Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعلانات مقاومة التباعد بـ"الاتصالات" تنتعش والمنفعة سيدة الموقف

تفشي كورونا وتوصيات العزل الاجتماعي تضيف ملايين المشاهدات وسط حظر الجماهير بالمنازل

شركات الاتصالات والإنترنت الرابح الأكبر زمن الإغلاق والحظر  (رويترز)

الإعلانات مرآة المجتمع. والمجتمع موضوع الإعلانات وهدفها وغايتها. والتغيرات الحادثة في الأول تنعكس بدورها في محتوى الأخيرة وما تعلن عنها من منتجات. وكل ما سبق يتصل اتصالاً مباشراً بالجماهير العريضة المثبتة أمام الشاشات، والمتابعة لعشرات المسلسلات وبرامج المسابقات والمقالب وما يسميه البعض "تفاهات".

 هذه الجماهير لا تكتفي بالمتابعة والمجادلة والتقييمات الفنية للأعمال الدرامية، لكنها تتحول إلى متخصصين في المحتوى الإعلاني ومُقيّمين للأداء التمثيلي ورقباء على الأخلاق الحميدة، ومتأثرين بما يقرره المعلنون من أولويات استهلاكية وتوجيهات شرائية مغلفة ومجملة ومنمقة؛ لتبدو وكأنها ليست رسائل منفعة، بل رسائل من القلب إلى القلب.

جمهور مستهدف

الجمهور المستهدف من طوفان إعلانات شركات الاتصالات هذا العام جمهور بعينه، وفئة دون غيرها. إنه الجمهور المحظور في البيت حيث يمارس عمله ويستأنف دراسته، ويملأ أوقات الحظر الطويلة بخبز كعكة بناء على وصفة من "غوغل"، وممارسة يوغا و"بيلاتس" متوفرة عبر تطبيقات، وتصوير مقاطع فيديو عبر "تيك توك" و"لايكي"، وتبادل سبل شغل وقت الأطفال ودرء ملل المراهقين عبر تبادل المتقرحات مع أصدقاء افتراضيين في الهند والصين وأستراليا والتشيك، ولكن عن بعد.

"تم تصوير هذا الإعلان عن بعد تماشياً مع مبادرة خليك في البيت والصحة العامة". التنويه المصاحب لأحد إعلانات شركات الاتصالات، صاحبة نصيب الأسد في الجرعة الإعلانية الحالية، يلخص المكون الرئيس والإطار المحدد للغالبية المطلقة من الإعلانات هذا العام، الذي يرفع راية "فيروسات قوم عند شركات الاتصالات فوائد".

الحظر المفروض بفعل الفيروس وما نجم عنه من إغلاق لكل المؤسسات التعليمية بمراحلها، وإغلاق أو تخفيض لحجم العمالة في العديد من أماكن العمل وإحلال العمل من البيت محل الوجود الفعلي، ومخاوف الملايين من عدوى الفيروس والتزامهم البيوت التي تحولت بين فيروس وضحاه إلى أماكن للعمل والترفيه والرياضة وتنمية المواهب وشغل الفراغ، صب في مصلحة شركات الاتصالات.

الدق بحنكة على وتر الحظر

شركات الاتصالات تدق بكل حنكة وضراوة على وتر الحظر والإغلاق، ومن ثمّ الاعتماد على الإنترنت المنزلي، وإلى حد ما على المكالمات الهاتفية عبر المحمول لمن حرمته الظروف من نعمة الشبكة العنبكوتية. الغالبية المطلقة تدور في فلك العمل والترفيه والرياضة والدراسة والتواصل والطبخ. باقات وعروض ووعود بالاتصال الأقوى والتكلفة الأوفر والاتصال الأوسع. الأغنيات والمشاهد التمثيلية المصاحبة للإعلانات تتنافس فيما بينها على توصيل رسالة واحدة لا ثاني لها للمتلقي المحظور في بيته، "نحن الأقدر على استمرار تواصلك مع العالم الخارجي رغم أنف كورونا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أنف كورونا المكسور

أنف كورونا المكسور تحت وطأة ظهور اللاعب المصري العالمي المحبب لدى الملايين محمد صلاح، وهو يمارس أنشطة الحظر بين ألعاب رياضية منزلية، مصوباً جواربه تجاه سلة الغسيل، ومداعباً ابنته "مكة" في حديقة البيت وداخله، بالإضافة إلى كوكبة من الفنانين عبر كاميرا هاتفه أو الحاسب الآلي المحمول كل في بيته متمتماً بأغنية الإعلان، لتصل الرسالة الإعلانية للمستهلك واضحة لا ريب فيها؛ "الجميع ملتزم البيت، لكن متصل ومبتهج ونشيط بفضل الاتصال بالإنترنت عن طريق شركة كذا".

ومن شركة كذا إلى أخرى، والفكرة ذاتها المتمحورة حول الإنترنت المقرب للجميع في زمن التباعد الاجتماعي انتظاراً لمعاودة التلاقي والسلام بالإيد. والإشارة إلى "شات" و"زوم" و"ووتش بارتي" و"واتس آب" و"فيسبوك أوديو" و"فيديو" تحل محل التلاقي الجسدي إلى أن يعود من جديد، وهذه "سنة الحياة" في زمن الاتصالات تحت إمرة كورونا.

تقريب البعيد

يتصدر المشهد الإعلاني حالياً تقريب البعيد افتراضياً وسد الفجوات الناجمة عن خطر الفيروس. وبعد سنوات من هيمنة فكرة النوستالجيا لزمان والحنين لعصر فات من قِبل الشركات نفسها، تتخذ النوستالجيا منحى جديداً مواكباً للتطورات. وبدلاً من الحنين لفوازير "فطوطة" ونيللي وشريهان، ومسلسلات فؤاد المهندس وكارتون بوجي وطمطم، تتوجه النوستالجيا صوب الأمس القريب وقت كان السلام باليد والحنين بالحضن في زمن لا حضن فيه، ولا استخدام لليد إلا لغسلها بالصابون والمطهرات، اللذين يحتلان المكانة الإعلانية التالية في عام 2020 بعد شركات الاتصالات التي تحاكي العلاقات الاجتماعية في زمن تباعداتها بحسب توجيهات منظمة الصحة العالمية.

 كم هائل من الشركات والمصانع المنتجة للصابون والمطهرات تنوه في إعلاناتها المتواترة عن مطابقة منتجاتها لمعايير منظمة الصحة العالمية. وعلى الرغم من امتناع هذه الشركات عن الادعاء بأن منتجها قادر على دحر الفيروس ووقف الوباء، فإن التلويح والتنويه والإسقاط يقول بالفم المليان إن هذا المنتج هو الأفضل لحماية الأبناء المحظورين، وتعقيم ملابس المضطرين للخروج، وتطهير الأسطح بعد تسلم أكياس الديليفري التي تحتوي على المنظفات والمأكولات.

 

 

المياه الغازية

حتى الإعلان عن المأكولات لم يفلت من قبضة كورونا. علب الجبن المثلثات تتحول إلى مضارب كرة يلعب بها الأطفال المحظورون في البيت. وخدمة توصيل البيتزا إلى المنازل في أوقات الحظر تنقذ من حُرِقت دجاجته أثناء الطهي أو خربت كعكته في الفرن.

وبالطبع لا تسلم الإعلانات من أباطرة المياه الغازية. وإذا كانت قد دقت فيما سبق على وتر الاستمتاع بتناولها وسط تجمعات العائلة والأصدقاء، وحيث إنه لا يمكن تشاركها افتراضياً عبر التطبيقات العنكبوتية، فإن الرسالة الإعلانية الوحيدة هي، الأحجام الكبيرة التي تكفي للبقاء في البيت.

ملابس داخلية

أما ملابس الرجال الداخلية على الساحة الإعلانية فهي في حقيقة الأمر معركة حامية الوطيس دارت على كل أنواع الأثير منذ بث إعلان إحدى شركات إنتاج الملابس القطنية الداخلية الشهيرة. انتفاضة مجتمعية معتادة ومعها استجابة مؤسسات تلعب دور "شرطة الأخلاق" أدت إلى إيقاف إعلان كلماته مستمدة من وحي كلمات مهرجان "بنت الجيران"، التي سبقت وأثارت جدلاً من قبل حماة الأخلاق لا يقل عن الجدل المثار حالياً بشأنها.

المجلس الأعلى للإعلام انتفض، والمجلس القومي للمرأة انزعج، ومجلس النواب عبر عن قلقه، وجهاز حماية المستهلك حذر من انتهاك الإعلان للكرامة الشخصية، والشركة المنتجة اعتذرت، وتم إيقاف الإعلان الذي جرح المشاعر وخرق المقاييس.

نجاح بالإيقاف

لكن بالمقاييس الإعلانية والمعايير التسويقية وتقييمات النجاح والفشل، نجح الإعلان عبر الإيقاف. فقد تمكن من جذب انتباه الملايين من المشاهدين المحظورين، ومن لم يسعده الحظ بمتابعته قبل منعه من الشاشة الفضية فعل ذلك عبر الشاشات المحمولة في إقبال متضاعف.

أنت استثنائي

ويظل إعلان "أنت استثنائي" الذي يتم بثه مئات المرات في اليوم الواحد يلقى الكثير من التأييد ومعاودة الترديد ما يجعله استثنائياً بالفعل. الإعلان الذي يروج لأحد البنوك المصرية الوطنية يبث روحاً قتالية ويحاول استعادة مشاعر حماسية ويدق على أوتار استرجاع الثقة التي اهتزت في ظل تقلبات سياسية وزلازل اجتماعية واقتصادية.

الأغنية التي تحوي مريضة بهاق في تحدٍ للتنمر، وتلميذاً مكتوباً له "لا يمكن تكون" فيحولها إلى "أكيد هكون"، ورجل إطفاء يهرع لإطفاء حريق وإنقاذ الناس، وأطباء يعالجون مرضى الفيروس ثم يتحولون جيشاً بملابس مموهة وغيرهم من نماذج من شأنها أن تبث الأمل في النفوس المنهكة والمحظورة.

في النهاية، تظل الإعلانات قادرة على أن تؤسس لنفسها قاعدة مشاهدة ومتابعة جماهيرية أعلنت انفصالها عن المسلسلات والبرامج بعدما كانت مكملاً لها، فصارت منظومة مشاهدة قائمة بذاتها. هذه المنظومة طغت عليها الجائحة، فحولتها إلى مكاسب، وصاغتها في هيئة رسائل بعضها يبث الأمل والبعض الآخر ينشر الجدل. وفي نهاية المطاف تبقى المعادلة الإعلانية قائمة على مدى تفاعل المتلقي مع محتوى الإعلان، وهو ما يؤدي إلى زيادة المبيعات أو انخفاضها. فبين المُعلِن والمتلقي فاتورة منفعة في ظل كورونا أو من دونها.