Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جامعو "الخردة" هم روّاد إعادة تدوير نفايات العالم

حتى أجساد البشر يمكن استخدام أعضائها مجدداً بعد الموت إذا أوصى أصحابها بذلك

كل ما يستخدمه البشر في حياتهم يمكن أن يتحوّل إلى "خردة" تشترى وتباع (رويترز)

حين يرى البعض أشخاصاً يجمعون عبوات البلاستيك أو التنك من مكبات النفايات، فإنهم يصابون بالشفقة عليهم، وهذا إحساس طبيعي تجاه أشخاص نزلوا إلى أسفل السلّم الاجتماعي، لكن لما يقوم به هؤلاء، أي جامعو الخردة، ولهم وجه آخر وهو أن الجمع لديهم بمثابة عمل يؤمن قوت يومهم وربما أكثر من ذلك، فأسعار "الخردة" من الحديد والبلاستيك والتنك والنحاس والألومنيوم، ترتفع أسعارها وتنخفض بحسب البورصة، وهي تتألف من سلّم وظيفي كما لو أنها شركة عالمية كبرى عابرة للقارات، ولكن من دون قواعد تنظيمية محددة.

الهرم الوظيفي

تبدأ السلسلة الوظيفية من جامعي "الخردة" الصغار في الشوارع والأحياء وعند مكبات النفايات، ومنهم من يملك عربة يجرها أو سيارة صغيرة يدور فيها في أحياء المدن وشوارعها منادياً على سكان الأبنية الراغبين في بيعه المخلفات الصالحة للبيع والتي ما عادوا يحتاجونها بينما يحتاجها هو، وعموماً يختار جامعو القمامة نوعاً معيناً يقومون بجمعه، وهذا يخضع لتفاهمات بينهم لا يتعدى فيها أحدهم على ما يجمعه الآخر، وبعضهم يجمع عبوات المشروبات من الألومينيوم، ومنهم من يجمع البلاستيك، وآخرون الكرتون، والملابس والأثاث المتروك والمرمي والآلات الإكترونية المنزلية والهواتف المحمولة والكومبيوترات، وهؤلاء قد يحققون بدلاً من جهدهم الجسدي الصافي ما يتراوح بين 10 و20 دولاراً يومياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما أصحاب العربات والسيارات، وهؤلاء في رتبة أعلى من الجامعين في المكبات، فيبحثون عن الأدوات المنزلية التالفة، بدءاً من الطناجر وغيرها من أدوات المطبخ، مروراً بالأدوات الكهربائية المنزلية، وانتهاء بالأثاث المنزلي، ويحققون دخلاً يومياً مضاعفاً، وهنا تنتهي الحلقة التجارية الأولى.

أما أصحاب المحال ومواقف التجميع أو "البورة" فهم الطبقة الأعلى من الطبقتين السابقتين، الجماعة الأولى يستخدم أفرادها جهدهم الشخصي لتأمين أجرهم، أو يدفعون أقل الممكن ثمناً لما يشترونه من الأهالي، ويشتري منهم أصحاب المحال و"البوَر" ما جمعوه بأسعار زهيدة أيضاً.

والمواد الموزّعة على أماكن التجميع بعضها يعاد ترميمه وتجهيزه لبيعه بسعر أعلى بكثير مما اشتري به، وبعضه يرسل إلى المصنع الذي يعيد تدويره، فما يمكن صهره وتسييله يُصهر ليستخدم مجدداً، وما يمكن تفكيكه إلى قطع صغيرة تستخدم كل منها في مجال ما، يعاد استعماله، ويبيعون ما يتكدّس عندهم بعد فرزه بحسب النوع والحاجة، إلى شركات كبيرة تشتري هذه المواد، وقد تكون في الداخل أو الخارج، ما ينعش عمليات التبادل التجاري الداخلي والاستيراد والتصدير عبر المرافئ البحرية أيضاً.

هنا تنتهي الحلقة التجارية الثانية

الحلقة الثالثة تتمحوّر حول المصانع التي تملكها شركات وأفراد من الأثرياء وورثة هذه المهنة أباً عن جد، وهؤلاء يعملون على مستويات أكبر، إذ يقومون بتصدير ما جمعوه إلى دول صناعية، تقوم بصهر المواد لاستخدامها في صناعاتها، ومنهم من يقومون بشراء "الخردة" المتبقية عن الدول والجيوش والأسلحة القديمة، وبقايا الحروب والدمار والأبنية المهدّمة وسكك الحديد القديمة والطائرات والسفن.

"خردة العالم"

وكل ما يستخدمه البشر في حياتهم يمكن أن يتحوّل إلى "خردة،" حتى أجساد البشر يمكن إعادة استخدام أعضائها بعد الموت إذا أوصى أصحابها بذلك، وتستخدم الأعضاء السليمة لصالح من يحتاجها، فيوارى الميت الثرى بينما يعود المستفيد من العضو السليم إلى الحياة كائناً جديداً.

وطالما أن كل ما نستخدمه يملك مدة زمنية معينة تنتهي صلاحيته من بعدها، فإن هذا المنتج يحال على "التقاعد" بحسب اللغة البشرية، والإحالة على التقاعد تخضع بدورها إلى التقييم الطبقي للبشر، فالأغنياء القادرون على اقتناء الأدوات والآلات، يمكنهم الاستغناء عن حاجياتهم ساعة تصبح غير صالحة للاستعمال أو عندما يريدون تبديلها أو تجديد بيوتهم، فترمى هذه الحاجيات في مستوعبات النفايات أو تمنح إلى محتاجيها الذين قد يتمكّنون من إعادة استعمالها بعد إصلاحها.

وعلى المستوى العالمي ينطبق هذا الأمر على الملابس، فمحال الملابس المستعملة التي تصل من أوروبا ومن دول العالم الأول، تلقى رواجاً واسعاً في دول العالم الثالث التي تعيد بيع هذه الملابس إلى سكانها الذين غالباً ما يجدون ملابس جديدة في محال الملابس المستعملة، ونسميها في بلادنا "محال الألبسة الأوروبية"، وقد يرتدي مواطنونا ملابس وأحذية من ماركات معينة لا يتمكنون من شرائها في محال بيعها الأصلية.

أما الفقراء فإنهم لا يستغنون عن حاجياتهم إلا بعد محاولات كثيرة لتصليحها، وهذا ينطبق على الأدوات الكهربائية كما ينطبق على الأثاث والملابس والهاتف النقّال والتلفزيون القديم، وهذا الأمر أنشأ سوقاً واسعة من أصحاب المصالح الجديدة، فظهر مصلحو التلفزيونات، ثم مصلحو غسالات "الأجران" أولاً، والغسالات الأتوماتيكية ثانياً، ومصلحو البرادات وغيرها من الأدوات الكهربائية، والمصلّحون الأحدث في هذا الوقت هم المتخصصون بالهواتف النقالة وبالكمبيوترات المحمولة.

أما بالنسبة إلى السيارات فقد نشأت محال بيع قطعها المستعملة مع ظهورها أو بعده بقليل، فتراكم السيارات القديمة التي تخرج من سوق العمل، أو تلك غير الصالحة للاستعمال بسبب حادث سير قوي، أدى إلى نشوء مواقف سيارات "الكسر" أو "التشليح" (كما تسمى في الخليج العربي) التي تستخدم كل جزء من أجزاء السيارة، أما الهيكل الحديدي المتبقي منها فيرسل إلى مصانع الصهر، التي تعيد استخدام حديد السيارة في صناعات أخرى.

دور بيئي غير منظور

جامعو "الخردة" على اختلاف أنواعهم وطبقاتهم بمثابة النمل والدود الذي لا يترك أثراً للجيَف في الطبيعة، فكما أنه لا يمكننا تخيّل الطبيعة بلا الطفيليات والحشرات والبكتيريا التي تحلّل الجيف، لأن ذلك كان يمكنه أن يجعل الكرة الأرضية كتلة من الجثث والجيف المتراكمة منذ بدء وجود الحياة عليها حتى الآن، كذلك لا يمكننا تخيّل حياة البشر اليوم بلا جامعي "الخردة"، وإلا لكانت الكرة الأرضية مكبّ نفايات بأكملها، والأرقام المتداولة حول كمية النفايات التي ينتجها البشر سنوياً في العالم كفيلة بتأكيد هذه النظرية.

وبما أنه ليست هناك أرقام أو إحصاءات تحدد الكمية التي يعاد تدويرها من نفايات العالم بمساعدة جامعي "الخردة"، لكن إحصاء عدد العاملين في هذا القطاع والذي يزداد يوماً بعد يوم كلما زادت الضائقة المعيشية في الدول "النامية" كما يسمونها، وكذلك إحصاء الكميات التي يتم تصديرها واستيرادها بين الدول من هذه "الخردة"، يمكنه أن يبيّن لنا حجم المساعدة البيئية التي يقدمها هؤلاء القابعون في أسفل سلّم المهن، وهم بلا شك مساهمون أساسيون في منع تراكم مخلّفات البلاستيك والكرتون والآلات المطبخية في القرى والبلدات، لأن سكان القرى عموماً باتوا يعرفون أن ما سيرمونه يمكنهم بيعه بعد استنفاد محاولات تصليحه، وهكذا يشتهر عمل مشتري "الخردة" الذي يتنقّل في حافلة تتسع للأغراض في هذه البلدات، وتجد الناس ينتظرون وصوله رافعاً صوت "ميكروفون" سيارته، فتُعقد العملية التجارية مع قليل من المفاصلة صعوداً ونزولاً في الأسعار، حتى يُبرم العقد الشفوي في النهاية بشكل سريع.