Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في ظل الجائحة ترمب يحاول خطف هيئة فيدرالية مستقلة

إنهم يحوّلون حياتنا إلى كابوس حقيقي لأنهم يريدون تغيير كل شيء يريدون السيطرة الكاملة

الرئيس ترمب متهم بالسعي لضرب التوازن بين السلطات في الولايات المتحدة بزج جيش من المستشارين الموالين له من خارج ملاك موظفي الخدمة العامة الأميركية (أ.ب) 

أصدر الرئيس دونالد ترمب في الأول من مايو (أيار) بلاغاً، أعلن فيه تكريس هذا الأسبوع "أسبوعاً لتقدير الخدمة العامة" لهذا العام، ودعا "الأميركيين وجميع الوكالات الحكومية الفيدرالية وعلى مستوى الولايات، والوكالات القبلية والمحلية إلى تقدير تفاني الموظفين العموميين في بلادنا، والاحتفاء بهذا الأسبوع عبر برامج ونشاطات مناسبة".

وكذلك أعلن أن الأميركيين "ممتنون بشكل خاص لموظفينا العموميين المتفانين"، الذين "سترتقي تجربتهم وخبرتهم والتزامهم الخدمة في بلادنا خلال هذه الأوقات العصيبة، وتساعد على ضمان تعافيها سريعاً"، الذين سوف يكون الأميركيون "مدينين لهم إلى الأبد، على عملهم الشاق وتفانيهم وشجاعتهم".

من شأن الرئيس أن يوقّع وثائق لا حصر لها، وذات طبيعة مماثلة على مدى أربع سنوات، تحدد أياماً وأسابيع وشهوراً مختلفة لتكريم مجموعات مختلفة وحوادث تاريخية وأشخاص وكيانات أخرى، يعتبرها زعيم العالم الحر جديرة بالتقدير.

وبالنسبة إلى كل من شاهد عروض ترمب خلال جلسات الإحاطة اليومية التي كان يعقدها حتى وقت قريب باسم فريق عمل البيت الأبيض الخاص بفيروس كورونا، تشبه هذه اللغة المنمّقة تلك الملاحظات المُعدّة التي اعتاد قرأتها في بداية كل إحاطة، إلى حد كبير.

وفي المقابل، مثلما كان ترمب يقرأ عباراته المبتذلة بأسلوب مُمل يخلو من الحماسة، قبل أن يكشف عن طبيعته العدوانية المألوفة ضد الصحافة خلال فترة الأسئلة والأجوبة من الإحاطة اليومية، فإن موقف إدارته تجاه الموظفين العموميين الذين يحافظون على استمرار عمل الحكومة يمكن معرفته بشكل أفضل، ليس من خلال الملاحظات أو الإعلانات المعدّة سلفاً، لكن عبر الإجراءات التي تتخذها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي اليوم نفسه الذي وقّع فيه ترمب وثيقة رسمية يشكر فيها موظفي الخدمة المدنية في جميع أنحاء البلاد، كان المسؤولون الذين عيّنهم في إدارة الموارد البشرية الفيدرالية يتخذون خطوات لتعزيز سلطتهم، وتقويض الموظفين المهنيين، الذين طالما استهزأ بهم ووصفهم بأنهم "الدولة العميقة"، وجزء من "المعارضة".

تتولى تلك الوكالة، "مكتب إدارة شؤون الموظفين"، المسؤولية، من بين أمور أخرى، عن ضمان احترام الوكالات الفيدرالية قوانين الخدمة المدنية، التي يعود بعضها إلى عام 1883.

سيتحدّث متخصصو مكافحة الفساد كثيراً عن أهمية وجود خدمة مدنية غير حزبية ومستندة إلى الجدارة، لضمان سير عمل الحكومة بسلاسة ومن دون عوائق الفساد. لكن بالنسبة إلى إدارة ترمب المهووسة بالولاء، كانت الحاجة إلى توظيف أفضل الأشخاص (فعليّاً) وحمايتهم من الطرد لأسباب سياسية، خارج أهدافها منذ اليوم الأول.

ولتأكيد هذه النقطة ربما طُرِدَ المسؤولَان اللذان رشّحهما ترمب لإدارة الوكالة، بعد أقل من عام على تعيينهما. الأول، متخصص موارد بشرية محترم يدعى جيف بون، طُلب منه تقديم الاستقالة بعد سبعة أشهر من مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينه في المنصب. ويرجع ذلك إلى تصديه لمحاولات تدمير تلك الوكالة ومنح "مكتب الإدارة والميزانية" في البيت الأبيض السيطرة على سياسة شؤون الموظفين الفيدراليين جميعهم، بما في ذلك طريقة تعيين موظفي الخدمة المدنية، ومتى وكيف يمكن ترقيتهم، أو منحهم زيادات، أو فصلهم.

ويرى المتخصصون أن هذه الخطة تتعارض مع نحو قرن ونصف القرن من الجهود الرامية إلى إبقاء سياسة شؤون الموظفين خارج السيطرة المباشرة للرئيس. ولحسن الحظ بالنسبة إلى العمّال الفيدراليين، فقد رفض الكونغرس الخطة بشكل مسبق عبر وضع نصٍ في "قانون تفويض الدفاع الوطني"، يقضي بمنع نقل وظائف "مكتب إدارة شؤون الموظفين" إلى "مكتب الإدارة والميزانية" في البيت الأبيض.

في المقابل، ذكرت مصادر مقرّبة من قيادة "مكتب الإدارة والميزانية" وخبراء سياسة شؤون الموظفين، أن فريق ترمب ما زال يسعى إلى تمكين الرئيس من السيطرة على جميع التعيينات في المناصب الفيدرالية، ويحاول بذلك تدمير الوكالة من الداخل، ببساطة.

وقد بدأ هذا الجهد الأخير بإسقاط المدير الثاني لـ"مكتب إدارة شؤون الموظفين"، دايل كابانيس، التي استقالت بعد أقل من ستة أشهر من تعيينها من قِبل مجلس الشيوخ. وحسب مصادر، فقد جاءت الاستقالة نتيجة التنمّر ومطالب "مدير شؤون موظفي الرئاسة" في البيت الأبيض جون ماكنتي و"المنسّق" بول دانز الذي عينه البيت الأبيض.

ووفقاً لمصادر في "مكتب إدارة شؤون الموظفين"، فقد استقالت كابانيس بعد رفضها الاستجابة لرغبة دانس ومكّانتي بطرد رئيس الموظفين الذي اختارته، وهو موظف مخضرم في الوكالة يدعى جون بليث، ويدير "مكتب الارتباط مع الكونغرس والشؤون الحكومية المشتركة".

وقد عاد بليث، وهو ضابط احتياط في البحرية الأميركية، إلى منصبه السابق، لكنه فُصِل من العمل الأسبوع الماضي من دون سابق إنذار. أمّا منصب كابانيس، فيشغله بالإنابة حاضراً نائب مدير الوكالة مايكل ريغاس، الذي عُيّن بالوكالة أيضاً نائباً لمدير "مكتب الإدارة والميزانية" في البيت الأبيض، وهو المكتب الذي يُمنع عليه قانونيّاً تولي وظائف "مكتب إدارة شؤون الموظفين".

في ذلك الصدد، وصف أحد الموظفين الفيدراليين المطلعين، وهو متخصص يتمتع بثلاثة عقود من الخبرة في سياسة شؤون الموظفين "إنهم يتصرفون كما لو أن مكتب إدارة شؤون الموظفين قد أُلغي بالفعل". لقد جعلوا مكتب إدارة شؤون الموظفين "تابعاً نوعاً ما" لـ"مكتب الإدارة والميزانية". وأعتقد أن (البيت الأبيض) "أوضح ذلك تماماً لكابانيس، التي لم تكن تدرك جيداً أنها مجرد زينة خارجية، وأن (مكتب الإدارة والميزانية) هو الذي يدير الوكالة".

ويساعد ريغاس في الوكالة، دانس الموالي ترمب، وقد ثُبِّتَ هناك من قِبَل ماكّنتي لضمان خضوع تلك الوكالة المستقلة لإرادة الرئيس، وكذلك جورج نستركزوك الذي شكّل الخيار الأصلي لترمب.

ويعتبر نستركزوك موظفاً مخضرماً في "مكتب إدارة شؤون الموظفين"، وقد عمل فيه أثناء إدارتي ريغن وجورج بوش الأب، وساعد أيضاً في إنشاء نظام "الأجرة مقابل الأداء" في الوظائف المتعلقة بالأمن القومي، وقد رُشّح لرئاسة "مكتب إدارة شؤون الموظفين" في يونيو (حزيران) 2017، لكنه انسحب في أغسطس (آب) من ذلك العام، بسبب ما سمّاه "هجمات حزبية".

في هذا الصدد، وصف متخصص في قضايا العمل على المستوى الفيدرالي نستركزوك بـ"المسيح الدجال الذي أمضى حياته المهنية بأكملها محاولاً فعل أشياء نجح فيها ترمب إلى حد كبير، تتمثّل في تقويض الخدمة المدنية، والتخلص من أنظمة الأجور، والتصنيف الخاصة بهم، والمزايا المصروفة، والحقوق النقابية،" مضيفاً أنه ليس هناك من إنسان يميني أشد تطرفاً من نستركزوك.

في المقابل، منذ الشهر الماضي، تحرّك ريغاس ونستركزوك وغيرهما من الذين عيّنهم ترمب لأغراض سياسية، بسرعة لتعزيز سلطتهم وإزاحة الموظفين المهنيين في عدد من مواقع صنع القرار.

ووفق أحد موظفي الخدمة المدنية، "لقد حوّلوا حياتنا إلى كابوس حقيقي، لأنهم يريدون تغيير كل شيء. إنهم يريدون السيطرة الكاملة".

وتمثل "سلطة التوظيف المباشر" إحدى السلطات التي بات يسيطر عليها المعيّنون من قبل ترمب. وتسمح هذه السلطة للوكالات بتجاوز آليات التوظيف المعتادة في الخدمة المدنية، وجلب موظفين جدد من دون إعطائهم الحماية المتوفرة لمعظم الموظفين.

وأوضح متخصص آخر أن "الأمر الخطير يتمثّل في أن يمارس (مكتب إدارة شؤون الموظفين) حقّه في نقل سلطة التوظيف المباشرة إلى سائر الدوائر الحكومية، لأن سلطة التوظيف المباشر هي نفسها آلية للفساد، وذلك لسببين، أولهما أنها تسمح للمُعيّنين سياسيّاً بتوظيف أصدقاء لهم من غير مؤهلين، ولأن كل شخص يوظّف بهذه الطريقة لن يتمتع أبداً بحقوق مراعاة الإجراءات القانونية الممنوحة لموظفي الخدمة المدنية، خصوصاً المبلّغين عن المخالفات".

"إنه ليس مجرد فساد سياسي، فهذا جزء من القصة. إنه أيضاً يخلق هذه الفئة المتنامية من العمّال الفيدراليين الذين يعملون وفق رغبة رؤسائهم، لأنهم عُيّنوا تعييناً مباشراً، ومن ثمّ لا يمكنهم الاحتجاج على الفصل غير المشروع من العمل أو على أي إجراء سلبي ضدهم. ليس لديهم الحق في مساءلة أي شخص".

© The Independent

المزيد من آراء