Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة نوايا وأولويات داخل بيت الطب المصري و"أبقراط" حائر

اتهامات متبادلة من التسييس إلى "الفراغ العاطفي" والأطباء بين بروتوكول "عجيب" وسيف الواجب

بروتوكول وزارة الصحة المصرية في التعامل مع الأطقم الطبية أثار جدلا واسعا (أ ف ب)

معركة حامية، بها العديد من المواد سريعة الاشتعال والمكونات القابلة للكسر والمسبّبة للقيل والقال. جذورها ثأر قديم، وجبهتها مئة مليون مصري ويزيد، وأدواتها بَدَلات وحقوق وإمكانات وقرارات معطّلة وأخرى مفعّلة. أما وقودها فـ"كورونا"، ويؤججها تسييس، ويضرم المزيد من النار فيها هوة آخذة في الاتساع مع جبهات إعلامية متربصة وأخرى مستقطَبة وثالثة تعاني الأمرين، حيث نقص معلومات حيناً وتضاربها أحياناً.

تضارب معلومات

تضارب المعلومات الصحية والتفاصيل الطبية الواردة من كل من وزارة الصحة والسكان المصرية ونقابة الأطباء ليس وليد الأمس القريب الذي شهد وفاة الطبيب رقم 15، اختصاصي أمراض النساء والتوليد في مستشفى المنيرة العام، الدكتور وليد عبد الحليم (32 عاماً)، وبعده بساعات الطبيب رقم 16، طبيب النساء والتوليد أيضاً، الدكتور أحمد النني، ثم لحق به الطبيب رقم 17، اختصاصي الحميات في مستشفى إمبابة، الدكتور محمد عبد الباسط الجابري، لكنه وليد أشهر عدة منذ تولّت وزيرة الصحة والسكان، هالة زايد، حقيبتها الوزارية، وقبلها سنوات من ضبابية دور النقابات المهنية مع خلط العمل النقابي بالسياسة.

ومنذ الإعلان عن سياسات وزارة الصحة والسكان المصرية في شأن الأطقم الصحية المخالطة لمرضى فيروس "كورونا المستجد" أو "كوفيد- 2019"، التي باتت تعرف بـ"بروتوكول وزارة الصحة في التعامل مع الأطقم الصحية"، ونيران الخلافات وتبادل الاتهامات والزجّ بالإعلام للدفاع عن كل طرف في مواجهة الطرف الآخر لا تهدأ. يشير البروتوكول الأزمة الصادر قبل أيام من وزارة الصحة والسكان إلى إلزام المستشفيات عدم أخذ مسحات من المخالطين من الأطقم الطبية للحالات الإيجابية المكتشفة. كما لا يصرح بعزل المخالطين منهم، بل يكتفي بتطهير الأماكن الموجود بها الحالة الإيجابية المكتشفة، وعدم الحاجة إلى إغلاق المنشأة أو الأقسام التي ظهرت فيها الحالة المرضية لأفراد الطواقم الصحية.

البروتوكول العجيب

البروتوكول - الذي وصفه البعض بالعجيب ونعته البعض الآخر بالمريب - جاء بمثابة القشة التي قصمت ظهر الأطباء والفرصة الذهبية التي ألقيت في ملعب نقابة الأطباء لتعاود تصويب نيرانها تجاه الوزارة لتصفية خلافات سابقة وضمان حقوق لاحقة خلال التعامل مع أزمة الفيروس الحالية. حالياً، ومنذ بدء تفشي "كورونا" وتحوّله إلى "جائحة" تصيب الملايين حول العالم وتحصد آلاف الأرواح، والنقابة والوزارة والشعب في حالة استنفار صحي. لكن الاستنفار في صفوف الأطباء يعطّله حيناً نواقص في الإمكانات، ويعرقله حيناً آخر خلاف في الأولويات مع وزارة الصحة، وتشوبه شبهات تسييس واتهامات صيد في مياه عكرة من جهة وتبرير ما لا ينبغي تبريره من باب الوطنية وتأييد الدولة المصرية من جهة أخرى، مع الدقّ من كل الجهات على وتر "سيادة الرئيس".

"سيادة الرئيس"

مناشدات لـ"سيادة الرئيس" للتدخل لحل أزمة الممارس العام تارة، ونظام البَدَلات تارة أخرى، وحقوق الأطباء والطبيبات دائماً، التي دخلت منعطفاً خطيراً. فمع تواتر الوفيات في صفوف الطواقم الصحية الناجمة عن التعامل مع مرضى "كورونا"، وزيادة البروتوكول الصادر من وزارة الصحة طين الإصابة بلة، قال أمين عام النقابة، الدكتور إيهاب الطاهر، إن هناك "دعايات ممنهجة لمحاولة إيهام الأطباء بأن مسؤولية علاجهم تقع على كاهل نقابتهم". وأضاف أن الغرض من هذه المحاولات (المنسوبة إلى وزارة الصحة والسكان) هو رفع المسؤولية عن كاهل الوزارة. ومضى قدماً في الهجوم على الوزارة بقوله إن "هذه الدعايات لن تنطلي على الأطباء الذين يعلمون جيداً أن أموال النقابة هي أموال الأطباء، وأن موارد النقابة كلها لن تكفي لعلاجهم، كما يعلمون أيضاً أن أموال اتّحاد نقابات المهن الطبية هي أموال معاشات الأطباء، ومن هذه الأموال تم إقرار دعم لكل من يصاب أو (يستشهد) بسبب الوباء".

 

الوباء الذي بدأ يشحذ همته للنيل من أفراد الطواقم الصحية دفع نقابة الأطباء قبل أيام إلى مطالبة الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية القيام بدورها في حمل وزارة الصحة على القيام بدورها في حماية الأطباء، وسرعة توفير مستشفيات عزل خاصة بهم لضمان سرعة علاجهم "لأن هذا حق أصيل لهم، وأيضاً حتى يعودوا لتحمل المسؤولية في الدفاع عن سلامة الوطن". وحذرت النقابة من تزايد وتيرة الغضب بين صفوف الأطباء لعدم توفير الحماية لهم، ما قد يؤثر سلباً على تقديم الرعاية الصحية. وصعّدت من حدة التهديدات المموهة خلف التحذيرات، التي تدور في فلك التلويح بانهيار المنظومة الصحية تماماً، الذي يتحمّل مغبته "استمرار هذا التقاعس والإهمال من جانب وزارة الصحة حيال الطواقم الطبية".

قطبا المنظومة الصحية

الطواقم الطبية المتنازع عليها هذه الآونة من قطبي المنظومة الصحية في مصر باتت موضوع الساعة و"ترند" الموضوعات الأكثر قراءة و"الهاشتاغ" الأكثر تفاعلاً من الجميع. الطبيب الشاب المتوفى، الدكتور وليد يحيى عبد الحليم، دفع بالأزمة القائمة إلى مستويات أعلى. فقد ملأ زملاؤه وزميلاته في مستشفى المنيرة أثير مواقع التواصل الاجتماعي تهديدات وصوراً لنص استقالات جماعية. يشير نص الاستقالة - التي تلقتها وسائل إعلام غربية وغير غربية عدة- إلى أن أطباء مستشفى المنيرة يتقدمون باستقالتهم لتعنت وزارة الصحة في التعامل معهم خلال جائحة كورونا، ولما أصدرته الوزارة من قرارات تعسفية في شأن عمل تحليل الـPCR وإجراءات العزل للأطباء المصابين، وهو ما أدى إلى وفاة ما يزيد على 18 طبيباً وغيرهم من أفراد الأطقم الصحية. كما احتوى نصّ الاستقالة الموجه إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام إشارة إلى "عنت الوزارة في توفير المسلتزمات الوقائية للأطقم الصحية، وتكليف العديد من الأطباء في غير تخصصاتهم من دون تدريب أو بروتوكول واضح للتعامل مع الحالات المصابة". كما تمت الإشارة إلى "التهديد المستمر للأطباء بالإجراءات الإدارية التعسفية بالإضافة إلى التهديد الأمني".

فراغ عاطفي

المثير أن مدير مستشفى المنيرة العام - المنسوب لأطبائه الاستقالة الجماعية- الدكتور أشرف شفيع، لم يكتفِ بنفي حدوث أي استقالات، بل وصف المنشور المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الفراغ العاطفي الذي يعانيه البعض ويعبّر عنه على فيسبوك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فراغ آخر تدور رحاه على "فيسبوك" أيضاً، ولكن على هيئة حلقات مفرغة عبارة عن اتهامات واتهامات مضادة يتقاذفها أطباء ومواطنون عاديون تكشف قدراً غير قليل من التسييس وتعري جانباً من الجوانب المسكوت عنها في الصراع المكتوم الدائرة رحاه بين النقابة والوزارة. الفريق الموالي، الذي يرى في نقابة الأطباء نموذجاً للمعارضة السياسية المتراوحة بين الوقوع في براثن الأعضاء من المنتمين والمتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين أو هيمنة التيارات الثورية، يرى أن الطبيب الراحل رفض التوجه إلى أحد مستشفيات العزل وقت تشخيصه بأنه مصاب، وأنه حين تم نقله للعناية الفائقة بعد تدهور حالته رفض الطبيبان المتابعان لحالته متابعته من داخل غرفة العناية، بل كانا يبلغان طاقم التمريض بما ينبغي عمله هاتفياً. في المقابل، فإن الجبهة المضادة رأت أن الطبيب توفي بسبب تقصير وزارة الصحة في توفير الكشف السريع والعلاج اللازم. وبالطبع تتصاعد التراشقات وتحتدم الاتهامات بين تبرير دور الحكومة والنظام السياسي ممثلين في وزارة الصحة وأن هذا هو دور الطبيب المعالج لا سيما في زمن الأوبئة والجوائح وأن التلويح بورقة الاستقالة وممارسة الضغوط في وقت كهذا هو خيانة لقسم "أبُقراط" والوطن والمواطنين، وبين تحميل الوزارة والحكومة والدولة برمتها مسؤولية وفيات الأطباء وانهيار النظام الصحي.

استقطابات وتحزّبات

وعلى غير عادة الاستقطابات والتحزّبات والتصنيفات، إما مع الوطن ومن ثم الامتناع عن الانتقاد والتوقف عن الاعتراض، أو ضد الوطن وبالتالي الانتقاد والاعتراض، اتخذت لجنة الصحة في مجلس النواب (البرلمان) المصري موقفاً مؤيداً للأطباء ومسائلاً لوزارة الصحة، وطالبتها بمراجعة البروتوكول الخاص بالطاقم الطبي ومعايير مكافحة العدوى، وتوفير كل أوجه الوقاية، ليس فقط في مستشفيات العزل بل في جميع المستشفيات مع تفعيل غرفة لفرز المرضى قبل دخولهم المستشفيات العامة،  وتذليل المصاعب التي تواجههم في عملهم الخطير.

خطورة الموقف تفاقمت بخروج وزيرة الصحة والسكان في مصر، هالة زايد، بعد أيام كثيرة من تواتر وفيات عدد من الأطباء لتنعى من أسمتهم "شهداء الواجب" الذين توفوا أثناء تأدية الواجب الوطني للتصدي لفيروس كورونا المستجد، وقالت إن "الدولة لن تنسى تضحياتهم الثمينة، التي أصبحت وساماً على صدورنا". كما تقدمت بالشكر للأطقم الطبية كافة والعاملين في كل مستشفيات مصر وأسرهم على ما يبذلونه من جهد وإخلاص لحماية بلدهم والتصدي لفيروس كورونا. وتحدثت عن "تذليل التحديات" و"تطبيق البروتوكولات" و"اتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة العدوى"، وكأنها سياسة الوزراة المعتادة، من دون الإشارة إلى أن هذه النقاط هي مربط فرس الخلاف الحالي.

 

ومضت زايد قدماً في تبييض وجه الوزارة وعملها مشيرة إلى أنه مع بداية الجائحة حرصت على تخصيص طابق في كل مستشفى عزل بسعة 20 سريراً لعلاج المصابين من الأطقم الطبية، لافتة إلى أن الوزارة تسعى جاهدة لحماية أطقمها الطبية أثناء مواجهتم لفيروس كورونا المستجد، "وذلك طبقاً لتوجيهات القيادة السياسية ورئيس الوزراء بتوفير أقصى سبل الرعاية للأطقم الطبية".

هوة سحيقة

حديث الوزيرة سلّط المزيد من الضوء على الهوة السحيقة بين الوزارة والنقابة والخلافات المتشعبة بين الوزارة والأطباء بشكل عام. فقد بدا من الواضح أن كلمات الوزيرة محاولة لتهدئة الأطباء وتدبير الموقف بأقل خسائر خلافية وإعلامية وسياسية ممكنة. ففي تلك الأثناء كانت قنوات ومواقع عدة معروفة بتحيزها الكامل لجماعة الإخوان المسلمين تتداول منشورات وبيانات نقابة الأطباء ووفيات الأطباء المصريين باعتبارها انهياراً للمنظومة الصحية، وفشلاً للنظام المصري، وقتلاً للمصريين. وتحوّلت نقابة الأطباء في هذه المنصات الإعلامية الموجهة إلى بطل مغوار في ظل "النظام السياسي الظالم" و"الانقلاب الغاشم"، وهو ما أفقد النقابة قدراً من مصداقية مطالبها المنصفة للأطباء والحامية لهم في أثناء مواجهة الفيروس.

تسييس العمل النقابي

نقابة الأطباء جرى اتهامها طويلاً بتسييس العمل النقابي، حيث هيمنت عليها لسنوات طويلة كوادر جماعة الإخوان المسلمين، ثم هيمنت عليها تيارات ثورية. يشار إلى أن صداماً عنيفاً حدث بين النقابة والوزارة في يناير (كانون الثاني) الماضي حين فقدت ثلاث طبيبات من محافظة المنيا (جنوب مصر) حياتهن في حادث سير مأساوي. وقتها حمّلت النقابة الوزراة مسؤولية الحادث متهمة إياها بالتعسف في مطالبة الطبيبات بالسفر في ساعات الصباح الأولى للحاق بدورة تدريبية غير حيوية، وكان يمكن عقدها عبر الإنترنت مع عدم توفير وسيلة مواصلات مناسبة. وما كان من وزارة الصحة إلا أن تقدمت ببلاغ للنائب العام ضد النقابة لتتهمها بتكدير الأمن العام عبر اختلاق الأكاذيب، وافتعال الأزمات وإثارة الأطباء وتعمد إفشال جهود الوزارة التي تهدف إلى الارتقاء بالمستوى التعليمي والمهني لمنتسبيها.

 

واتهمت الوزارة النقابة بتحريض الأطباء على عدم حضور الدورات التدريبية بشأن التعامل مع حالات الإصابة بكورونا، وإقناعهم بعدم الانضمام للأطقم الصحية في الحجر الصحي المخصص للعائدين من الخارج.

عراك مكتوم

لكن يظل كل ما سبق حلقة ضمن سلسلة من العراك المكتوم بين النقابة والوزارة. فكلما اتخذت الوزارة تحت قيادة زايد قراراً خاصاً بالأطباء اعترضت النقابة، وكلما اعترضت النقابة تم تصنيفها باعتبارها مخبأً للإخوان وملجأً للثوريين... وهلم جرا.

يشار إلى أن الحلقة الحالية من الاحتقان يتم فيها استغلال إصابة الفنانة رجاء الجداوي بالفيروس ونقلها إلى أحد مستشفيات العزل. فقد دقت جموع المعارضين لوزراة الصحة والمصطفين خلف النقابة على أوتار "ألا يستحق الأطباء أن يحظوا بمعاملة مثل الفنانين، في الأقل حتى يجد الفنانون من يعالجهم وقت مرضهم؟"، في حين اتهمهم الواقفون على الجبهة المضادة بالتهييج والتسخين والصيد في المياه العكرة.

وبين وزارة تأخرت في اتخاذ خطوات واقية كافية للأطباء، ونقابة أفرطت في تسييس الأمور، وأطباء حائرين بين شعور بالظلم من قبل الوزارة، وتأجيج مشاعر الغضب والرغبة في الاحتجاج والاحتجاب من قبل النقابة، وتعامل مع فيروس غير معلوم المعالم، تستمر الأزمة معبّرة عن نفسها عبر هاشتاغات متناحرة، حيث "أقيلوا وزيرة الصحة" أو "تعظيم سلام لهالة زايد"، و"نقابة الأطباء ملتقى الأحرار" و"نقابة الأطباء مستنقع إخوان"، تمضي الأزمة في زمن كورونا قدماً في انتظار ما يتوقعه كثيرون، ألا وهو تدخّل "سيادة الرئيس".