Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحذير بري من الفيدرالية في لبنان يذكر بطروحات الحرب

"حزب الله" يؤيد رئيس البرلمان بعد خلافات مع "التيار الحر"

دعا بري إلى "تحرير قطاع الكهرباء من المذهبية والطائفية والمناطقية والفيدرالية والكونفيدرالية" (رويترز)

لماذا حذر رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري قبل يومين من "الأصوات النشاز التي بدأت تعلو في لبنان منادية بالفيدرالية كحل للأزمات التي يئن تحت وطأتها لبنان"؟

فحديث الفيدرالية في لبنان يتسم بحساسية عالية وصولاً إلى اعتباره من قبل بعض الأوساط السياسية، لا سيما في الساحة الإسلامية، بأنه يعبر عن اتجاه تقسيمي يذكر بأيام الحرب الأهلية التي وقعت بين عامي 1975 و1990، والتي أنهاها اتفاق الطائف باتفاق (وثيقة الوفاق الوطني) على توزيع جديد للسلطة والصلاحيات بين مواقع الحكم في النظام الطائفي اللبناني، في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي المواقع الإدارية العليا، سواء بالنص أو بالعرف. 

بري كان يتحدث يوم الجمعة 22 مايو (أيار) في رسالة وجهها لمناسبة عيد الفطر، وعشية "عيد التحرير" الذي يصادف في 25 مايو، يوم انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وهو اليوم الذي يحتفل فيه لبنان كل سنة.  ووجه بري كلامه إلى قوى لم يسمها، لكن سياق كلمته عاد فأوضح من يقصد حين ربط ثانية مشاريع الفيدرالية في لبنان بالخلافات حول أزمة الكهرباء التي يعيشها البلد منذ سنوات، فبدا واضحاً أنه يقصد بكلامه "التيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل.

المحاصصة و"فيدرالية" الكهرباء

ودعا بري في معرض تعداده لمجموعة خطوات مطلوبة من حكومة الرئيس حسان دياب، إلى "تحرير قطاع الكهرباء من عقلية المحاصصة المذهبية والطائفية والمناطقية والفيدرالية والكونفيدرالية، والإسراع في تعيين مجلس إدارة جديد وهيئة ناظمة للقطاع، ارتكازاً على قواعد الكفاءة والاختصاص ونظافة الكف عبر إدارة المناقصات في كل المناقصات". إذ إن باسيل الذي تولى هو شخصياً (2009- 2010)، وبعده وزراء من تياره ملف الكهرباء في وزارة الطاقة حتى 2019 يصر على بناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في بلدة سلعاتا الشمالية على ساحل قضاء البترون الذي ينتمي إليه، في وقت يعتبر خبراء ومعهم بعض الفرقاء السياسيين، أن لا ضرورة لبناء تلك المحطة لأنه يكفي لتأهيل قطاع الكهرباء في لبنان بناء محطتين جديدتين في منطقة دير عمار – البداوي في محيط مدينة طرابلس الشمالية، وفي منطقة الزهراني الجنوبية، بدلاً من ثلاث محطات، مما يوفر مبلغاً كبيراً من المال على الخزينة اللبنانية التي تمر في ظروف حرجة وفي ظل إفلاس الدولة اللبنانية جراء التوسع في الديون وهدر المال العام بالتنفيعات والفساد. ففي المنطقتين المذكورتين هناك أراض مملوكة من الدولة عليها محطتين قديمتين، بينما في سلعاتا على الدولة استملاك أراض من المواطنين تبلغ قيمة تعويضاتها زهاء 400-450 مليون دولار أميركي.

وأكثر القادة الذين دفعوا باتجاه الاكتفاء بمحطتين هو بري، الذي وافقه رئيس الحكومة حسان دياب وعدد من الوزراء، فجرى التصويت في مجلس الوزراء في 14 مايو على صيغة تأجيل بناء محطة سلعاتا إلى مرحلة لاحقة، فحازت على الأكثرية مقابل انفراد الوزراء المحسوبين على "التيار الحر" بالتصويت لمصلحة الإبقاء على المحطة الثالثة في سلعاتا. لكن باسيل رفض هذه النتيجة وأصر في مؤتمر صحافي عقده الأحد في 17 مايو على وجهة نظره وصولاً إلى القول إن لا كهرباء 24 ساعة على 24 ساعة في لبنان من دون محطة سلعاتا. وأصر على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن يعيد طرح الموضوع على التصويت في مجلس الوزراء في الجلسة اللاحقة، ما كاد يتسبب بأزمة مع دياب الذي اعتبر الأمر غير دستوري ولا يجوز إعادة مناقشة أمر جرى التصويت عليه.

ويعتبر الوسط السياسي أن باسيل يصر على موقفه من باب الإلحاح على وجود محطة توليد الطاقة في منطقة مسيحية، بحسب ما قال رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية في موقفه الهجومي ضد باسيل قبل 10 أيام. وفرنجية كان حليفاً لـ "التيار الحر" وقال إنه حين كان يسأل عن الفائدة من إقامة محطة توليد الكهرباء في سلعاتا "كانوا يهمسون في إذننا أنها للمسيحيين". هذا الكلام زاد شكوك بعض الأوساط بأن "التيار الحر" يعمل على الإفادة من وجوده في السلطة من أجل تركيز بعض البنى التحتية للخدمات في مناطق مسيحية، حتى لو كانت قريبة من مناطق إسلامية تتوافر فيها تلك الخدمات.

ملاحظات بري تصيب عصفورين بحجر؟

ومع أن رئيس البرلمان كان يوجه انتقادات إلى حكومة دياب التي يشارك فيها عبر وزيرين ويطرح ملاحظات وصفتها مصادر نيابية مقربة منه بأنها قاسية، فإنه أراد إصابة عصفورين بحجر واحد في كلمته التي تقصد تضمينها تلك الملاحظات.

الأول الرد على بيان للرئيس دياب أذاعه قبل يوم واحد وعدد فيه ما اعتبره إنجازات حكومته خلال اـ 100 يوم الأولى من نيل حكومته ثقة البرلمان، فرأى بري "أنه آن الأوان أن تنطلق الحكومة بعمل ميداني بعيداً من الخطط والبرامج الورقية"، مؤكداً أن "المطلوب أعمال أكثر من الأقوال".

فالانطباع العام في الوسطين الإعلامي والسياسي حيال جردة دياب لما حققته حكومته أنها تناولت خطوات نظرية وأنها تضمنت "حشواً كلامياً" في وقت ما زالت تتخبط في قراراتها وفي خطتها للتعافي الاقتصادي بدليل اختلاف أرقامها عن الخسائر المالية للخزينة، ولمصرف لبنان المركزي والمصارف اللبنانية جاءت مخالفة لأرقام المصرف المركزي، خلال المفاوضات التي عُقدت ست جلسات منها حتى تاريخه مع صندوق النقد الدولي لطلب المساعدة المالية منه في إطار برنامج إصلاحي خضع للكثير من الانتقادات... فضلاً عن أن وعودها بضبط الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الغذائية لم تتحقق في ظل الأزمة المعيشية التي فرضتها الأزمة المالية.

بين اللامركزية الإدارية واللامركزية المالية

لكن العصفور الثاني الذي أصابه بري هو بيت القصيد، حين رد على ما يعتبره من المحرمات بالحديث عن الفيدرالية لأنها تأخذ منحى تقسيمياً. لم يخف بري أمام بعض زواره الذين أوضحوا لـ "اندبندت عربية" أنه قلق من بعض الإشارات التي بلغته عن توجهات نحو صيغة فيدرالية في بعض الأوساط. ويقول هؤلاء إنه يراقب منذ مدة معطيات عن لقاءات تحصل وتتناول هذا التوجه من رموز وقيادات مسيحية تعمل على إيقاظ طروحات جرى تداولها خلال فترة الحرب الأهلية. ويستذكر هؤلاء جوانب ولى زمانها وكيف أن "القوات اللبنانية" عملت خلال سيطرتها على المناطق المسيحية إبان الانقسام الجغرافي بين المتحاربين، كيف عززت الأخيرة سلطتها على تلك المناطق وأقامت فيها نوعاً من الإدارة الذاتية. وهي طروحات أعلنت "القوات" بعد الحرب، أنها تخلت عنها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن ورقة "إعلان النوايا" بين حزب "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" التي توصل إليها الطرفان في يونيو (حزيران) 2015، ومهدت لانتخاب عون للرئاسة في 2016، نصت على "اعتماد اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة ونقل قسم كبير من صلاحيات الإدارة المركزية ولا سيما الإنمائية إلى سلطات لا مركزية منتخبة وفقاً للأصول وتأمين الإيرادات الذاتية اللازمة"، على الرغم من تأكيدها التزام اتفاق الطائف.

ويشير بعض السياسيين الذين التقوا بري في الآونة الأخيرة إلى أنه أبدى قلقه من معلومات لديه عن عودة "هذه النغمة" لمناسبة الأزمة الاقتصادية المالية التي تعصف بلبنان. كما يشيرون إلى كلام النائب باسيل في مؤتمره الصحافي الأخير عن اللامركزية الإدارية و"المالية" في وقت ينص اتفاق الطائف على تحقيق اللامركزية الإدارية فقط. وهو موضوع أخذ جدلاً أثناء اجتماعات البرلمانيين اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية عام 1989 حين قاموا بصوغ "وثيقة الوفاق الوطني" لإنهاء الحرب.

فاللامركزية المالية تتيح قدراً أعلى من الاستقلالية للمناطق على المستوى الإنمائي وتحصيل الضرائب والرسوم والاستثمارات، وبالتالي الإمساك بالسلطة.

قانون انتخاب لا طائفي

ويضيف زوار بري، لم يكن عن عبث أن أثار رئيس المجلس النيابي هذا العنوان في كلمته لمناسبة عيد التحرير، وهو رد سياسياً على تجديد هذه الطروحات حين دعا الحكومة إلى "إعادة انتاج الحياة السياسية انطلاقاً من إقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي يؤمن الشراكة للجميع على قدم المساواة وذلك ارتكازاً على قاعدة النسبية ولبنان دائرة انتخابية واحدة وإنشاء مجلس للشيوخ تمثل فيه كل الطوائف بعدلٍ ومساواة إنفاداً لما نص عليه اتفاق الطائف تمهيداً لدولة مدنية".

"المؤتمر الدائم للفيدرالية"

والتوجه نحو الطرح الفيدرالي في لبنان ما زال موجوداً في شكل علني نتيجة تحرك تقوم به هيئة تسمى "المؤتمر الدائم للفيدرالية" ينشط أمينها العام الدكتور ألفرد رياشي إعلامياً وسياسياً للترويج للصيغة الفيدرالية. وهو يعتبر أن "اتفاق الطائف انتهى والحل سيكون عبر تبني النظام الفيدرالي الاتحادي". وتردد أن رياشي التقى قياديين من "حزب الله" وناقش معهم أفكاره. وهو رد على كلام بري بالقول: "أنت حال النشاز الوحيدة التي تتكلم عن شيء لا تعرف معناه أو لأسباب باطنية مثل طرحك المتعلق بقانون انتخابات خارج القيد الطائفي والذي يهدف لإلغاء المكونات. لذلك نقول لك إن العدالة والمساواة آتية لا محالة ولن يقف بوجهها أي فاسد أو أي شخص يناهض الديمقراطية".

ويعقد رياشي اجتماعات مع الأحزاب المسيحية تتناول دراسات حول صيغ الفيدرالية وتجاربها.

علاقة "حزب الله" و"التيار الحر" ليست بخير

إلا أن أوساطاً سياسية اهتمت بأبعاد ما ذهب إليه بري أوضحت أن "حزب الله" ليس بعيداً عما أعلنه، نظراً إلى أنه منزعج من حليفه المسيحي "التيار الوطني الحر" ومن حملات قادها بعض رموز "التيار" على الحزب في الأيام الماضية، بسبب تصويت وزيريه في مجلس الوزراء ضد شمول خطة تأهيل الكهرباء لمحطة سلعاتا، وعدم تدخل الحزب لدى حليفه الآخر سليمان فرنجية كي يتوقف عن الهجوم على "التيار الحر"، وعلى باسيل. فالعلاقة بين الحليفين ليست بخير. إذ سجلت مجموعة من المواقف اللافتة تشهد على اهتزاز علاقتهما. النائب في "التيار" زياد أسود قال، "لا نستطيع أن نستمر حاملين بارودة وشعبنا جوعان"، ورأى أن "ثمن وجود سلاح حزب الله يدفعه اللبنانيون ولا يستطيع الحزب وحده أن يصمد إذا لم يتوافر تضامن وطني حوله". كما أشار إلى التناقض بين المقاومة وبين الفساد. وكان سبقه انتقاد وجهه عضو المجلس السياسي في "التيار" ناجي حايك. ولفت حديث النائب في "التيار" ألان عون عن "ضرورة وضع الاستراتيجية الدفاعية ومرجعيتها الدولة اللبنانية وليس كل واحد فاتح على حسابو". ولاحظ النائب في "التيار" جورج عطا الله أن على الرغم من التحالف الاستراتيجي هناك موقف رافض لإقامة محطة الكهرباء في سلعاتا.

وهي مواقف استمرت في التناسل على وقع اجتماع عقده مسؤول الارتباط والتواصل في "حزب الله" وفيق صفا مع باسيل، إذ تردد أنه اتفق على أن ما يصدر من ملاحظات من نواب "التيار" نتيجة تباينات، لا يغير في التحالف الاستراتيجي بين الجانبين. إلا أن هذا لا يلغي أن اهتزازاً حصل في العلاقة، من دون فك التحالف.

المزيد من تحلیل