Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاكتئاب يكسر حاجز الطبقية في زمن كورونا ويحطم الجميع

القاموس الشعبي لا يعرف مفردات التوتر والقلق والأعراض النفسية تنال من الجسد تحت ضغط الفيروس

فجأة ودون سابق إنذار وجد سكان الكوكب أنفسهم بين شقي رحا الفيروس وخطر عدواه (أ.ف.ب)

سماء، البالغة من العمر 42 عاماً، عاملة منزلية تعمل باليومية، هي أم لثلاثة أبناء في مراحل التعليم الجامعي والثانوي، زوجها عامل في مصنع باليومية أيضاً، بدأت تشعر بأعراض جسدية مختلفة على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية. سرعة في دقات القلب، شعور بالوهن، تنميل في الأطراف، عدم قدرة على النوم وغيرها. ما دفعها إلى زيارة الطبيبة في مستوصف خيري التي أخبرتها أنها لا تعاني أي أمراض، "الضغط والسكر والقلب وصورة الدم جميعها جيد، ربما تكونين متوترة أو تعانين قلقاً زائداً يسبب لك هذه الأعراض الجسدية. ربما يكون اكتئاباً".

كلمات التوتر والقلق والاكتئاب ليست من الكلمات الشائعة في قاموس سماء اللغوي. قاموسها عامر بـ"زنقة المدارس" حيث حتمية سداد المصروفات، أو "أزمة الدروس الخصوصية" حيث تدبير متطلبات "السنتر"، أو "دخلة رمضان" حيث محاولة لإثراء مائدة الإفطار بقطعة لحم غير معتادة أو دجاجة إضافية، أو "فاتورة الكهرباء" حيث معركة أسرية شهرية لإلقاء اللوم على الأبناء، وترك أنوار غرفة البيت الوحيدة متقدة "عمال على بطال"، أو "قيمة دواء" لمرض مفاجئ أصيب به أحد أفراد الأسرة.

مخزون لغوي

هذا المخزون اللغوي العامر ازداد ثراءً في الأشهر الثلاثة الأخيرة، وتحديداً منذ ظهر "اللي ما يتسمى فيروس الزفت"، على حد قولها. عدد أيام عملها تقلص من ستة إلى أربعة أيام بناء على طلب "المدام" التي تعمل لديها، التي بدورها تأثر دخلها سلباً بسبب "فيروس الزفت". الجامعات والمدارس أغلقت أبوابها، ومكث الأبناء الثلاثة في البيت، المكون من صالة صغيرة وغرفة متناهية الصغر، مع استمرار سداد المصروفات، وإضافة باقات إنترنت لا متناهية لزوم الدراسة عن بُعد، وزاد طين التضييق بلة العزل الإجباري؛ إذ صدر قرار من المصنع الذي يعمل فيه زوجها بأن يلزم نحو 50 عاملاً بيوتهم لمدة 14 يوماً بعد ظهور إصابة بـ"فيروس الزفت" في خط الإنتاج الذي يعملون فيه.

رفاهية الاكتئاب

وفي ثوانٍ من إشارة الطبيبة إلى احتمالية أن تكون سماء مقبلة على اكتئاب، قالت سماء لنفسها، "هؤلاء يعتقدون أننا مثلهم، وأن لدينا رفاهية الاكتئاب". وعلى الرغم من أن سماء على يقين بأن الاكتئاب لمن هم في مثل حالتها، وأعدادهم تقدر بالملايين؛ حيث دخول أشبه بالبورصة تتأثر لحظياً بقرار سياسي هنا، وتهوي بإجراء اقتصادي هناك، ثم تنتعش في اليوم التالي، وكأن شيئاً لم يكن.

تقول سماء، "اليوم الممطر يعني فقدان دَخل هذا اليوم؛ لأن شارعنا يتحول إلى بحر من الطين يحول دون ذهابي إلى العمل. وإن أصبت بدور إنفلونزا فإن دخل الأسبوع كله يتبخر في الهواء. وإن سافرت المدام للمصيف، توقف الدخل لحين عودتها. وفي المقابل، فإن المواسم والأعياد تشهد ارتفاعاً في الدخل حيث عيدية هنا وكرتونة رمضان هناك. أما فيروس الزفت هذا، فقد قلب الحال رأساً على عقب. دَخلنا أصبح في الحضيض، وزوجي أصبح يدخن بشراهة بعد عَزله وتوقيفه عن العمل، وإذا كانت وجبة إفطار اليوم موجودة، فإن وجبة الغد في علم الغيب. كل هذا ويخبرونا عن اكتئاب العزل، وتوتر البقاء في البيت، وقلق الوحدة، وغيرها من السخافات التي يتحدثون عنها في التلفزيون. ألا يعلمون أنه لو قدر الله لنا الإصابة بالفيروس، فلا قلق ولا اكتئاب، ولا كمامة ولا كحول سيمنع وقوع القدر؟!".

القدر في زمن كورونا

لكن القدر في زمن كورونا أنواع وأشكال وألوان، وأيضاً طبقات، إنها سنّة الحياة وكورونا ليس استثناء. استطلاع حديث أجرته "إيبسوس"، شركة عالمية لبحوث السوق، شمل 14 ألف شخص في 15 دولة حول مشاعرهم في زمن كورونا، أشار إلى أن 43 في المئة يتوقون لعودة الحياة الطبيعية مرة أخرى، و34 في المئة قلقون على صحتهم في ظل الفيروس، و15 في المئة يعانون الوحدة، و12 في المئة غاضبون من القيود المفروضة عليهم، و55 في المئة مهمومون وقلقون على الضعفاء من السكان، الذين هم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، وقال 31 في المئة إن البقاء في البيت فترات طويلة مع أفراد أسرهم يسعدهم كثيراً. وذكر 22 في المئة إن متابعة طرق تعامل الآخرين وتعايشهم مع أجواء الفيروس تثير انتباههم جداً ويجدونها ملهمة.

المؤكد أن الإلهام النفسي في زمن كورونا شأنه شأن حزمة المشاعر والمشكلات والأعراض النفسية المعقدة من اكتئاب وتوتر وهلع وغيرها، فيض لن يتوقف إلا بتوقف الفيروس نفسه. ويمكن القول إن المنافس الوحيد لـ"ترند" الفيروس وأعراضه وسبل الوقاية وطرق التعامل معه هو "ترند" المشكلات والضغوط النفسية والعصبية، الناجمة عن فرض الفيروس سطوته على سكان الكوكب من دون سابق إنذار أو استئذان.

دون سابق إنذار

ومن دون سابق إنذار أو استئذان وجد سكان الكوكب أنفسهم بين شقي رحا؛ الفيروس وخطر عدواه، وغموض هويته، وضبابية مستقبله، ومن ثمّ مستقبلهم من جهة. وانقلاب تفاصيل حياتهم اليومية رأساً على عقب حيث كوكب غير الكوكب، وأحوال غير الأحوال، وتفاصيل يومية مفاجئة تتراوح بين تبخر الدخل المالي في هواء التسريح والتقليص، وضياع حلم الشباب بحفل التخرج في الجامعة من دون أمل قريب يلوح في الأفق.

الآفاق الوحيدة التي يشعر المتخصصون أن بإمكانهم أن يفيدوا بها البشرية عبر إسداء النصح، وتشخيص الأعراض، واقتراح الحلول هي آفاق الحالة النفسية الناجمة عن الفيروس. أستاذ علم النفس والعميد المشارك في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة الأميركية في القاهرة هاني هنري يقول، "حين يكون هناك أزمة بحجم كورونا، فإن هذا يستلزم تقييماً علمياً لها. لابد أن نسأل أنفسنا ما أكثر شيء يؤثر فينا، مع تحديد نوع المشاعر التي تسيطر علينا. فإذا كان الخوف هو المسيطر، فخوف من ماذا؟ على كل منا أن يفهم طبيعة رد فعله وطبيعة الإحساس الذي يشعر به. بالنسبة للبعض تكمن المشكلة في الحرمان مما كان طبيعياً في زمن ما قبل الوباء، مثلاً الصلاة في المسجد أو الكنيسة، وزيارة الأهل، والخروج مع الأصدقاء، وعدم التيقن مما سيحدث غداً، وغيرها".

يضيف هنري أن الخطوة الأهم في التعامل النفسي مع الظروف التي فرضها الوباء هي أن يكون الإنسان على وعي ودراية بأن عليه حماية نفسه وجهازه العصبي عن طريق تحديد ما يؤثر فيه أكثر، حتى لا يترك نفسه نهباً للتأثر بما يستحق وما لا يستحق".

يستحق القلق

وما يستحق القلق هي تلك التفاصيل أو المجريات التي يمكن أن يتحكم في مسارها. يقول هنري، "المشكلة الأساسية في الأوقات الصعبة التي نعيشها حالياً بسبب الوباء هي محاولة البعض التحكم في العوامل الخارجة عن إرادتهم، وأبرزها توقع ما سيحدث غداً".

"أعرف أنني سأستيقظ غداً في التاسعة صباحاً لأبدأ العمل من البيت، كما هي العادة على مدار الشهرين الماضيين منذ أغلقت الشركة مكتبها، وطلبت من غالبية الموظفين إنجاز أعمالهم من البيت، هذا في حال أنني لم أستيقظ لأجد نفسي وقد أصبت بالفيروس، وهذا أقصى ما يمكنني توقعه". قدرة عمرو علي، 28 عاماً، على التوقع والتخطيط في زمن كورونا لا تقارن بقدراته في زمن ما قبل الفيروس.

يقول، "وضع مخطط شهري مفصل لسير العمل في الشركة كان ضمن مسؤولياتي. حالياً، أضع المخطط لمدة أسبوع مع كتابة عبارة (في حال لم تطرأ تغيرات خارجة عن إرادة إدارة الشركة"). وعلى المستوى الشخصي، كنت أخطط لعطلة نهاية الأسبوع مع أصدقائي بالتفصيل. حتى الخروج بعد انتهاء العمل، كنت أتحكم فيه وفي مساره. اليوم تغير الوضع تماماً وأشعر بقلة الحيلة، وأحياناً ينتابني قلق رهيب، وكأنني في سيارة تسير بسرعة، وأنا بعيد تماماً عن مقودها".

الفيروس خلف المقود

الفيروس الجالس خلف مقود سيارة الكوكب حالياً، والمتحكم في سرعتها، والمهيمن على فراملها، وصاحب القرار الوحيد في التوقف؛ متى وأين يضع الركاب دون استثناء في خانة الضغط النفسي والعصبي، بمن فيهم أولئك الذين يعتقدون أن الضغط النفسي رفاهية والقلق العصبي ترف؟ لكن المتخصصين من جانبهم يحذرون من أن العالم لا يملك ترف تجاهل هذه الضغوط النفسية والعصبية، لا سيما أنها معدية، ويسهل انتقالها من شخص إلى آخر، شأنها شأن الفيروس، لا سيما في ظل التقارب الأسري المفروض داخل البيوت.

شفاء للناس وللنفس

وفي داخل البيوت تدور رحى الضغوط بأشكال مختلفة. يقول هنري إن رد فعل كل منا للمشكلات والأزمات وحتى الكوارث مختلف. "لكن حين تكون الكارثة أممية كالوباء، فإن دور النفسيين يتمثل في تقديم النصيحة الاستباقية، بالإضافة إلى الأشخاص العاديين الذين يتوجب عليهم تقديم يد العون لبعضهم البعض، لأن مساعدة الآخرين فيها شفاء للناس وللنفس. ويكفي أن الأم تيريزا كانت تعاني الاكتئاب، ولم تتغلب عليه إلا بمساعدة الناس".

المساعدة التي يشير إليها هنري لا تقف عند حدود المساعدات المالية والعينية، التي، لحسن الحظ، تكثر بشدة في شهر رمضان المتزامن مع كورونا، ما ضاعف الرغبة في المساعدات والتبرعات. لكن المساعدة التي يعنيها هي تلك التي ترفع وصمة طلب العون فيما يختص بالضغوط النفسية. "لدينا موروث لا ينتهي اسمه وصمة المرض النفسي. صحيح أن الوضع تحسن كثيراً مقارنة بعقود مضت، لكن لا يزال هناك من يخجل من المجاهرة بحاجته إلى المساعدة. ومع تصاعد احتمالات المرض النفسي، أو حتى الضغوط الناجمة عن القلق والهلع، فإن المساعدة في توجيه من يحتاج المساعدة ليحصل عليها من المتخصصين المتاحين أونلاين واجبة".

عمل عنكبوتي

يشار إلى أن نسبة كبيرة من النفسيين العاملين في مصر نقلوا عملهم إلى الأثير العنكبوتي، سواء عبر فيديوهات تقدم المشورة والنصيحة العامة للجميع، حيث تتشابه إلى درجة التطابق مشاعر الهلع والترقب والخوف والقلق لدى الملايين، أو من خلال جلسات المشورة النفسية عبر تطبيقات مثل "زوم" وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعودة إلى سماء، التي تقول إن "الزوم" الوحيد الذي تعرفه هو ما يصدره الكلب حين يكون غاضباً، فيقال إن الكلب يزوم. ومن ثمّ فإن مجرد اقتراح طلبها مساعدة متخصص نفسي عبر "زوم" أو غير زوم (وهو المتاح على هواتف أبنائها المحمولة لزوم التعلم عن بعد) يؤدي بها إلى مزيد من التوتر تعبر عنه بقولها، "ناس في سكتة وناس في هرية ونكتة".

"هذا مفهوم تماماً" يؤكد هاني هنري، الذي يطرح منظوراً غير مألوف في هذا الشأن. يقول: "علم النفس والعلاج النفسي ظهرا مع زيادة تعقيدات الحياة، وتشابك أطرافها، وتصاعد سقف توقعات الناس، وتضارب الأولويات، واتساع هوامش الرغبة، والقدرة على الاقتناء والإنجاز. لذلك ليس مستغرباً أبداً أن يشكل أبناء الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأعلى، النسبة الأكبر في المصابين بضغوط وأمراض نفسية. وهذا ليس تقليلاً أو تهويناً من إصابة الطبقات الأقل حظاً بضغوط نفسية، لكن تفاصيل الحياة وتركيبتها وقائمة الأولويات وسقف التوقعات كثيراً ما يقيم شرور الضغوط النفسية. ونضيف إلى ذلك عوامل ثقافية متوارثة لا سيما في مجتمعاتنا، حيث الرضا بالقليل والمثابرة اليوم بيومه، والقناعة بما ترسله السماء اليوم على أمل أن يكون الغد مثله، أو أكثر في حال الرضا، بالإضافة إلى لجوء الطبقات الواقعة تحت ضغوط اقتصادية قاسية في الكثير من الأحوال إلى السماء، والتسليم بالقضاء والقدر للتخفيف عن أنفسهم، وفي ذلك وقاية نفسية تعبر عن نفسها اليوم في ظل وباء عالمي، كالذي نعيشه ويضع ملايين البشر من القلقين على مستقبل أعمالهم ووظائفهم تحت رحمة الضغوط النفسية الكثيرة".

لا عقود ولا حقوق ولا يحزنون

المثير للاهتمام أن الغالبية من العمالة الموسمية والهامشية والبسطاء حين يُسألوا عما يقلقهم في ظل الجائحة، لا تخرج الأسباب المذكورة عن تأمين الدخل اليومي. تأمين قدر كافٍ من الطعام في ظل تضاؤله حال تطبيق حظر كامل، وقرار صاحب العمل الاستغناء المفاجئ عنهم لا سيما أنه لا عقود ولا حقوق ولا يحزنون، ضيق محل السكن بالنسبة لسكانه الذين باتوا يلازمونه فترات أطول. قلما يتحدث أحدهم عن "الوحدة القاتلة" أو "الكابتشينو فرابيه" المفتقد، أو خروجة يوم الخميس المغدورة، أو "نتفليكس البطيء بفعل الإنترنت" أو المصيف المهدد بالإلغاء.

الأدهى من ذلك أنه نادراً ما تسمع إفراطاً في القلق من الإصابة بالفيروس، باستثناء الأمهات اللاتي يعبرن عن قلق نسبي من إصابة الصغار، لكن غالباً ما يذيل التعبير عن القلق بعبارات تشير إلى إيمان كامل بالقدر وتسليم كلي بإرادة السماء.

لكن إرادة السماء لا تتعارض مع بعض من تدابير وقليل من معارف في زمن الوباء. "مراكز مكافحة الوباء والوقاية منها" الأميركية (CDC) تشير إلى أن الضغط في أوقات تفشي الأمراض الوبائية قد ينجم عنه خوف وقلق على صحة الشخص وأحبابه، تغيرات في نمط النوم والأكل، صعوبة في النوم أو التركيز. وأن هذا يتطلب البعد لفترات موقتة عن مصادر الأخبار السيئة أو السلبية عن الوباء، أو ممارسة تدريبات التنفس التي تساعد على الاسترخاء، أو اليوغا عبر تطبيقات عدة موجودة على الهواتف المحمولة، ممارسة هواية أو نشاط يمكن ممارستها من البيت، التحدث مع آخرين عما يمر به الشخص.

يضيف هنري، كذلك نصيحة البقاء على الجانب المتفائل قدر الإمكان، مع التركيز على القيمة الكبيرة والنعمة العظيمة للحظة الحالية التي يتمتع فيها الشخص بالصحة.

ورغم أن سماء لا تعرف شيئاً عن (CDC) كما إنها لن تمتثل أو تقتنع بما ينصح به الطبيب النفسي، فإن هذا لا يعني أن ضغوطها النفسية أقل من آخرين قابعين في مواقع أعلى في الهرم الاجتماعي. صحيح أن درجات المعاناة تختلف، وأسبابها تتراوح، ودرجة الوعي بمواجهتها ليست واحدة، لكن الأعراض التي تعانيها من أرق وقلة تركيز وضعف شهية لم تطلع على حالتها الاجتماعية أو وضعها الاقتصادي قبل أن تصيبها. فالوباء واحد والجسم البشري واحد ولو اختلفت سبله الدفاعية وملكاته الوقائية.