامعة درس الفلسفة والموسيقى مــعاً. ومنذ 1904 أصبح تلميذاً لشونبرغ الذي كان في قمة مجده في ذلك الحين. وبعد ذلك بعامين كان قد بدأ يكتب أولى مقطوعاته، وكانت ألحاناً لقصائد وضعها الشاعر ستيفان جورج. وكان تأثير شونبرغ واضحاً عليه منذ تلك السنوات. غير أن "القطيعة" الأولى بين التلميذ وأستاذه حدثت في 1908، حين قرر فيبرن بينه وبين نفسه أنه صار متأثراً بالأستاذ أكثر مما يجب، فراح يكتب قطعاً تخرج عن نطاق تعليمات هذا الأخير، ثم توقف بعـض الوقت عن كتابة الألحان، ليخوض تجربة قيادة الأوركسترا، فنجح نجاحاً كبيراً جعل ثقته بنفسه تعود إليه، فاستأنف كتابة الألحان، ودائماً حسب أسلوبه المتأثر بالأستاذ، وإن كان قد آثر لألحانه أن تبتعد أكثر وأكثر عن المزاج التــــعبيري الذي كان سائداً، ليخوض في نوع من العقلانية الباردة التي لا تزال تحسّ في أعماله حتى اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت بدايات فيبرن مؤلفاً مع واحدة ستصبح من أشهر قطعه، وهي "الباسكاليا" التي سرعان ما أتبعها بعدة أعمال ستكون "ست مقطوعات للأوركسترا الكبيرة" تتويجاً لها، بل عملٌ يُعرّف فيبرن حقّاً موسيقياً مستقلاً، وعلى الأقل حتى ينخرط بعد حين في الموسيقى التسلسلية والاثنى عشرية، إلى جانب شونبرغ وآلبن برغ خلال النصف الثاني من عقد عشرينيات القرن العشرين بعد عودته من الحرب الأولى.

ومن أبرز أعماله التي تعود إلى تلك الفترة "مقطوعات رباعي الوتر" (1919)، و"أربع مقطوعات للكمان والبيانو" (1910)، خصوصاً، حسب الناقد لويجي بستالوزا "ست مقطوعات لرباعي الوتر" (1910). فكل هذه الأعمال التي كتبت في وقت واحد تقريباً إنما جاءت لتعبّر عن رغبة فيبرن في كتابة أعمال ذات تعبير صوتي مطلق منعتق من كل روابط شكلية تراثية.

في 1914 جُنِّد فيبرن في الجيش، وحين انتهت الحرب أقام منذ عام 1918 بمدينة مودلنغ بالقرب من فيينا، وانصرف إلى كتابة أعماله الموسيقية وتدريس الموسيقى للأفراد، متعاوناً بعض الوقت مع معهد فيينا الخاص للموسيقى الذي كان أسسه شونبرغ. لكن ذلك التعاون سرعان ما توقّف، وعاش فيبرن فترة جمود، أفاق منها أوائل الثلاثينيات، على الرغم من اسوداد الوضع السياسي، ليغرق في كتابة أعمال جديدة، حاول فيها أن يطوّر أساليبه القديمة من دون أن يخرج عنها كلياً، فكانت المرحلة التي كتب فيها أعمالاً لا تُنسى مثل "تنويعات للبيانو" (1936)، و"تنويعات للأوركسترا" (1936) و"لاكانتاتا - العمل رقم 31" على نص من تأليف هلدغارد جون، وهذه هي الأعمال التي يرى النقاد والمؤرخون اليوم أنها تكشف عن عالم فيبرن أكثر من غيرها، وتوصّل رسالته الفنية والروحية سواء بسواء. والأعمال التي وصفت بأنها "تنقيطية" على غرار لوحات سورا، إذ لكل نغمة ونوطة قيمتها الخاصة، فيؤلف المجموع عملاً فسيفسائياً متكاملاً وجديداً.

المزيد من ثقافة