Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة اللبنانية "تحيك" مرسوم العفو الخاص للالتفاف على "العام"؟

يُعتبر هذا المرسوم من الصلاحيات الحصرية التي يمارسها الرئيس والهدف تخفيف الاكتظاظ في السجون وسط تخوّف من تفشي كورونا

سجن رومية شمال شرقي العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

خلال الجلسة الأخيرة لمجلس النواب اللبناني، تعثّر إقرار قانون العفو العام بفعل الاختلاف بين الكتل السياسية، وعاد مجدداً إلى دائرة النقاش والتفاوض. وأمام الواقع الإنساني الصعب للسجون، حضر على مائدة البحث مشروع للعفو الخاص يصدره رئيس الجمهورية ميشال عون بمرسوم.

ويُعتبر هذا المرسوم من الصلاحيات الحصرية التي يمارسها الرئيس في لبنان، إلا أن التخوّف من أن يشكّل ذلك التفافاً على قانون العفو العام. ومع استمرار الشرخ بين القوى السياسية، تتواصل شبهة "تحوّل النظام البرلماني إلى رئاسي" في كل مرة يحاول رئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته الدستورية، عند الحافة أو أكثر بقليل، مدفوعاً باجتهادات دستورية وأعراف طارئة.  

حياكة العفو الخاص

بدأت وزيرة العدل ماري كلود نجم بإعداد مرسوم العفو الخاص، بهدف تخفيف الاكتظاظ في السجون وسط تخوّف من تفشي فيروس كورونا المستجد. ويتوقّع أن يشمل 300 محكوم وموقوف، وتحديداً ممن أنهوا محكومياتهم ويستمرون في السجن لعدم دفع الغرامات التي صدرت بحقهم، وكذلك مجموعة من السجناء لم تتعدَ المدة المتبقية لمحكومياتهم الأربعة أشهر، بالإضافة إلى هؤلاء الذين يُعانون من أمراض خطيرة ومزمنة. وقد طلبت من إدارة السجون كشفاً بهؤلاء الأشخاص.

ويؤكد عضو "تكتل لبنان القوي" جورج عطا الله لـ "اندبندنت عربية" موقف "التيار الوطني الحر" المعارض قوانين العفو التي يجب أن تبقى استثنائية، وألا تتكرر بصورة مطردة. ويلفت إلى أن رئيس الجمهورية طالب بإعادة النظر بمشروع العفو الخاص للحؤول دون تضخم الأعداد المشمولة، لأنه يجب أن يكون على بيّنة من الأسماء التي ستخرج من السجن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وينفي عطا الله أن يكون الهدف الأساسي من العفو الخاص التفاف فريق رئيس الجمهورية على قانون العفو العام، الذي يعتبر مطلب شرائح واسعة من اللبنانيين. ويتحدث عن معارضة العفو العام بصيغته الحالية لأنه سيُخرج أشخاصاً "لم يتوبوا وهم بالتالي يشكلون خطراً على المجتمع"، طارحاً تجار المخدرات كنموذج، باعتبار أن الكثير منهم لا يزالون فارين من وجه العدالة ومستمرين بأفعالهم الجرمية.

ويعتقد أن قوانين العفو العام تضرب العدالة، وهي يجب أن تُقر استثنائياً عند انتهاء الحروب الأهلية والأزمات الكبرى، وألا تكون لأهداف شعبوية وانتخابية. وعن مخاطر تفشي كورونا، يشير عطا الله إلى أنه لم تُسجل أي إصابة حتى اللحظة داخل السجون اللبنانية.

ويلفت ممثل "تكتل لبنان القوي" في لجنة الإدارة والعدل إلى وجود طرق أخرى يمكن أن يسلكها السجناء من ذوي السيرة الحسنة غير قوانين العفو العام الشامل، إذ أقر مجلس النواب في الفترة الأخيرة قانوناً يسمح للمحكوم أن يلتمس تخفيف العقوبة من قبل القاضي الذي أصدر الحكم بحقه، من خلال إثبات أنه حسن السيرة والسلوك داخل سجنه.

العفو العام أولوية

ويسير العفو العام بخطى متعثرة حتى اللحظة، بفعل غياب توافق "الثلاثية السياسية". ولم تتوصل "جلسة الأونيسكو" إلى تسوية تُخرج القانون إلى دائرة النور. وأسهم ربما تعدد القوانين المقترحة في خسارة العفو حظوظه، بحيث بات هناك اقتراح قانون مقدّم من "كتلة المستقبل"، واقتراح "كتلة التنمية والتحرير" الموقّع من ياسين جابر وميشال موسى، زد عليهما اقتراح "إخلاء السبيل" الذي تقدمت به "كتلة الوسط المستقل" برئاسة نجيب ميقاتي، واقتراح النائب ميشال معوض.

وشهدت الجلسة النيابية على مرافعة قدّمها النائب سمير الجسر للدفاع عن العفو العام، دان فيها الطبقة السياسية المسؤولة عن 23 جولة عنف، وأكد تطبيق روح العدالة التي يفتقدها لبنان. وقدّم ثلاثة أمثلة عن التعاطي مع ملف حركة "فتح الإسلام" بعد اشتباكات مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد شمال لبنان، حين تمّ تهريب شاكر العبسي بينما تمّ توقيف المئات للشبهة، وظلوا ثلاث سنوات من دون محاكمة بذريعة عدم وجود قاعة محكمة واسعة. وأعطى أمثلة عن "وجود أشخاص تبلغ عقوبتهم في النصوص القانونية سنة، لكنهم أوقفوا فترة تزيد عن أربع سنوات"، وبعد 13 عاماً من السجن ظهرت براءة 45 شخصاً موقوفاً. وتكرر هذا الأمر مع أحداث طرابلس – التبانة.

ولفت إلى مماطلة المحكمة الاستثنائية التي وُضعت للبت على وجه السرعة بالملفات، فيما تستمر بتأجيل المحاكمات في كل مرة ما لا يقل عن ستة أشهر. وأكد أن مطلب العفو العام لا يهدف إلى إخراج من قتل مدنيين أو عسكريين، وإنما إلى إنصاف المظلومين.

إكمال التعديلات السيئة؟

وقد شكّلت "وصمة الإرهاب" عائقاً أمام عودة المحكومين إلى الحياة الطبيعية، بسبب وضع إشارة على الوثيقة القضائية للشبان بأنهم محاكمون بتهمة الإرهاب.

في المقابل، ينظر المحامي محمد صبلوح بريبة إلى إعداد عفو خاص في ظل البحث في قانون العفو العام الجدّي، الذي يعارضه "التيار الوطني الحر" والأحزاب المسيحية الأخرى. ويعتقد أن الهدف من هكذا مرسوم هو العرقلة، وهي التي تأتي لتكمل "التعديلات السيئة" التي اقترحت على قانون العفو أخيراً. ويشير إلى أن هناك توجهاً لدى البعض للعفو عن 36 ألف فار من وجه العدالة بتهم المخدرات، وإعادة ستة آلاف متهم بالعمالة من الخارج. ويتحدث عن خلاف داخل اللجان النيابية المشتركة سببه "حقد التيار الوطني الحر"، متسائلاً عن حل مشكلة السجون بعفو خاص يشمل 300 سجين فقط، وهو عدد قليل مقارنة بمئات كان أخلي سبيلهم بفعل جهود نقابة المحامين في طرابلس.

ويعتبر صبلوح أنه "في دولة المؤسسات والقانون والعدالة، لا يتجرأ أحد على المطالبة بالعفو العام، إلا أن كثيراً من السجناء في لبنان هم ضحايا الخلافات السياسية، وقد زُجّ بهم في السجون، في حين يُهرّب العملاء على غرار ما جرى مع عامر فاخوري". وأشار محامي موقوفي أحداث طرابلس وعبرا إلى أنه "إذا كان الهدف من العفو العام تكريس الفساد ورفع راية البقاء للأقوى بسلاحه، فالأفضل أن يُلغى ويبقى الوضع على ما هو عليه".

بالمحصلة، يبقى الصراع السياسي بأبعاده الطائفية هو الطاغي على ما سواه في لبنان. وفي انتظار إقرار استقلالية القضاء، وتكريسها في النصوص والممارسة، تستمر الملفات القضائية عُرضة للتسوية والمساومة.  

المزيد من تقارير