Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التعايش الشعبي المصري مع الفيروس يسبق الخطة الرسمية

تلونت الأزمة بألوان المجتمع التساهلية مكتسبة نكهته القدرية ومستفيدة من عاداته

تبدو مظاهر الحياة عادية في شوارع مصر رغم تدابير كورونا (حسام علي. اندبندنت عربية)

حركة البيع والشراء في الأسواق الشعبية شبه طبيعية. رحلات الذهاب والإياب في المواصلات العامة شبه عادية. المزاج العام في الشارع شبه مألوف. حتى الخناقات الصغيرة والمشاحنات العابرة أقرب ما تكون إلى المعتاد. أثير العنكبوت هو أيضاً استعاد جانباً لا بأس به من احتقاناته التدوينية المعتادة وفوراته التغريدية المستجيبة لكل ما تنضح به الحياة اليومية من أحداث ساخنة أو مفجعة أو مضحكة. حتى "إنستغرام" و"تيك توك" ماضيان قدماً في استعادة عافيتهما ومحاصرة الصور المحملة بأعراض الفيروس والفيديوهات الغارقة في التغني بالحَجْر المفروض والرقص على إيقاعات العزل. وتعاود الصور الهزلية طرح نفسها، وتستعيد الفيديوهات الباحثة عن نسب المشاهدة وحلم الترند عافيتها.

استعادة الحياة

تفاصيل الحياة اليومية في مصر تستعيد عافيتها بعد نحو شهرين من الأجواء غير العادية التي فرضها الوباء، وهي عافية لا تنبع من نسب تعافٍ مطمئنة أو استواء في منحنى الإصابة أو إنهاء إجراءات تضمن التباعد الاجتماعي وتؤمن تعقيم المؤسسات ووسائل المواصلات. إنها العافية التي يعيدها الاقتصاد عنوة، وتدعمها الثقافة الشعبية بقوة، وتدفع بها الدولة دفعاً تحت مسمى "خطة التعايش".

خطة التعايش مع الفيروس ليست حكراً على مصر أو بدعة ابتدعها المصريون، لكنها توجه عام يتخذه الكوكب بطرق مختلفة وتوقيتات مغايرة، وطبقاً لأسباب واستجابةً لضغوط تختلف من دولة إلى أخرى. آخر ما قررته مصر رسمياً هو التعايش مع الفيروس بديلاً عن التصارع على لقمة العيش. خطة محكمة مدروسة جيداً، محبوكة حبكة اجتماعية واقتصادية قبل أن تكون طبية صحية أعلنت عنها وزارة الصحة والسكان قبل أيام تحت مسمى "خطة التعايش مع كورونا المستجد (كوفيد- 2019): الأدلة القياسية التدريجية للحياة الطبيعية".

أدلة وزارة الصحة

مقدمة الخطة تمسك بالعصا من المنتصف، من دون أن تصرّح بأن وباءً انحسر أو تجاهر بأن عودةً للحياة الطبيعية صارت معلنة. "في إطار الاستعداد للعودة التدريجية للحياة الطبيعية في البلاد خلال مرحلة انحسار جائحة كورونا، فإنه يلزم اتباع إجراءات قياسية للحد من حدوث أي انتشار موسع من جديد للمرض والحدّ من المرضى والوفيات الناتجة عن الحالات في مرحلة الانحسار". الأدلة المعلنة من وزارة الصحة والسكان - المتوقع إعلان تطبيقها خلال أيام من مجلس الوزراء- هدفها الحدّ من المرضى والوفيات التي قد تنجم عن الحالات الجديدة، مع تحقيق التوازن بين دوران عجلة الحياة واستمرار الإجراءات الاحترازية. الوزارة تقول إن هذه الإجراءات ستعمل على "التعافي المجتمعي من آثار كورونا والتخلص التدريجي من الآثار النفسية الناجمة عن الأزمة".

أزمة كورونا في مصر ألقت بظلال وخيمة، لكنها في الوقت نفسه تلوّنت بألوان المجتمع التساهلية مكتسبةً نكهته القدرية، وتعايشت مع المصريين مستفيدة من عادات التكافل وسمات التنكيت وصفات التهوين.

 

هوّن الصعب وعجّل الخير

"يا رب هوّن كل صعب وعجّل بكل بخير"، لافتة ورقية مكتوبة بخط اليد ومثبتة أعلى "هرم التوت"، تلك الفاكهة التي تظهر في مصر لأيام قليلة أثناء تسلم فصل الصيف مقاليد الأمور من الربيع. البائع الذي يرتدي كمامة، ولكن يدسها أسفل أنفه "علشان مش عارف أتنفس"، يقول إن "كورونا شأنه شأن الفاكهة المعطوبة. لو أكل منها الإنسان توجع بطنه، ولو كان مريضاً ربما تُعجّل بأجله. وهذا يعني أن كورونا شيء عادي لا يستوجب تعطيل الحياة ومنع أكل التوت اللذيذ".

التوت اللذيذ ليس وحده الذي يصارع في أيامه الموسمية القليلة ليحقق مبيعاته العادية. الأسواق الشعبية تشهد هي الأخرى صراعاً ولكن بسبب محاولات شبه مستحيلة لتحقيق التباعد الاجتماعي المنشود في زمن الوباء. باعة الخضروات والفواكه المتراصون في شارع روض الفرج، في حي شبرا الشعبي، وزبائنهم الكثيرون يمثلون قطاعاً عريضاً من المصريين. إنه القطاع الذي إن حظرته حظراً شاملاً تضرّر ضرراً كاملاً.

الضرر الكامل لم يقع بعد. فإجراءات الحظر الجزئي لعدد محدد من الساعات مع مناشدات المواطنين البقاء في بيوتهم وإغلاق المطاعم والمقاهي أضرت بكثيرين، لكنها لم تقضِ عليهم بالضربة القاصمة بعد. اثنان من العاملين في المقهى الصغير في "دوران شبرا"، الذي أغلق أبوابه ضمن إجراءات الإغلاق، التحقا بالعمل ضمن جيش الـ"ديليفيري" في محل الدجاج المقلي الشهير المتاخم. أما صبي المقهى الثالث فقد التحق بكتيبة سائقي التوك توك لمدة أربع ساعات يومياً.

تغيير العمل

كثيرون من صبية المقاهي، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً- أنجزوا ما يعرف بـ"career shift" في الأسابيع القليلة الماضية. موجات تعديل دفة العمل وتغيير نوع النشاط في سوق العمل الهامشية أو العشوائية في مصر أنقذت ما يمكن إنقاذه جرّاء صدمة كورونا في أسابيعها الأولى. ولعلها من المرات القليلة جداً التي لا ترتكن فيها القاعدة العريضة من هرم مصر الاجتماعي إلى "الحكومة" وتعتبرها مسؤولة عن إطعامها وتشغيلها ودعمها بمعاشات استثنائية وبطاقات تموينية، وهو ما يفسّره البعض بأنه تفكير عقلاني ناجم عن وقوع الكوكب برمته في قبضة الفيروس ووضع دول العالم على خاصية الانتظار. حتى المئة بليون جنيه (نحو 63.5 مليون دولار) التي أعلنت الحكومة المصرية عن تخصيصها لمكافحة الوباء وآثاره، يعلم الجميع أن أولوياتها ليست إطعام الأفواه الجائعة أو ملء الجيوب الخاوية بقدر ما هي موجهة لإنقاذ حياة المرضى وإبقاء البلاد على قيد الحياة.

 

البقاء على قيد الحياة

البقاء على قيد الحياة في مصر يختلف عن بلدان أخرى وثقافات مغايرة. فحين يستجيب البعض لدعوات للتظاهر ضد الفيروس، ويهتف البعض مندداً بجائحة كورونا ومتخذاً عهداً على نفسه أن يقهرها ويدحرها، ويتكبد آخرون عناء التسلل ليلاً وخرق الحظر المفروض للانضمام إلى كوكبة من الرجال حوّلت شقة أحدهم إلى مقهى يقدّم الشيشة الصادر في حقها حظر كامل وشامل، ويعتبر البعض إغلاق المساجد والكنائس خطوة مبالغاً فيها فيقيم زاوية لصلاة الجماعة أمام باب شقته أو يقيم القداس في غرفة جلوسه أو على سطح عمارته، وكأن الفيروس سيهاب المصلين ويفكر مرتين قبل مهاجمتهم، ولا يرى الشباب غضاضة في أن يتجمعوا في إفطار جماعي على رصيف الشارع طالما المطاعم مغلقة والمقاهي موصدة، وتكتظ المواصلات العامة بالملايين قبل ساعة من بدء الحظر الليلي، وكأن الفيروس سيحترم مواعيد الحظر ويمتنع عن مهاجمة المكدسين في الباصات وعربات المترو حتى التاسعة مساءً. كل ما سبق وأكثر، يعني أن المصريين قرروا التعايش مع الفيروس منذ اللحظة التي أعلن فيها عن نفسه أنه أصبح وباءً.

وقد كشف إعلان "كورونا المستجد" وباءً عالمياً من منظمة الصحة العالمية في 11 مارس (آذار) الماضي عن بلبلة شعبية. تشكيك ثم خوف تلاه حذر مشوب بالهلع، ما لبث أن تحلحل تدريجاً ليتخذ شكلاً أو آخر من أشكال التعايش الشعبي البوهيمي، وذلك قبل أسابيع من الإعلان الرسمي عن خطة الدولة للتعايش مع الفيروس.

انفصال الواقع والأثير

قرار التعايش هذا ظل يتجسد يومياً في شوارع "المحروسة" تجسيداً يختلف تماماً عن الواقع الافتراضي المتجسد على أثير مواقع التواصل الاجتماعي، حيث "الفيسبوكيون" المتخوفون من العدوى والمطالبون بالإغلاق الكامل والحاسم للجميع، والمغردون المنددون بأولئك الذين يغزون الشوارع يومياً ويضربون عرض الحائط بالفيروس وعدواه ومخاطر انتشاره. الوعي الكبير والحرص الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي في جانب، والتعايش شبه الكامل مع الفيروس في الشارع في جانب آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأمين العام للصحة النفسية وعلاج الإدمان في وزارة الصحة والسكان المصرية، منى عبد المقصود، قالت في لقاء بثه موقع الوزارة إن "هناك حالة من الانفصال بين (السوشيال ميديا) وما يجري في الشارع. في الوقت الذي تنضح مواقع التواصل الاجتماعي بقلق بالغ يعبر عنه المستخدمون، نجد الشوارع مليئة بالبشر ممن لا يضعون الفيروس في حساباتهم ومن دون اتّباع أي إجراءات سلامة لهم ولمن حولهم".

وترى عبد المقصود أن خير الأمور الوسط، وأن المطلوب هو ترشيد القلق على مواقع التواصل الاجتماعي وتوصيل المعلومات إلى الناس في الشارع من دون تهويل أو تهوين، مشيرة إلى "أننا بحاجة إلى الخوف الذي يحمينا، وليس الخوف الذي يؤذينا".

خلطة الخوف

لكن واقع الحال في الشارع المصري الذي اتخذ قرار التعايش مع الفيروس مبكراً، هو خليط من الخوف الذي يحمينا والخوف الذي يؤذينا والخوف الذي يعتري آخرين نظراً لعدم وجوده من الأصل.

دورات كرة قدم رمضانية في شوارع جانبية، شقق تتحوّل مراكز لتقديم الشيشة حيث يتم تهريب راغبي "التشييش" على اعتبار أنهم ضيوف صاحب الشقة، نقاط باتت ثابتة وآخذة في الاتّساع لشباب ملوا الحظر فحولوا أسفل الجسور ومحيط عربات تبيع الشاي والقهوة إلى تجمعات هادرة، الأصدقاء والمعارف الأكبر سناً يتجمعون بعد الإفطار أسفل محل سكن أحدهم حيث يتم تزويدهم بالشاي والقهوة "على الواقف"، سيدات يتجمعن في الحديقة العامة المواجهة لبيت إحداهن بعد الإفطار، حيث سهر وسمر وحكايات وتناول الحلوى الرمضانية وتناول المشروبات المعدة سلفاً في البيوت، وأشكال التعايش مع الفيروس لا تعد أو تحصى.

لن نلتزم

لذلك فإن العدّ والإحصاء ولغة الأرقام تكون الأكثر بلاغة حال توفّرها. موقع "اليوم السابع" أجرى استطلاعاً للرأي حول ما إذا كان المصريون سيلتزمون إجراءات الوقاية من كورونا خلال الاحتفال بعيد الفطر، فأجابت الغالبية المطلقة بـ"لا"! 86 في المئة قالوا إن المصريين لن يلتزموا إجراءات وقاية، في حين توقع 14 في المئة فقط التزامهم الإجراءات.

إجراءات التعايش الشعبي الدائرة رحاها منذ شهور ترتكن في جانب كبير منها إلى ميل ثقافي للتسليم بإرادة السماء لدرجة تبدو أحياناً مفرطة، حيث يتداخل مفهوما التعقل والتوكل بشكل يعيق كل منهما الآخر. عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خالد الجندي، يقول إنه لا ينبغي أبداً الخلط بين التسليم بإرادة الله المتمثلة في تفشي وباء مثل كورونا واتخاذ الإجراءات الاحترازية التي من شأنها حماية الفرد ومن حوله، مؤكداً أنه على الجميع التزام الإجراءات الاحترازية التي نصت عليها قرارات الدولة في مواجهة انتشار الفيروس، حيث مبدأ "اعقلها وتوكل" ينصّ على التعقل أولاً قبل التوكل.

 

توكل مفرط

لكن التوكل المفرط الواضح في الشارع المصري ربما يكون ناجماً أيضاً عن تضارب الرسائل الخاصة بالفيروس منذ خروجه إلى النور في أوائل العام الحالي. يقول جمال السيد (صاحب محل خضروات) في حي مصر الجديدة في القاهرة، إن كل ما صدر عن هذا الفيروس منذ بدء الإعلان عنه كان متضارباً. "في البداية منظمة الصحة العالمية والعلماء في الخارج قالوا إنه أشبه بدور البرد العادي، وإن درجات حرارة الجو المرتفعة كفيلة بالقضاء عليه، وإن الأطفال لا يلتقطون عدواه، وإنه لا خطورة على الشباب منه، ثم قالوا إنه فيروس يقتل حتى الشباب، بل ويصيب الأطفال كذلك، وإن درجة حرارة الجو لا علاقة لها به. شيء طبيعي إذاً ألا نأخذ ما يصدر عن الفيروس مأخذ الجد".

لكن مأخذ الجد الحقيقي - حسبما يقول السيد - هو الإجراءات التي تعلنها الحكومة المصرية، وذلك لسبب واحد، ألا وهو أنها ملزمة. "لكن حتى هذه الإجراءات تبدو أحياناً غير منطقية. التلفزيون يخبرنا طيلة الليل والنهار أن الوضع خطير ومريع وعلى الجميع التزام البيوت وعدم الخروج إلا للضرورة، فنتوقع أن يزيد عدد ساعات الحظر المفروض، فإذ بالقرارات الحكومية تقلل ساعات الحظر. هذا التقليل يترجمه المواطن بأن الأمور أصحبت مطمئنة وأن درجة الخطورة قلت كثيراً، فيعاود الخروج والتجمع، فتباغته الحكومة بتأنيبه ومطالبته بالتزام البيت. هذا وضع ملتبس ويفسر هذا الزحام ويبرّر تصرف غالبية الناس بطريقة شبه طبيعية".

تسييس التعايش

لكن ما ليس طبيعياً هو تسييس التعايش مع الفيروس حين يتخذ طابعاً رسمياً. فمنذ إعلان وزارة الصحة والسكان عن بروتوكول التعايش مع الفيروس قبل أيام، وأثير مواقع التواصل الاجتماعي يزخر بكمّ هائل من التنظير السياسي والتحليل الشعبي لخطة التعايش الحكومية. وبعد أشهر من التعايش الشعبي، وجد منتقدو الحكومة أن خطة التعايش الرسمية من شأنها أن "تقتل المواطنين" و"تتخلص من الضعفاء" و"تضرب عرض الحائط بالفيروس القاتل". آخرون وجدوا في الخروج التدريجي من الإغلاق مع الإبقاء على مؤسسات وأماكن بعينها مثل المدارس والجامعات والأماكن الترفيهية ودور السينما مغلقة مع الرهان على وعي الشعب واتباعه الإجراءات الاحترازية، وأبرزها ارتداء الكمامة في الأماكن العامة والحفاظ على التباعد الاجتماعي، مقامرة ومغامرة غير محمودتي العواقب.

كمامات مستعملة

قصص وحكايات يحكيها المصريون عن تداول الكمامات المستعملة بين عملاء بنوك بعد ما تم فرض شرط ارتداء كمامة للمتعاملين. الطوابير المصطفة والمتجمهرة على أبواب مراكز الاتصالات والسوبرماركت ومكاتب البريد تشير إلى تقارب وليس إلى تباعد اجتماعي. ورغم ذلك يظلّ حديث الفيروس مسيطراً. وبعد أسابيع من هيمنة التساؤلات والتكهنات، ثم تداول نظريات المؤامرة المختلطة بالفزع والهلع، أعقبتها قرارات مليونية متزامنة بالتعايش مع الفيروس، بل والتنكيت عليه والسخرية منه والتغني به.

ويشار إلى أن أغنية "فيروس كورونا" لمطربي المهرجانات حمو بيكا وميسرة وكلمات "الشاعر الفاجر" حققت نسب مشاهدة واستماع مرتفعة، سواء على سبيل الاستمتاع بالأغنية أو السخرية منها. تقول كلماتها التي تعكس الكثير من رد فعل الشارع المصري "حرّص من فيروس كورونا، إحنا أصحاب عقول ودماغنا دي راسية، المصري في الأزمات جبّار. الأمراض هنا بندمرها المصري ده أصلي، إحنا المولى ساترها معانا علشان نضاف أوي من جوانا، المصري دايماً ضد الصعب، مش خايفين المولى راعينا".