Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلع تركية تهدد مورد رزق نساء تونسيات

إحالة 21 ضابطاً من الجمارك التونسيّة على التقاعد الإجباري بسبب شبهات فساد تجاري

صادق مجلس نواب الشعب التونسي عام 2017 على رسوم جمركية استثنائية على قائمة المنتجات التركية (أ.ف.ب)

أصيبت حليمة بالذهول عندما رأت ورقة "الملسوقة" ملفوفة بطريقة جذابة ومعروضة في أحد رفوف المحل المجاور لبيتها، وبسؤالها عن مصدرها عرفت أنها تركية المنشأ.

منذ ثورة يناير (كانون الثاني)، اعتاد التونسيون على وجود المنتجات التركية بمختلف أشكالها وأنواعها في الأسواق التونسية، لكن عندما يتعلق الأمر بمنتجات تركية تنافس مواد تقليدية تونسية يصبح الأمر مستفزاً وخطيراً بالنسبة إليهم.

حتى أن حليمة (42 سنة) لم تخف قلقها من إمكانية خسارة مورد رزقها الوحيد، قائلة إن "بيع الملسوقة الجاهزة قد يتسبب في اندثار هذه الحرفة التي تعيش منها آلاف العائلات التونسية". وتقول إنها تعلمت صنع هذه الورقة وبعض الأنواع الأخرى من مكونات الأكل التونسي كالبرغل والحلويات التقليدية من أمها، مما جعلها تحافظ على طابعها الأصلي. لكن جلب ما تختص به تونس من عادات غذائية من بلدان أخرى، تعتبره حليمة "أمراً مخزياً وخيانة للعادات والتقاليد وأيضاً للموروث الثقافي لتونس".

كسدت تجارة مريم!

والملسوقة عبارة عن ورقة رقيقة من الطحين تستعمل في تحضير البريك، وهو طبق تقليدي وأساسي، بخاصة في شهر رمضان. كما تستعمل هذه الورقة في أطباق أخرى مشهورة في تونس، ما جعل منها تجارة مربحة لبعض النساء.

تقول مريم (55 سنة) إنها تصنع الملسوقة منذ 30 سنة، وتبيعها إما مباشرة إلى الحرفاء أو إلى المطاعم والمحلات، مضيفة "بهذه الحرفة البسيطة نجحت في تعليم أطفالي وتلبية حاجياتهم الأساسية". لكن منذ سنوات كسدت تجارة مريم، وارتبطت فقط بشهر رمضان. وترجح "بائعة الملسوقة" أن يكون السبب هو انتشار السلع المستوردة.

وتعتقد نجوى (46 سنة) أن التونسي لن يستبدل المواد الغذائية الطازجة، التي تصنع بأياد تونسية بأخرى جاهزة وغير صحية، معتبرة أن هذه المواد الغذائية المستوردة من تركيا أثبتت عدم جودتها، كما أنها تفتقد المذاق الأصلي للأطباق التونسية.

وتضيف نجوى أنها تقوم بصنع البقلاوة التونسية في البيت منذ سنوات وتجني من ورائها دخلاً مادياً محترماً، إلا أن أحد أهم مكونات البقلاوة وهي الورقة أصبحت تباع جاهزة في الأسواق، ما جعل صنع هذا النوع من الحلويات التقليدية في متناول الجميع.

ضعف أجهزة الدولة

شهدت العلاقات بين تونس وتركيا تطوّراً خلال العقود الأخيرة، توّجت بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة عام 2004، وكان هدفها إيجاد منطقة تجارة حرّة بين الطرفين، وامتازت بإعفائها جميع المنتجات الصناعية من الرسوم الجمركية بالكامل.

عرفت هذه الاتفاقية تطوراً كبيراً، خصوصاً بعد عام 2011 مع حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، حيث غزت البضائع التركية الأسواق التونسية، ما أدى إلى ضرب قطاعات إنتاجية تونسية.

وبحسب بيانات رسمية بلغ حجم المبادلات التجارية بين تونس وتركيا عام 2019، ما يزيد على المليار دولار، وفاق فيها العجز التجاري 800 مليون دولار.

وعلى الرغم من حملات المقاطعة التي نظمتها جهات تونسية، إلا أن الأمر لم يتغير. ويقول المتخصص في الاقتصاد معز الجودي، لـ"اندبندنت عربية"، إن "نزيف المنتجات التركية فاق حده بعد الثورة على الرغم من قِدَم الاتفاقية بين البلدين". ويعتقد الجودي أن تنامي هذا "الغزو الاقتصادي" يرجع إلى ضعف أجهزة الدولة في محاربة فساد بعض اللوبيات المالية المسنودة سياسياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما يرى أن "ارتباط بعض الجهات السياسية الحاكمة في البلاد بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أسهم في إغراق البلاد بالسلع التركية التي لا نحتاجها".

ويضيف "على الرغم من محاولة الحكومات المتعاقبة إيجاد حلول ناجعة لإيقاف هذا النزيف، إلا أن النتائج لا تزال ضعيفة"، آملاً في أن "يوفي الوزير الحالي بتعهداته نحو هذا الملف الشائك بعد مرور أزمة الوباء، التي أوقفت آلياً كل عمليات الاستيراد بسبب إيقاف حركة الموانئ".

وكانت "اندبندنت عربية" تواصلت مع وزارة التجارة لمعرفة أهم الإجراءات التي اتخذتها من أجل مجابهة خطر غزو السلع التركية، إلا أنها تجاهلت الطلب بذريعة عدم وجود من يتحدث في الموضوع.

ويعتقد مراقبون أن وجود شبهات فساد حول ملف توريد البضائع التركية وارتباطه بجهات سياسية سبب أساس في فشل الحكومات في إيقاف إغراق السوق التونسية.

ثمار تعاون سياسي

اثارت حادثة إحالة 21 ضابطاً سامياً من الجمارك التونسيّة على التقاعد الإجباري جدلاً واسعاً الأسبوع الماضي، وذلك إثر شكاوى تمّ التقدّم بها منذ 26 مايو (أيار) 2017 حول شبهة تورّط المحالين في عمليّات تجاريّة مشبوهة، تتمثل في تسهيل عمليّات توريد غير قانونية لفائدة رجال أعمال نافذين، وتوفير الحماية اللازمة لتأمين نقل بضاعتهم. ويذكر أن هذا النوع من العمليات غالباً ما يكون ثمرة تعاون سياسي.

في السياق نفسه، يقول وائل الونيفي من هيئة مكافحة الفساد، لـ "اندبندنت عربية"، إن الهيئة استقبلت عدداً من الملفات المتعلقة بشبهات فساد في عمليات استيراد، وقد حولتها مباشرة إلى القضاء.

ولإحداث توازن على مستوى المبادلات التجارية التركية والتونسية، صادق مجلس نواب الشعب أواخر عام 2017 على رسوم جمركية استثنائية على قائمة المنتجات المستوردة ذات المنشأ التركي للتحكم في عجز الميزان التجاري.

ويقول رئيس غرفة التجارة الدولية ماهر بن عيسى لـ"اندبندنت عربية" إن انخفاض قيمة الليرة التركية وعدم اتخاذ إجراءات ضرائبية على السلع والقرب الجغرافي من أهم العوامل التي أسهمت في إغراق السوق التونسية بالسلع التركية. كما يعتقد بن عيسى أن جهات سياسية دفعت نحو إخلال التوازن التجاري بين البلدين.

سياسة استعمارية

تتساءل الناشطة الحقوقية إيمان عمارة، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، عن جدوى استيراد هذه الموادّ في حين أنّها تمثّل مورد رزق لفئة هامّة من المجتمع التونسي.

وتتهم عمارة "الأتراك بأنهم يستهدفون كل ما ِله علاقة بالأمن الغذائي التونسيّ ومصادره الطبيعية واليد العاملة التي تمنحه خصوصيته التونسية"، واصفة إياها بـ"السياسة الاستعمارية".

والأخطر وفق اعتقادها أن "يصل هذا الاستيراد العشوائي إلى بعض أنواع المعجّنات التي تنافس المعجنات التونسية، كالملسوقة أو البرغل المعروض في فضاءاتنا التجارية في استخفاف تامّ للأيدي التونسيّة المنكبّة في فصول البرد والحرارة على فرد ورق الملسوقة وتكوير عجين الخبز وهرس القمح والشعير".