لماذا تكسر شخصيات عامة أميركية مثل ميشيل ألكسندر حاجز الصمت إزاء إسرائيل

يدرك جموع المنتقدين الذين يهاجمون الباحثة الأكاديمية الليبرالية مدى خطورة رغبتها في الحديث

جنود إسرائيليون في مواجهة  جمع من المحتجين الفلسطينيين على الحدود مع غزة (أ.ب)

لم يسمع معظم الناس خارج الولايات المتحدة (ولا معظم الأميركيين حتى هذا الشهر) من قبل بميشيل ألكسندر. هي أكاديمية ومحامية في مجال الحقوق المدنية، ولها كتابٌ بعنوان "قوانين جيم كرو الجديدة"، وبدأت تكتب -منذ أشهر قليلة- عموداً لصحيفة نيويورك تايمز، وهي مِن مناصري مارتن لوثر كنغ الابن، مثل ملايين الأميركيين السود، والبيض أيضاً.

في الأسبوع الماضي، بدأت مقالها في صحيفة نيويورك تايمز المعروفة بتاريخها ذي الاتجاه المحافظ، بالإعجاب والثناء المطوّل على كنغ الابن، ناشط حقوق الإنسان السلمي، المسيحي ذي البشرة السوداء، الذي قرر قبل عام من اغتياله في 1968، أنه يجب أن يتحدث علناً عن كارثة حرب فيتنام. وقد كان قد طُلب منه أن يُخفّف من حدة ووقع الصراع الذي كلف في ذلك الوقت 10 آلاف أميركي حياتهم، والذي كانت المؤسسة السياسية لا زالت تدعمه. وعلى الرغم من أنه قد يُتهم زوراً بأنه شيوعي، إلا أنه اختار أن يخرج عن صمته.

الأمور حتى الآن على ما يرام في المقال. لكن ألكسندر اختارت الأسبوع الماضي أن "تخرج" هي أيضاً عن صمتها، ليس بشأن العنصرية في الولايات المتحدة أو المواطنة من الدرجة الثانية أو ترامب؛ ولكن بشأن الفلسطينيين.


يا للهول!

لا يعود سبب الدهشة فقط إلى أنّ ألكسندر أعادت ذكر قناعة كنغ بأنّ من الواجب على إسرائيل أن تُعيد أجزاءً من المناطق التي كانت قد احتلتها حديثاً في ذلك الوقت - القدس الشرقية، والضفة الغربية، وغزة، والجولان، ولكنها أيضاً انطلقت في إدانة طويلة وبليغة وجريئة -ومتعالية إلى حد ما- لمعاملة إسرائيل الشنعاء للفلسطينيين.

كانت ألكسندر، مثلها مثل كنغ، قد التزمت الصمت سابقاً إزاء "أحد التحديات الأخلاقية العظمى في عصرنا" -كما التزمه الكونغرس ونشطاء حقوق الإنسان والطلاب الأميركيون- قبل أن تقرّر أنّ المزيد من الصمت تجاه إسرائيل والفلسطينيين سيكون بمثابة "خيانة".

لو أنّ أصدقاء إسرائيل وداعميها وجماعات الضغط الخاصة بها في أميركا، تحلّوا بالحكمة، لكانوا التزموا الصمت. بعد انتخاب رشيدة طليب وإلهان عمر لعضوية الكونغرس - وكلتاهما تدعمان حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل- ربما استخفّ أصدقاء إسرائيل بألكسندر بوصفها مُحدثة نعمة، فهي حتى تلك اللحظة كانت بالنسبة لهم باحثة معتبرة حاولت تحسين منزلتها الاجتماعية بتبني القضية الفلسطينية على ضوء أفكار كنغ، دون أن تتمتع بالمعرفة أو الدعم السياسي اللازم لمساندتها. ولكن الأمر ليس كذلك.

أثار مقال ألكسندر جدلاً محتدماً، وكأن السماء انطبقت على الأرض. فقد اتسمت آراؤها بـ"القسوة"، وأخطأت في سرد الحقائق، وربما كانت معادية للسامية؛ الأمر الذي مثل "تهديداً إستراتيجياً" لإسرائيل نفسها. فقد كان مقالها "معيباً بشكل خطير"، ولم يكن أكثر من "كلامٍ غاضبٍ يتضمّن الكثير من الأخطاء"، تجاهلت كاتبته فيه العنف والإرهاب الذي يمارسه الفلسطينيون. لقد كانت ردة الفعل هذه بمثابة إشارة إلى مدى الهشاشة التي أصبح عليها أصدقاء إسرائيل في أميركا، التي صارت تتهاون في تحريم انتقاد العلاقة بينها وبين إسرائيل وإقرار واشنطن الدائم للاستعمار الإسرائيلي غير الشرعي للأراضي العربية، للدرجة التي دفعت رجل قانون جامعة هارفرد العتيد، البرفسور آلان ديرشوفيتز، إلى مهاجمة ما أسماها "واحدة من أكثر الأعمدة الصحفية -المنشورة في صحيفة رئيسية- تحيّزاً وافتقاراً إلى المعلومات الكافية، والتي تتسم بعدم الدقة التاريخية حول الصراع بين إسرائيل وفلسطين".

قذَف ديرشوفيتز وابلاً تلو الآخر من الاتهامات ضد ألكسندر، كأنه يستعمل واحداً من تلك المدافع الحديديّة المذهلة التي قد تُثير إعجاب السائحين على جدران القلاع القديمة. فقد قال إنها أدانت هدم المنازل الفلسطينية "دون الإشارة إلى أن هذه هي منازل الإرهابيين الذين يقتلون الأطفال والنساء والرجال اليهود". وأعربت عن أسفها على ضحايا غزة "دون الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء الضحايا كانوا دروعاً بشرية، يطلق من ورائها إرهابيّو حماس الصواريخَ على المدنيين الإسرائيليين".

بَيد أن هذا النوع من الهجمات يُنظَر إليه على أنّه غير دقيق تماماً، لدرجة أن الأميركيين -لا سيما في الحزب الديموقراطي- بدؤوا يسألون أنفسهم عما يحدث بالفعل في إسرائيل، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لم يَذكُر ديرشوفيتز في هجماته الغاضبة، ولو لمرة واحدة، مشروعَ الاستعمار اليهودي الإسرائيلي الضخم، الذي يقوم بسرقة الأراضي من الفلسطينيين العرب لصالح اليهود فقط في الضفة الغربية.

هل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS ضد إسرائيل - التي تدعمها ألكسندر، جنباً إلى جنب مع نائبتَي مجلس النواب الأمريكي، رشيدة طليب وإلهان عمر- ستُسهم حقاً في "نفي الشرعية" عن إسرائيل، كما يدَّعي منتقدوها؟ أم أن إسرائيل تنفي الشرعية عن نفسها بمصادرة الأراضي التي لا تخصّها؟

إن السبب الحقيقي وراء كل الدخان المتصاعد من ساحة المعركة، بالطبع، ليس له علاقة كبيرة بهجوم ألكسندر الصارم والمُحرِج في بعض الأحيان، على الظلم الإسرائيلي الواقع على الفلسطينيين، بقدر ما هو متعلّق بخلفيتها العلمية باعتبارها ناشطةً سمراء في مجال الحقوق المدنية، تستوعب ما يعنيه الظلم بالفعل، بالإضافة إلى الانقسامات الخطيرة التي تظهر داخل الحزب الديموقراطي بسبب الدعم الأميركي التلقائي، وغير المشروط، والجبان، والمُرضي تماماً لإسرائيل.

من السهل اتّهام أميركي أبيض بأنه مُعادٍ للسامية بسبب "كسر حاجز الصمت" إزاء الحماقات الأمريكية-الإسرائيلية؛ إلّا أنه من الصعب أن نُدِين أميركيّاً أسودَ دون إعطاء انطباع بأن هذه الإدانة ليست عنصرية في حد ذاتها.

وعند قراءة ما كتبته ألكسندر بالفعل، نجدها أكّدت أنّه إذا كانت الولايات المتحدة بصدد تكريم رسالة كينغ، وليس الرجل فحسب؛ فإنّ "علينا أن ندين التصرّفات الإسرائيلية المتمثلة في الانتهاكات المتواصلة للقانون الدولي، والاحتلال المستمرّ للضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، وعمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي. كما يجب أن نندِّد بالمعاملة التي يتلقاها الفلسطينيون عند نقاط التفتيش، فضلاً عن عمليات التفتيش الروتيني لمنازلهم، والقيود المفروضة على تحركاتهم".

ينبغي على الأميركيين أن يتساءلوا عن "أموال الحكومة الأميركية التي دعمت الأعمال العدائية العديدة [حسب ما ورد في النص]، وخلّفت آلاف الضحايا المدنيين في غزة، بالإضافة إلى 38 مليار دولار تعهّدَت الولايات المتحدة بتقديمها كدعمٍ عسكري لإسرائيل".

هناك بعض الأخطاء المعتادة في كلامها، بالطبع. إِذْ لم تعد غزة "محتلة" - عمليّاً- منذ أن أغلقت إسرائيل مستوطناتها هناك في عام 2005.

لكن بما أن قطاع غزة تحت الحصار الاقتصادي والعسكري، وحدوده البرية والبحرية مُغلَقة، وأراضيه تحت رحمة القنابل والقذائف الإسرائيلية في كل مرّة تُطلِق فيها حماس صواريخَها الحقيقية غير الدقيقة على إسرائيل، التي غالباً ما تكون ردّاً على الغارات الإسرائيلية على غزة ذاتها؛ فمن غيرِ المنطقي أنْ ندّعي أنّ كلّ ذلك لا يمثّل شكلاً من أشكال الاحتلال.

أضافت ألكسندر: "يجب ألا نتسامح مع رفض إسرائيل مناقشة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وفقاً لما نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة"؛ دون أنْ تذكر أنّ تلك القرارات التي تصدرها الجمعية العامة للأمم المتحدة غيرُ مُلزِمة، وأن القليل من الفلسطينيين داخل الضفة الغربية وغزة -ناهيك عن الشتات الفلسطيني الكبير- يعتقدون بالفعل أن لاجئي 1948 وأحفادهم سوف "يعودون" إلى أراضيهم وممتلكاتهم الموجودة في إسرائيل حالياً.

على الأرجح، يدرك المنتقدون - المقيمون في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء- الذين يهاجمون الباحثة الأكاديمية الأميركية الليبرالية (آخر من اقترف المحرمات من وجهة نظرهم) مدى خطورة مقالها.

يقول أولئك المنتقدون، إن انتهاكاتٍ أسوأ لحقوق الإنسان وقعت في سوريا والعراق والشيشان وكردستان. هذا صحيح؛ بيد أن موقع إسرائيل كحليف للولايات المتحدة يغير من هذه المعادلة. فالنظام السوري والعراقي، والطغاة العرب وجلادوهم، إضافةً إلى الروس في أوكرانيا والأتراك في كردستان، لا يدّعون أنهم يمثلوننا، باستثناء حين يتشدقون بحربهم الضروس ضد "الإرهاب العالمي".

غير أن الإسرائيليين يقولون إنهم مثلنا تماماً، وإنهم يمثلون قيمنا الخاصة بالديمقراطية والحرية، وإنهم متمسكون بحرياتنا، وإن إسرائيل وأميركا يجب أن تكونا متلازمتين على الدوام. ولكنهم يعاملون الفلسطينيين بوحشية، وينكرون عليهم حق إنشاء دولتهم، ويسرقون ويحتلون أراضيهم؛ ويتوقعون منا أن نلزم الصمت حيال ذلك.

أحد أهداف ألكسندر، هو استهداف ذلك الابتزاز المريع الذي جرت العادة أن يتعرض له السياسيون والدبلوماسيون والصحفيون والأكاديميون الأميركيون، المتمثل في وصمهم بـ"معاداة السامية" إذا ما تجرؤوا على التعبير عن استيائهم من ممارسات إسرائيل. إن الخوف الذي يبعثه موقع بعثة الكناري "كناري ميشين"، الذي يجمع قوائم أسماء الطلاب والأساتذة المؤيدين لفلسطين، إضافةً إلى القوانين الأميركية المحلية التي قد تحرم المواطنين الأميركيين من مصدر رزقهم إذا اختاروا مقاطعة منتجات تصدّرها دولة أجنبية تُدعى إسرائيل، هذان الأمران يسببان غضباً حقيقياً.

لهذا السبب، يعارض بيرني ساندرز وزملاؤه محاولات تمرير قوانين جديدة ضد حركات المقاطعة. إن "الصمت" الذي تكسره ألكسندر فيما يتعلق بالشرق الأوسط، هو الخطر الذي يهدّد حرية التعبير في أميركا، وهو ما تحدث عنه ساندرز، بغض النظر عن إن كان سيترشح للرئاسة في 2020 أم لا.

غير أنّ محاولات أصدقاء إسرائيل المزعومين الساعية لإسكات ألكسندر قد بلغت حداً لم يسبق له مثيل؛ إذ يخبرها كثير منهم بما كان مارتن لوثر كينغ ليقوله لو كان حياً في عصرنا هذا، ويخبرونها بأنه كان صهيونياً، وأنه كان سيستنكر آراءها. على الأكاديمية السوداء إذًاً أن تخضع لإملاءاتهم حول كيفية فهم وتفسير أفكار زعيمها الأيقوني الأسود الملهم.

وإذا كان الليبراليون الشجعان من أعضاء الجالية الأميركية اليهودية، ممن أدانوا إسرائيل، يوصمون باستمرار بأنهم "يهود كارهون لأنفسهم"، فما الذي ستوصم به ألكسندر؟

© The Independent

المزيد من آراء