Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يعيد صناعة كعك العيد إلى بيوت المصريين

عودة إلى الوصفات المنزلية للأمهات والجدات واجتماع مبهج للعائلة

لا يكتمل العيد في مصر من دون الكعك فلآلاف السنين ارتبطت أيامه به وتعاقبت العصور وبقي أحد رموز بهجة العيد، ولسنوات طويلة كانت صناعة الكعك تتم منزلياً بيد الأمهات والجدات في جلسات عائلية سنوية ينتظرها الكبار والصغار على السواء، وكانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان تشهد شراء كميات من الدقيق والسمن والسكر استعداداً ليوم عمل الكعك الذي يمتد في سهرة طويلة من بعد الإفطار وحتى طلوع الفجر في عملية تشهد خطوات متعددة من العجن والتقطيع سواء في القوالب الجاهزة أو بالشكل اليدوي التقليدي القديم لينقش بعدها عن طريق (المنقاش) الذي يشكل نقوشاً غير منتظمة ونقوشاً في القلب لذكريات لا تنسى طوال العمر لتجمّع العائلة والبهجة والعيد.

ومع مرور السنوات وتغير الأحوال بدأت عملية صناعة الكعك المنزلي تتقلص بدرجة كبيرة ويحل محلها الجاهز، الذي تتفنن محلات الحلوى في صناعته في الأيام الأواخر من شهر رمضان ويختفي اجتماع العائلة السنوي لصناعته ليحل محله زحام شديد تشهده محال الحلوى لشرائه في الأيام الاخيرة من رمضان، غي أن في هذه الأيام وفي ظل أزمة وباء كورونا، فإن الوقت الطويل الذي يمضيه الناس في المنازل بسبب الحظر من جانب مع قلق البعض من شراء المأكولات الجاهزة من جانب آخر، دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة إحياء الطقس القديم وصناعته منزلياً لتخرج القوالب والمناقيش التي تم تخزينها لسنوات ولتمتلئ المنازل بأطباقه المنزلية التي افتقدتها لوقت طويل وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بوصفات الأمهات وبصور أطباق الكعك التي تشاركها النساء بسعادة كاستعادة للذكريات.

اختلاف في الأسعار

أسعار متفاوتة تشهدها محال الحلوى هذا العام لكعك العيد، حيث يصل سعر الكيلو للأنواع المحشوة بالفستق والجوز إلى 170 جنيهاً (11 دولاراً تقريباً) وللأنواع المحشوة بالملبن والعجمية إلى حوالى 110 جنيهاً (7 دولارات تقريباً) بينما سعر الكعك السادة في حدود 80 جنيهاً (5 دولارات) وبالطبع تختلف الأسعار وتتفاوت طبقاً للمناطق السكنية ولمحال الحلوى ذاتها والخامات التي تستخدمها إلا أن السمة العامة هي الارتفاع النسبي للأسعار وبخاصة في ظل الوضع الحالي الذي يعاني كثيرون خلاله من أزمات اقتصادية.

تقول نهى سيدة في الأربعين من عمرها "لسنوات طويلة انقطعنا عن عمل الكعك في المنزل، فكنا نشهد هذا اليوم ببهجة كبيرة ونحن صغار ولكن منذ زواجي منذ حوالى أربعة عشر عاماً، هذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بصناعته منزلياً بسبب تخوفي من شراء الطعام الجاهز بشكل عام وعدم رغبتي في الذهاب إلى أماكن مزدحمة، ووجدت بعد شراء الخامات المطلوبة أن الأمر يبدو أوفر كثيراً من الأرقام المبالغ فيها لمحال الحلوى كما أن أولادي سيشهدون هذا الحدث ويشاركون فيه للمرة الأولى التي أنوي ألا تكون الأخيرة وأن نعيد إحياء هذا الأمر".

وتضيف "الأزمة الحالية التي نعاني منها دفعتنا إلى التقاط الأنفاس وإعادة تقييم نمط حياتنا الاستهلاكي بشكل مبالغ فيه، الذي تخلينا خلاله عن كثير من العادات المصرية الجميلة ومنها إعداد كعك العيد في المنزل".

 

اجتماع الأجيال

دائماً ما كانت أعياد المصريين ترتبط بنوع من الطعام وكعك العيد هو الأكلة التي يتفق عليها جموع المصريين في كل أنحاء البلاد من شمالها إلى جنوبها حيث لا صوت يعلو على أعداده في المخابز ومحال الحلوى والمنازل، ليستهلك المصريون كميات كبيرة من الدقيق والسمن والسكر في إعداد أطنان من الكعك والحلوى المصاحبة له مثل البيتيفور والبسكوت والغريبة لتبدأ من بعد العيد إحصائيات ودراسات عن قيمة استهلاك المصريين لهذه الحلوى والتي قدرت في العام الماضي بـ70 ألف طن تقدر بحوالى مليارين ونصف مليار جنيه مصري، إلا أن تمسك المصريون بعاداتهم لا يعترف بأي أرقام ويفوز أمام تجمع العائلة كلها صباح يوم العيد أمام أطباق الكعك سواء الجاهز أو المعد منزلياً.

تقول هالة وهي سيدة في الثانية والثلاثين من عمرها وأم لطفلين، "أقطن في البناية ذاتها مع والدة زوجي التي أقنعتني هذا العام بالتخلي عن شراء الكعك الجاهز على أن تساعدني في صنعه منزلياً للمرة الأولى في حياتي وبالفعل كان لديها كل الأدوات المطلوبة لصناعته مثل القوالب والمناقيش وماكينة تشكيل البيتيفور وتلك الآلة اليدوية الشهيرة لتشكيل البسكوت التي يعرفها المصريون وكل هذه الأدوات التي لم تستخدم طوال سنوات طوال".

وتضيف "قمنا بالمهمة بالفعل ونجحت نجاحاً كبيراً ووجدت الكعك والبسكوت الذي قمنا بعمله ذا مذاق رائع، بالإضافة إلى السعادة الغامرة التي شعر بها أطفالي وهم يشاركونني أنا وجدتهم في التشكيل بالقوالب المختلفة وأدركت أن الأمر ليس بالصعوبة التي كنت أظنها على الأطلاق وأعتقد أنني سأكرر التجربة في العام المقبل".

لا عزاء للريجيم

كوب الشاي أو القهوة مع طبق الكعك صباح يوم العيد هو من أسباب السعادة عند المصريين، إلا أن هذه السعادة تنهار أمامها كل أنظمة الريجيم والأكل الصحي حيث قدّر خبراء التغذية أن الكعكة الواحدة تحتوي على 200 من السعرات الحرارية بينما تحتوي القطعة الواحدة من البسكوت أو البيتيفور على 90 منها، في حين تحتوي القطعة الواحدة من الغريبة على 170، أي أن الطبق الصغير يحتوي على قطعة واحدة فقط من كل نوع يمثل ضربة موجعة لأي نظام لإنقاص الوزن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول ريهام وهي مدربة في أحد "المراكز الرياضية": "طبيعة عملي تفرض عليّ الاهتمام بالصحة والرشاقة وإتّباع نظام صحي مع كل من أقوم بتدريبهم بهدف إنقاص الوزن، ولكن لكي أكون صادقة لا أستطيع مقاومة طبق الكعك أول أيام العيد لكن ألزم نفسي بأنه يوم واحد فقط كاستثناء ومن بعدها أعود للحفاظ على نظامي الغذائي وربما أتناول قطعة واحدة في اليوم على سبيل المشاركة".

تنويعات مختلفة على الكعك

ارتباط الكعك بعيد الفطر لا يقتصر فقط على المصريين إنما يمتد إلى كل الدول العربية التي يعتبر طبقه مع الشاي أو القهوة هو أحد مسببات السعادة في الأفطار الأول صباح يوم العيد بعد صيام شهر رمضان وإن كان يختلف في بعض الدول عن الكعك المصري التقليدي المغطى بالسكر، فدول الخليج بشكل عام ينتشر بها (المعمول) المحشو بالتمر بينما يقدمون في العراق (الكليجة) وهو نوع من الكعك تضاف إليه البهارات والحبهان. وهناك أنواع أخرى منه مثل الكعك السوري الذي يشبه المصري إلى حد ما و(المنقوش) وهو الذي يقدم في المغرب وينقش بصورة تشبه الكعك المصري أيضاً.

يقول أحمد السيد شيف حلويات في أحد محال الحلوى بالقاهرة: "تشهد الأيام الأخيرة من شهر رمضان ضغطاً كبيراً على محال الحلوى لصناعة كعك العيد والأصناف الأخرى مثل البسكوت والبيتيفور، وهذا العام حركة البيع لا تزال قائمة إلا أنها أقل من الأعوام السابقة بسبب ظروف فيروس كورونا التي دفعت بعض الناس إلى التزام منازلهم وصناعتها منزلياً. وبشكل عام فإن الكعك في مصر يعتمد نجاحه على نوع الدقيق والسمن المستخدم الذي يفضل أن يكون من السمن البلدي وليس من الأنواع المصنّعة".

ويضيف "بعض محال الحلوى التي توجد في أماكن تشهد تجمعات لجاليات عربية مثل العراقيين أو السوريين أو يقوم عليها أشخاص من هذه الجنسيات بدأت منذ سنوات في بيع أنواع الكعك المشهورة في بلادهم، إلى جانب الكعك المصري ويقبل أحياناً بعض المصريون على شرائها في سبيل التجربة".  

 

تاريخ صناعة الكعك في مصر

ارتباط الكعك بالإعياد هو سمة مصرية خالصة منذ آلاف السنين، فمنذ عهد الفراعنة وهو مصاحب لاحتفالات المصريين أي ما يقرب من الخمسة آلاف عام والمصريون يعتمدون على صناعته وتقديمه كقربان للكهنة يوم تعامد الشمس على وجه الملك خوفو وقد نقشوا عليه صورة الشمس التي ترمز إلى الإله رع.

تمر العصور والسنوات ويصبح الكعك أحد مظاهر الاحتفال بعيد الفطر المبارك التي لا تخلو منها موائد المصريين على مدار التاريخ الإسلامي في مصر، فتوجد حالياً قوالب لصناعته في متحف الفن الإسلامي في القاهرة تعود إلى عصر الدولة الطولونية حيث كان هناك اهتمام كبير بصناعته و كان ينقش عليه عبارة (كل وأشكر) ويوزع على الناس في عيد الفطر.

وقد ذكر أنه في عهد الدولة الإخشيدية كان الكعك الذي يصنع في ديوان الخليفة ليوزع على الناس يحشى بعضه بالدنانير الذهبية التي يكتشفها من يصادف حصوله عليه. بينما شهدت الدولة الفاطمية ازدهاراً وإبداعاً في صناعته حيث كان هناك دار مخصصة لصناعة هذا الكعك تبدأ عملها قبل عيد الفطر بفترة لصنع كميات ضخمة منه يفرد لها طاولة ضخمة ليأخذ منها عوام الناس. وقد استمر طقس صناعته حتى يومنا هذا.