Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رواية العنف العنصري داخل أسوار إصلاحيّة أميركيّة تنال بوليتزر

كولسون وايتهيد يفوز للمرّة الثانية مستعيدا صفحة سوداء من التاريخ الحديث

الروائي الأميركي كولسون وايتهيد (موقع الجائزة)

يربط الكاتب والمفكّر الفرنسيّ جان بول سارتر (1905 -1980) عمل المثقّف بتحرير نفسه وتحرير الآخرين أيضاً، ويعتبر برؤيته للمثّقف والكاتب أنّ الآخرين هم كلّ المجتمع ولا بدّ من تحريرهم. وتنصبّ أعمال كتّاب وروائيّين عالميّين كثر في هذا المنظار، وقد دأبوا من خلال أعمالهم على حمل قضايا اجتماعيّة وإنسانيّة وواقعيّة ليساهموا في توعية القارئ ونقد السلطة. وعندما يتمّ الحديث عن توعية القارئ فذلك ليس بالمعنى التعليميّ الذي حمله الأدب في القرنين السابع عشر والثامن عشر بل بالمعنى التحفيزيّ الذي يشيع في القارئ الرغبة في تحسين الواقع والقيام بشؤون المجتمع وتحسين ظروف عيش أهله.

تأتي رواية الكاتب الأميركيّ الخمسينيّ كولسون وايتهيد "صبيان إصلاحيّة نيكل" (The Nickel Boys, Colson Whitehead)، في هذا السياق لتكون بمنحى ما، الضمير الشعبيّ أو الوطنيّ للأمّة. وقد يكون هذا هو السبب بالتحديد وراء فوز كولسون وايتهيد بجائزة بوليتزر الأميركيّة عن فئة الرواية لهذا العام. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ بوليتزر هي من أعرق الجوائز الأميركيّة الممنوحة، وتقدّمها جامعة كولومبيا الأميركيّة في نيويورك بتمويل أوّل من الصحافيّ الأميركيّ جوزف بوليتزر (1847-1911) الذي تحمل اسمه والذي كان المانح والمؤسّس لهذه الجائزة رغبة منه في تحفيز العمل في الصحافة والخير العامّ للمجتمع. وتُمنح هذه الجائزة في كلّ عام عن عدّة فئات هي الصحافة والأدب والموسيقى والفنون.

وعلى الرغم من الظروف المؤسفة التي يمرّ بها العالم هذه السنة جرّاء تفشّي وباء الكورونا، وعلى الرغم من التأخير الذي شهده حفل تسليم الجوائز والذي تمّ بثّه على الإنترنت بدلاً من أن يُقام حفل ضخم في جامعة كولومبيا كما في كلّ عام، تمّ منح الجوائز هذه العام وإن متأخّرة بأسبوع عن تاريخها الاعتياديّ. وجاء فوز وايتهيد عن روايته ليؤكّد دور المثقّف في المجتمع. فوايتهيد الذي سبق أن فاز بهذه الجائزة العام 2017 عن رواية سابقة له، تناول في هذه الرواية قضايا اجتماعيّة مستقاة من صلب المجتمع الأميركيّ كمثل العنصريّة والعنف ضدّ المراهقين والتعذيب والاضطهاد واغتصاب القاسرين وغيرها من الأمور التي تدور خلف أسوار إصلاحيّة الهدف الأوّل من إرسال المراهقين إليها هو إعادة تأهليهم للخروج أفرادًا جددًا وصالحين إلى المجتمع.

أتت هذه الجائزة لتكرّس عمل وايتهيد الذي يسلّط الضوء على معاناة المراهقين المسجونين في إصلاحيّة "نيكل" الموجودة في ولاية فلوريدا والتي كانت تُعدّ أكبر إصلاحيّة للصبيان قبل إغلاقها العام 2011 لأسباب إنسانيّة. فقد عُرِفت هذه الإصلاحيّة بقسوة المربّين فيها وبالعنف الممارس على المراهقين بين جدرانها. وقد تمّ إقفال هذه الإصلاحيّة بعد تكاثر أخبار عن المعاملة التي يلقاها المراهقون داخلها، وهي أخبار من المراهقين الخارجين منها أنفسهم أو من أهالي المراهقين المفقودين والذين يُرجَح أنّهم قُتِلوا بوحشيّة ودُفنوا داخل أسوار هذه الإصلاحيّة. وأظهرت بحوث قضائيّة وتحقيقات أجريت أوائل هذا القرن حوالى 55 جثّة مدفونة في أرض الإصلاحيّة وتبيّن أنّها عائدة لمراهقين كانوا مُدرجين داخل الإصلاحيّة وقيل لأهلهم إنّهم هربوا لتبرير اختفائهم. وهذا الأمر يرد في النصّ على لسان ترنر شخصيّة المراهق الواقعيّ الذي يدرك خفايا الأمور على عكس صديقه إلوود الحالم والمثاليّ الذي يستغرب كيف يموت مراهقون ولا أحد يعلم بهم: "قال ترنر: -أحياناً يأخذونك ولا نراك مجدّداً بعد ذلك، وعندما تسأل عائلتك عنك يقولون لها إنّك هربت... - يجب ألا تجري الأمور هكذا! أجابه إلوود... - لا أحد يهمّه فعلاً كيف يجب أن تجري الأمور."

شخصيتان متأرجحتان  

لا يقدّم كاتب الرواية شخصيّةً واحدة ووجهة نظر واحدة في روايته هذه، بل يجعل الرواية بين أيدي شخصيّتين رئيستين اثنتين بوجهتي نظر متضادتين، أي أنّه يقدّم مرايا مختلفة للواقع تُظهر التناقض بين "ترنر" المراهق المسجون الواقعيّ الملوّع من المآسي المحيطة به، و"إلوود" المراهق المسجون أيضاً إنّما المثاليّ والحالم والمتأثّر بخطاب البطل الشعبيّ مارتن لوثر كينغ "لديّ حلم". ومن الطبيعيّ أن يتمّ الحديث عن صاحب أشهر خطاب في تاريخ محاربة العنصريّة في رواية تجري أحداثها في ستّينيّات القرن العشرين عندما كان صراع الأعراق في أوجه في الولايات المتّحدة الأميركيّة. فإلوود البطل المراهق المتأثّر بمارتن لوثر كينغ والذي لا ينفكّ يسمع خطابه، يدخل الإصلاحيّة لحادثة هامشيّة إنّما تتّخذ طابع الجريمة فقط لأنّ إلوود أسود لون البشرة.

 

وتتناول رواية وايتهيد عدا عن مسألة العنصريّة والتفرقة على أساس العرق، قضايا الاضطهاد والتعذيب والتنكيل والعنف والاستبداد. فشكّلت الرواية أداة كشف ومعرفة وتوعية بقدرتها على تقديم صورة كاملة من داخل الإصلاحيّة وذلك بوجهتي نظر مختلفتين، وجهة نظر إلوود المتأمّل في الحياة والمثل العليا وترنر الواقعي الذي يئس من محاولة تغيير الأمور. ويقول الكاتب وايتهيد إنّه يحمل في دواخله النزعتين اللتين تجسّدهما شخصيّتي إلوود وترنر. فهو من ناحية متفائل ومؤمن بالخير العامّ ويطمح إلى عالم مليء بالمثل العليا، ومن ناحية أخرى هو واقعيّ ويدرك كم أنّ الوضع صعب ومخيف على غرار ترنر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أنواع التعذيب

وبتأرجح السرد بين إلوود وترنر يسلّط الكاتب الضوء على آلام هؤلاء المراهقين وعذاباتهم ومخاوفهم وأنواع التعذيب والتنكيل النفسيّ والجسديّ التي يتعرّضون لها. ويرد في أحد المواضع ما يؤكّد قسوة الواقع الذي يعيشه هؤلاء المراهقون والذي عاشه آلاف المراهقين قبلهم: "لقد كان بإمكان هؤلاء المراهقين أن يكونوا أشياء كثيرة في هذه الحياة لو لم يدمّرهم هذا المكان... لقد حُرموا أبسط ملذّات أن يكونوا أفراداً عاديّين. لقد تمّت إعاقتهم وتمّ تعويقهم قبل أن يبدأ السباق حتّى، قبل أن يتمكّنوا من معرفة كيف يكون المرء عاديّاً."

لقد اختار الكاتب أن يخبر قصص هؤلاء المراهقين من خلال راويين اثنين مراهقين يسردان الأمور من وجهتي نظرهما ليفضحا بذلك ما يجري خلف الأسوار المغلقة لإحدى أشهر إصلاحيّات الولايات المتّحدة الأميركيّة وأكبرها. ليكون بذلك وايتهيد قد مهّد للقارئ أن يعرف حقيقة القسوة والوحشيّة التي تجري حوله من دون أن يملي موقفه على قارئه، تاركاً له حرّيّة رؤية الأمور من منظار إلوود وترنر ليقيّم الوضع بنفسه. وهذا هو بالتحديد دور الكاتب الذي يحمل قضيّة ويحمل همّاً إنسانيّاً، وهو ما يؤكّده الناقد اللبنانيّ لطيف زيتوني في كتابه "الرواية والقيم" في حديثه عن دور الروائيّ ومسؤوليّاته في المجتمع: "دور الروائيّ تجاه قارئه ينبغي أن يكون دوراً فنّيّاً. أمّا دوره تجاه مجتمعه فهو دور سياسيّ يرتّب عليه مسؤوليّة شخصيّة واجتماعيّة." (ص: 134).

لقد أدّى كولسون وايتهيد في روايته دور المثقّف الإنسانيّ الواعي والملتزم بشؤون مجتمعه ومحيطه، ولا بدّ من أنّ هذا السبب بالتحديد هو أحد أبرز الأسباب التي جعلت لجنة تحكيم البوليتزر تمنحه جائزتها للمرّة الثانية. فمن البدهيّ أن يعهد المجتمع للروائيّ بهذه الأدوار والمهمّات باعتباره إنسانًا ملتزمًا بقيم إنسانيّة إيجابيّة جامعة.

المزيد من ثقافة