Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرصن قمرا صناعيا واربح 50 ألف دولار

سلاح الجو الأميركي يستعين بهم لتحصين دفاعاته

أحد الأقمار الصناعية السابحة في الفضاء (غيتي)

يجمع الخبراء الإستراتيجيون على مسألة عدم تهاون الولايات المتحدة بالأمور المتعلقة بأمنها القومي، وتحديداً أمن قواتها المسلحة. لذا، فإن هذه القوة العظمى دائماً ما تعمد إلى إضفاء ستار من السرية والغموض حول كل ما يتعلق بتقنيات أسلحتها وطرائق تشغيلها، بوصفها أصولاً إستراتيجية شديدة الحساسية ينبغي إبقاؤها بعيداً من أعين الجواسيس وأيديهم تجنباً لكشف نقاط ضعف قد تعتري أياً من منظوماتها القتالية.
لكن هذه الهالة من السرية بدأت في اتخاذ اتجاه مختلف أخيراً، فمنذ أشهر قليلة بدأت إدارة القوات الجوية الأميركية اعتماد إستراتيجية جديدة تقضي بكشف بعض هذه الأسرار أمام نخبة من الجمهور بهدف تحسس مواضع الوهن التي قد تعتري بعض المنصات القتالية. فقد فوجئ مجتمع القراصنة والمتسللين السيبرانيين العام الماضي، خلال "مؤتمر القرصنة العالمي" (DEF CON) المنعقد في لاس فيغاس والذي يعد أكبر وأقدم تجمع لقراصنة البرمجيات في العالم، برسالة من لدن سلاح الجو الأميركي تطلب منهم اقتحام نظام تشغيل مقاتلة F-15، المتخصصة في مهام السيادة الجوية، وتبيان نقاط ضعفه؛ في سابقة هي الأولى التي يُسمح فيها لقراصنة سيبرانيين بالعمل على نظام قتالي أميركي وتمحيص ثغراته. ولقد جاءت النتائج أكثر من مذهلة؛ فخلال يومين فقط، عثر فريق من سبعة متسللين على الكثير من نقاط الضعف، التي لو تُركت ليستغلها العدو في ساحات الوغى الحقيقية، لتمكن من شل نظام البيانات الحرج للطائرة ولتسببت في أضرار كارثية لا حصر لها.

خبرات سيبرانية رفيعة
شكلت هذه الحادثة دليلاً قاطعاً على حاجة سلاح الجو الأميركي الماسة للمساعدة، حسبما يقول ويل روبر، مساعد وزير القوات الجوية لشؤون الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجستيات لموقع "تِك كرانش" المتخصص بالتكنولوجيا. يضيف روبر: "لقد تركتُ هذا المؤتمر العام الماضي وأنا على يقين بأن ثمة أصولاً بشرية رفيعة المستوى تمتلك خبرات سيبرانية نفتقر إليها بشدة في قواتنا الجوية. وفي عالم اليوم ينتقص ذلك الوضع من قدراتنا على تأمين منصاتنا، فمجرد أن تخفي عن العالم نقاط ضعفك، لا يعني أنك تذهب إلى الحرب وأنت واثق من قدرات سلاحك".
متكئاً على نجاحات العام الماضي خطط روبر لمفاجأة مدوية للقراصنة السيبرانيين، في نسخة هذا العام من المؤتمر المقرر عقده في لاس فيغاس أغسطس (آب) المقبل، بتحدٍ جديد مختلف هذه المرة: اختراق قمر صناعي يدور بالفعل في مداره حول الأرض على ارتفاع مئات الكيلومترات. ومعلوم أن سلاح الجو الأميركي يمتلك ويدير أسطولاً كبيراً من الأقمار الصناعية العسكرية والحكومية.

كان الفضاء في الماضي حكراً على الدول العظمى. ولعقود مديدة، امتلك عدد قليل من الحكومات القدرة اللازمة لتدمير قمر صناعي في الفضاء. لكن مع قيام الشركات الخاصة بإطلاق أطنان من المنتجات التكنولوجية الخاصة بها إلى المدار، أصبح الفضاء مزدحماً أكثر من أي وقت مضى. واليوم، لم يعد الفضاء مجرد ساحة لعب متكافئة للمؤسسات الخاصة، بل ساحة حروب مستقبلية محتملة مع الخصوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلايا إلكترونية نائمة

قد تبدو الأقمار الصناعية في مدارها حول الأرض بعيدة من متناول أي ضرر، لكن روبر على ثقة من أن المخاطر التي تواجهها هذه الأجهزة المتطورة السابحة في الفضاء حقيقية. يوضح روبر: "يمكنني إطلاق أجسام مضادة للأقمار الصناعية فتصعد مباشرة وتضربها فتدمرها. يمكنني استخدام أسلحة الطاقة الموجهة لحجب رؤية عدسات الأقمار الصناعية أو لتدمير مكونات تسمح لها بجمع معلومات مهمة عن الأرض. يمكنني التشويش على الوصلات الراديوية للأقمار حتى لا تتمكن من إيصال المعلومات التي جمعتها إلى صناع القرار على الأرض". لكن الأقمار الصناعية لا تعمل من تلقاء نفسها في المدار، وبهذا الصدد يقول روبر إن المحطات الأرضية ووصلات الاتصال بين الأرض والسماء التي تدير عمليات الأقمار يمكن أن تكون عرضة للاختطاف. ويضيف "نحن لا نعرف الخلايا الشبحية الإلكترونية النائمة داخل أنظمتنا والتي قد تكون زُرعت عبر سلسلة إمداد المكونات وتوريدها، أو عبر الشركات التي تجمع تلك المكونات بشكلها النهائي قبل أن تخرج منتجاً على شكل مقاتلة أو قمر صناعي".

من خلال العمل مع "خدمة الدفاع الرقمية"، التي يحلو لمديرها بريت غولدشتاين أن يطلق عليها اسم "فريق التدخل السريع من المهووسين العاملين في البنتاغون"، أطلق سلاح الجو الأميركي برنامج Hack-a-Sat (أو قَرصِن قمراً صناعياً)، وهو برنامج أمن سيبراني فضائي يشجع القراصنة والباحثين الأمنيين على اكتشاف عيوب وثغرات قد تسمح للعدو بالنفاذ إلى أي قمر صناعي واستغلاله لغايات خبيثة.

تحول في العقيدة
يقول غولدشتاين عن البرنامج، إنه تحول كبير لعقيدة عمرها عقود، يعتنقها سلاح الجو الأميركي وتقضي ببناء أنظمة مغلقة يحظر الاقتراب منها. فمن خلال التحول إلى نظام شبه مفتوح، سيتيح سلاح الجو لمجتمع أوسع تمحيص واختبار تكنولوجيا الأقمار الصناعية التي يمتلكها، مع احتفاظه في الوقت نفسه بأحدث الممارسات المصنفة "سرية للغاية" حكراً على خبرائه ومهندسيه الذين تم تأمينهم داخلياً. المثير للدهشة يقول غولدشتاين، الذي يرفع تقاريره مباشرة إلى وزير الدفاع، إن إقناع القيادات العليا بالسماح لمجموعة من المتسللين بقرصنة قمر صناعي عسكري لم يكن بالصعوبة التي توقعها. يضيف في تصريح إلى "تِك كرانش": "تلقينا دعماً هائلاً للشراكة مع القوات الجوية في ذلك". وأثنى روبر من جهته على ذلك قائلاً: "أليس من الأفضل معرفة ثغراتنا قبل خوضنا أي نزاع، بدلاً من دفن رؤوسنا بكل سذاجة في التراب واصطحاب تلك العيوب معنا إلى ساحة المعركة مع كل ما قد تشكله من خطر على عسكريينا؟".

وفي سبيل العثور على أفضل القراصنة، ستطلق القوات الجوية جولة تأهيلية في 22 مايو(أيار) الجاري بحسب موقع "كوري". وسيتعين على المرشحين اجتياز اختبارات تأهل عبر الإنترنت، حيث سيتوجب عليهم حل أكبر عدد من التحديات خلال 48 ساعة. ستحصل الفرق العشرة الأولى المتأهلة على "حق قرصنة" القمر الصناعي الحقيقي أثناء دورانه حول الأرض، خلال المؤتمر المقرر عقده في أغسطس المقبل. ويقول روبر إن الامتحان النهائي سيكون قرصنة قمر صناعي وتوجيه عدساته نحو القمر بدلاً من الأرض. الفائز سيكون من يلتقط صورة للقمر". وستحصل الفرق الثلاثة الأولى على جوائز مالية لن تقل عن 20 ألف دولار فيما سيحصد الفائز بالمركز الأول 50 ألف دولار.
ما سيحدث بعد ذلك مجرد تخمينات. إذ يرغب كل من روبر وغولدشتاين في الكشف عن النتائج النهائية للقراصنة. ولكن نظراً لأن هذه النتائج قد تحتوي على ثغرات أمنية لبعض الأقمار الصناعية العاملة حالياً في مدارها حول الأرض، فقد تحجب القوات الجوية التفاصيل الرئيسة تجنباً لأي كارثة محتملة قد تحيق في مدار الأرض.

كورونا أيضاً وأيضاً

وحتى وقت إعداد هذا التقرير، يقول منظمو DEF CON، فإن جدول عقد المؤتمر يسير كالمعتاد. ولكن مع استمرار تفشي جائحة كورونا المستجد وانعدام أفق انحساره، تخطط القوات الجوية لمجموعة من السيناريوهات الطارئة. ويقول روبر إنه عازم على المضي قدماً مع التركيز على محاكاة الحدث بشكل افتراضي لو اضطرته الظروف.

وسواء عقد المؤتمر أم لا في مكانه المقرر لدى أرض المعارض في لاس فيغاس، يقول غولدشتاين، فإن التحدي مستمر، فمن محاسن القرصنة أنه يمكن تنفيذها من أي مكان بوجود الإنترنت. أما روبر فيقول إن المؤتمر لا يتعلق بالبحث عن نقاط ضعف منصاتنا القتالية وإصلاحها فحسب، بل بإحداث "صدمة لنظامنا بحيث يغير سلاح الجو من طريقة تفكيره المتعلقة بالأمن". يضيف روبر: "أشك في أن الجيل الحالي من الطيارين والمتخصصين بتقنيات الفضاء يأمن العمل جنباً إلى جنب مع مجتمع القراصنة. لكن لو استطعنا تغيير تلك النظرة وتضافرت جهود الطرفين، فسوف نكون في وضع سيبراني أفضل وأكثر أماناً".