Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خفض قيمة عملة لبنان يهدد بـ "ثورة جياع"

التعويم التدريجي لن يخفف من مآسي الإفلاس

فقد اللبناني وبأشهر قليلة أكثر من نصف قدرته الشرائية (أ.ف.ب)

تفرض الأزمة الاقتصادية المستفحلة في لبنان والأسوأ منذ الحرب الاهلية (1975-1990) واقعاً جديداً ومرعباً على المواطنين. فالاستقرار الاجتماعي الذي استمر منذ عام 1993 والقائم على تثبيت سعر صرف الليرة عند مستوى 1507.5 للدولار الواحد، يبدو أنه انتهى. إذ فقد اللبناني وبأشهر قليلة أكثر من نصف قدرته الشرائية، كما تواجه معظم الشركات الخاصة شبح الانهيار والإفلاس مع تراجع سعر الصرف في السوق السوداء وتوقف الدورة الاقتصادية.

إنه اليوم الأسود

في المقابل، قال وزير المالية غازي وزني بصريح العبارة "لبنان مستعد لتعويم سعر صرف الليرة بعد تلقي الدعم المالي الخارجي"، مضيفاً "علينا تعديل سياسة التثبيت إلى سياسة سعر الصرف المرن في مرحلة أولى، أي ارتفاع تدريجي لسعر الدولار مقابل الليرة، في خطوة تستوجب التنسيق بين الحكومة ومصرف لبنان، وحين يصلنا الدعم المالي من الخارج ننتقل إلى التعويم".

تصريحات وزني غير مفاجئة، فالخطة الاقتصادية التي طرحتها الحكومة كخريطة طريق للخروج من الأزمة وأساس لبدء التفاوض مع صندوق النقد، حدّدت سعر الصرف عند 3500 ليرة للدولار الواحد لعام 2020، على أن تخفض العملة تدريجاً وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، للوصول إلى 4600 ليرة للدولار الواحد. 

أرقام توضح ما عناه الوزير وزني والتوجه الحكومي الواضح والرسمي للانتقال إلى سعر صرف مرن وصولاً إلى التعويم.

تعويم سهل بالقول وإنما يصعب جداً تنفيذه، فعلى الرغم من النية المعلنة لصندوق النقد بطلب تعويم العملة أو حتى خفض قيمتها بشكل مثبت لفترة من الزمن، إلا أن تداعيات هذه الخطوة كارثية على بنية الاقتصاد اللبناني، وقد تفجر ما أصبح يسمى بـ "ثورة الجياع".

خطة الحكومة

من جهة ثانية، يرى الوزير السابق والمصرفي مروان خير الدين أن تعويم العملة أو حتى خفض قيمتها سيصعب تطبيقه فعلياً، وأن التصريحات الوزارية أو حتى الحكومية لن تتحقق.

فالدولة تتخبط بقراراتها الاقتصادية والمالية، وقد بدا ذلك جلياً مع بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ويستغرب خير الدين في حديث لـ "اندبندنت عربية"، كيف لم تأخذ الحكومة برأي الأطراف المعنية مالياً، فجمعية مصارف لبنان غير موافقة على الخطة ولم يتم استشارة مصرف لبنان، ما أدى إلى تشرذم توجه الدولة داخلياً وأمام المجتمع الدولي، كما يستغرب عدم لجوء الدولة إلى قدراتها الذاتية التي ما زالت موجودة، فلبنان يملك الكثير من الأصول والذهب، فلِمَ التوجه إلى قروض داخلية ترفع من نسب دين الدولة مجدداً؟.

ويحذّر الوزير السابق من سياسة التعويم التي ستشكل سياسة تفقير جماعي للبنانيين، ويدعو الحكومة إلى مراجعة جديدة لخططها، فأي خفض لسعر الصرف الرسمي لا يقترن بسيولة سيبقي السوق السوداء بمستويات أعلى ولن يرى لبنان سيولة حقيقية قبل إعادة بناء الثقة مع الدولة والمصارف، وطرح خطة متكاملة للخروج من الأزمة، بموافقة ومشاركة كافة الأطراف المعنية مالياً واقتصادياً في لبنان.

في المقابل، يستبعد خير الدين إمكانية خفض قيمة العملة، موضحاً التداعيات الكارثية على الاقتصاد واللبنانيين:

- اعتماد سعر صرف الدولار الواحد بـ 3500 ليرة، يشطب ثلثي دخل الفرد في لبنان.

- غالبية قروض اللبنانيين بالعملة الأجنبية، وخفض قيمة العملة يرفع من الأقساط الشهرية المتوجبة على المواطنين، ما يدفع الى تعثرهم ويخلق مشاكل كبيرة في المجتمع.

- يستورد لبنان معظم ما يستهلكه، ما سيرفع تلقائياً أسعار جميع السلع المستوردة، والمصنّعة محلياً التي تعتمد على مواد أساسية مستوردة أيضاً.

- ستواجه الشركات خاصة الصغيرة والمتوسطة الإفلاس السريع.

- ستتضرر الدولة نفسها من خفض قيمة العملة مع تراجع قيمة إيراداتها فهي تجبي الضرائب والرسوم بالليرة وعليها التزامات بالعملة الصعبة.

ويبقى الأخطر أن حجم الاقتصاد اللبناني المتقلص سيحتاج حتى عام 2047 ليعود إلى مستويات عام 2019.

التعويم يدفع إلى Social Dumping

يهدف خفض سعر صرف العملة أولاً إلى تحسين الصادرات وخفض الواردات، مما يحسّن من وضع الميزان التجاري، بالتالي ميزان المدفوعات بحسب البروفيسور والأستاذ الجامعي جاسم عجاقة الذي أوضح لـ "اندبندنت عربية"، أن بعض الدول تقوم أحياناً، خصوصاً تلك التي تتمتّع باقتصادات قوية، بخفض عملتها لتقوية الصادرات، ما يؤدّي إلى خفض الدول الأخرى لعملاتها وهو ما يُسمّى حرب العملات.

أما الدول التي تلجأ إلى صندوق النقد الدولي، فعادة ما تُعاني من مُشكلتين: الأولى عجز مُزمن في الموازنة والثانية عجز في ميزان المدفوعات. وتضمّ برامج صندوق النقد الدولي شروطاً لمساعدة البلد المعني وعلى رأسها تحرير سعر صرف العملة لتصحيح الخلل في ميزان المدفوعات، عبر خفض القدرة الشرائية وبالتالي الاستيراد إلى نقطة التوازن.

والمُشكلة في لبنان أن لخفض سعر الصرف تداعيات سلبية، خصوصاً على الصعيد الاجتماعي والمعيشي للمواطن، وهو ما يسمى social dumping (التراجع الاجتماعي)، ما يزيد الفقر والهجرة عادة (اليونان مثلاً).

على الصعيد الاقتصادي

في السياق ذاته، لن يستفيد لبنان من تحرير سعر صرف الليرة، نظراً إلى ضعف الماكينة الاقتصادية. وقد يكون لهذا التحرير تأثير إيجابي على الصادرات من ناحية زيادة حجمها، إلا أن الأبعاد السياسية للمُشكلة اللبنانية قد تُلغي مفاعيل هذه الخطوة. فالاقتصاد اللبناني مُدولر بشكل شبه كامل، واستخدام الليرة اللبنانية هو شكلي في العمليات الاقتصادية، حيث يتمّ الاستيراد بالدولار والبيع بالدولار (مُقوّم بالليرة اللبنانية) إلى المُستهلك.

ولو افترضنا أن سعر الصرف تحرّر، وحُلّت المُشكلة السياسية مع الدول الخليجية (المُستورد الأول)، فإن القدرة الإنتاجية للمصانع اللبنانية، قد تسمح برفع الصادرات إلى 4.5 أو خمسة مليارات على أبعد تقدير، مقارنة بفاتورة استيراد لن تقلّ عن 10 مليارات دولار، ما يعني فارقاً بقيمة خمسة مليارات دولار، أصبحت قيمتها الضعف أقلّه بالليرة اللبنانية! وهنا يتوجّب معرفة أن مُعظم الخدمات المُستوردة من الخارج وعلى رأسها الإنترنت ستكون كلفتها عالية، كذلك الأمر بالنسبة إلى الاتصالات.

وعن الاستثمارات التي قد تدخل إلى لبنان، سيتمّ احتسابها على أساس الدولار وليس على أساس الليرة بسبب العادة الموروثة من الدولرة. وبمعنى آخر، لن يأخذ العامل اللبناني في الاعتبار انخفاض الليرة لأن اليد العاملة اللبنانية كانت مُقوّمة بالدولار الأميركي حتى ولو أن القبض كان بالليرة اللبنانية، وهو أمر قد يزيد من الهجرة.

على الصعيد المالي

ارتفاع الدين العام اللبناني بالدولار نتيجة انخفاض الليرة مقابل الدولار، سيعوّض تقريباً بانخفاض الدين العام بالليرة اللبنانية. 

على الصعيد الاجتماعي

سيتلقى المواطن ضربة كبيرة من خلال ارتفاع الأسعار خصوصاً أسعار المواد الغذائية، ولكن أيضاً القروض المُقوّمة بالدولار والتي ستُضاعف الدفعات، ما يعني أن الأمور الأساسية التي كانت تُشكّل قسماً ثابتاً في حياة اللبناني (هاتف، قرض، بنزين، قسط مدرسة، كهرباء، مولّد، إنترنت) لن يكون بالإمكان بعد الآن تغطيتها بالأجر الحالي، بالتالي هناك معضلة الملاءة (33 في المئة من الراتب للقرض). فأجر المواطن في القطاع العام والقطاع الخاص (الأجور المُنخفضة) مُقوّم بالليرة اللبنانية، بالتالي سيتمّ القضاء على القدرة الشرائية لهؤلاء الذين يُشكّلون أكثر من ثلثي اليد العاملة في لبنان.

على الصعيد النقدي

سيتم تخفيف الضغط عن احتياط مصرف لبنان، ما سيُشكّل إنقاذاً للمصرف المركزي الذي يرى احتياطاته تذهب إلى الدفاع عن ثبات الليرة والاستيراد.وفي المُحصلّة، تحرير سعر صرف الليرة إن حصل، ستكون له تداعيات كارثية على لبنان، قبل القيام بإصلاحات اقتصادية.