Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مناطق مهددة بموجات حرارة لا تحتمل

كشفت بيانات من محطات أرصاد جويّة أنّ مستويات شديدة من الحرارة والرطوبة تضاعفت بين 1979 و2017

آثار الاحتباس الحراري ماثلة منذ اليوم وتجعل الحياة متعذرة في كثير من المناطق (غيتي)

فيما كان يُتوقّع أن ظاهرة الاحترار العالميّ لن تفضي قبل العقود المقبلة إلى مستويات من الحرارة والرطوبة "يتعذّر تحمّلهما"، وجد الباحثون اليوم أنّ الأزمة قد بدأت أصلاً.

وكشفت دراسة حديثة أنّ آلافاً من موجات الحرارة والرطوبة الشديدة النادرة أو غير المسبوقة تطاول حالياً شتى أنحاء العالم، في آسيا وأفريقيا وأستراليا والأميركتين الجنوبيّة الشمالية.

وشهدت المنطقة الجنوبية الشرقيّة من الولايات المتحدة تسجيل ظروف جوية بالغة القسوة عشرات المرات، بالقرب من ساحل الخليج في شرق تكساس ولويزيانا وميسيسيبي وألاباما وفلوريدا بانهاندل. وكانت نيو أورليانز ولويزيانا وبيلوكسي وميسيسيبي الأكثر تضرّراً.

اللافت أنّ هذه الظاهرة لم تلاحظ في أوقات منصرمة، ذلك أنّ الدراسات السابقة ركّزت على معدلات من الحرارة والرطوبة قيست على مساحات كبيرة وعلى مدى ساعات عدة. أمّا في الدراسة الجديدة، فركّز الباحثون على بيانات محدّدة بالساعة مأخوذة من 7877 محطة للأرصاد الجويّة، ما سمح لهم بأنّ يكونوا أكثر تحديداً للأمكنة وأكثر دقة.

هكذا، أشارت الدراسة الأخيرة إلى أنّ فترات شديدة الحرارة والرطوبة أثّرت بشدّة في السواحل حيث يؤدي تبخّر مياه البحر إلى رطوبة عالية يسحبها الهواء الساخن.

ولكن مع ذلك، من المستطاع ملاحظة الحرارة والرطوبة الشديدتين أيضاً في داخل ولاية أركنساس وعلى طول السهل الساحلي الجنوب شرقيّ، حيث يبدو أنّ الرياح الموسمية المحمّلة بالرطوبة أو ريّ المحاصيل الشاسعة يسبِّبان التأثيرات نفسها.

وفي الخليج ، وجد الباحثون أنّ ما يربو على 12 موجة قصيرة من الحرارة الشديدة التي تهدِّد حياة الإنسان قد حدثت أخيراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول باحثو الدراسة، التي نُشرت الأسبوع الحالي في مجلة "ساينس أدفانس" العلميّة Science Advances، إنّ الحوادث المناخيّة الراهنة محصورة في مناطق محدّدة، وإنّها استمرّت طوال ساعات عدة، لكنّها تتزايد في تواترها وشدّتها.

للأسف، لا تمثِّل مثل تلك الظروف المناخيّة خطراً كبيراً على حياة الإنسان فحسب، بل في مقدورها تدمير الاقتصادات أيضاً.

وتناول هذه المسألة الباحث الرئيس كولين ريمون، الذي أجرى البحث عندما كان طالب دكتوراه في "مرصد لامونت دوهرتي للأرض" في جامعة "كولومبيا"، وقال "توقّعت دراسات سابقة أنّ يطرأ ذلك (موجات شديدة من الحرارة والرطوبة) بعد عقود عدة من الآن، ولكن يبدو أنّه يحدث في الوقت الحاضر. سوف يزداد الأمد الزمني لتلك الحوادث المناخيّة، وسوف تؤثِّر في مناطق إضافية، وذلك في ارتباط مباشر بالاحترار العالميّ".

وحلّل الباحثون بيانات من محطات للأرصاد الجويّة مسجّلة بين العامين 1979 و2017، ووجدوا أنّ مستويات قصوى من مزيج الحرارة والرطوبة تضاعفت في تلك المرحلة.

ففي مختلف أنحاء الهند وبنغلاديش وباكستان، رُصدت مناطق شهدت مستويات مرتفعة من درجات الحرارة على نحو متكرِّر. وكانت درجات الحرارة في منطقة شمال غربي أستراليا شديدة، كما في سواحل البحر الأحمر وخليج كاليفورنيا في المكسيك.

وفي مدينتي الظهران والدمام في المملكة العربية السعودية، رُصدت 14 مرة المستويات الأعلى من الحرارة التي قد تكون مميتة، كذلك في الدوحة بقطر، ورأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة. يُشار هنا إلى أنّ ما يربو على ثلاثة ملايين شخص يعيشون في تلك المناطق.

على النحو نفسه، تأثّرت أيضاً أجزاء من جنوب شرقي آسيا وجنوب الصين وأفريقيا شبه الإستوائية ومنطقة البحر الكاريبي بفترات شديدة الحرارة والرطوبة.

معلوم أنّ الحرارة الرطبة أسوأ وقعاً على الناس من الحرارة "الجافة"، ذلك أنّه عندما يكون الهواء محمّلاً أصلاً بالرطوبة، يتسبَّب في إبطاء تبخّر العرق، وهي العملية التي تؤدي إلى تبريد جسم الإنسان. وفي الظروف المناخيّة المتطرفِّة جداً، يمكن أن يتوقّف تعرّق الجسم تماماً.

في تلك المناطق حيث ترتفع الحرارة والرطوبة الشديدة، ما لم يتمكّن الناس من الدخول إلى غرفة مكيَّفة، سترتفع الحرارة الأساسية للجسم إلى درجة أبعد من النطاق الذي يمكن فيه للإنسان البقاء على قيد الحياة، ويبدأ تالياً فشل الأعضاء. وأكثر من ذلك، وجدت الدراسة أنّ في مثل تلك الظروف، حتى من يتمتّع بصحة جيدة، ويجلس في الظل عارياً ولديه كمية غير محدودة من مياه الشرب، سيفارق الحياة في غضون ساعات.

يُذكر أنّ تأثير درجة حرارة الهواء والرطوبة يُقاس بما يُسمى مقياس "الميزان الرطب" المئويّ. في الولايات المتحدة، يُعرف بـ"مؤشر الحرارة" أو "الشعور الحقيقي بالحرارة" على وحدة القياس فهرنهايت.

وتظهر بحوث سابقة أنّه حتى إذا كان المرء في أفضل حال جسديّة، عندما يصل مؤشر الحرارة إلى 132 فهرنهايت (أو 55 درجة مئوية على "الميزان الرطب")، يصبح من المستحيل القيام بالأنشطة الخارجية.

وحين بلغت الحرارة 53 درجة مئويّة- في عدد من مدن الخليج لمدة وجيزة- أصبحت درجات الحرارة مهدِّدة للحياة. تُترجم 71 درجة مئوية بحوالى 160 درجة فهرنهايت على مؤشر الحرارة، في حين ينتهي المقياس عند 127 درجة فهرنهايت، ما يعني أنّ درجة الحرارة تلك تتخطّى حرفيّاً نطاق القياسات الطبيعيّة.

ووجدت الدراسة أنّ قياسات "الميزان الرطب" القريبة إلى 30 درجة مئوية، أو التي تتعداها، تضاعفت منذ عام 1979 في شتى أنحاء العالم.

ورصدت قراءات الأرصاد الجويّة المعدل31 درجة مئوية قرابة ألف مرة، وهو ما كان يُعتقد أنّه أمر نادر الحدوث. في الواقع، قراءة لـ 33 درجة مئوية، التي كان يُعتقد أنّها بالكاد تحصل، ظهرت حوالى 80 مرة.

في يوليو (تموز) الماضي، شهدت الولايات المتحدة موجة حرّ ذات مؤشرات حرارة قريبة إلى 115 فهرنهايت.

كانت أعلى درجة حرارة مُسجلة 122 فهرنهايت في بالتيمور بولاية ماريلاند خلال موجة حرّ أخرى في أغسطس (آب) الماضي. وأدّت الظروف المناخية القاسية إلى ست وفيات في الأقل: أربع في ولاية ماريلاند، واختصاصيّ تقني في تكييف الهواء في فينيكس بأريزونا، وميتش بيتروس لاعب اتحاد كرة القدم الأميركيّ السابق الذي توفي في ولاية أركنساس أثناء عمله خارج متجر والديه. ونتيجة موجات الحرارة، ألغيت الفاعليات في أنحاء البلاد، بما في ذلك سباق "الترياتلون" في مدينة نيويورك، للمرة الأولى.

كان ذلك في الولايات المتحدة، حيث لدى حوالى 90 في المئة من الأسر مكيفات هواء. بيد أن الدراسة وجدت أنّ موجات الحر المحمّلة برطوبة عالية في روسيا وأوروبا، حيث لا تملك إلا قلة من الناس مكيفات هواء، أدّت إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص.

رادلي هورتون، عالم بحوث في "مرصد لامونت دوهرتي للأرض" وباحث مشارك في الدراسة، عمل سابقاً على دراسة في عام 2017 توقّعت أنّ مثل تلك الظروف لن تبدأ حتى وقت لاحق من القرن الحالي. وقال في هذا الصدد: "ربما نكون أقرب ممّا نعتقد إلى نقطة حرجة حقيقية في هذا الأمر".

في البلدان الغنية، يمكن أن يوفِّر مكيف الهواء بعض الراحة من الرطوبة والحرارة الشديدتين، ولكن في حال حدثت تلك الظروف المناخية بشكل متكرّر، فقد يُجبر الناس على البقاء في المنازل مدة أطول. ومن الجدير بالإشارة هنا أنّ الآثار الاقتصادية التي يخلّفها المكوث طويلاً في الداخل، خلال إجراءات الحجر جراء "كورونا"، ماثلة بشدّة في أنحاء العالم.

ففي دول العالم النامي، ستترك الحرارة والرطوبة المتزايدتان تبعات تهدّد حياة الناس. ويصعُب تجنّب الحرارة الشديدة عندما يعتمد مصدر رزقك على العمل في الخارج، وفي ظلّ غياب الكهرباء، فضلاً عن عدم توفّر أجهزة تكييف الهواء. وتجعل الحرارة الشديدة المناطق غير صالحة للسكن وتؤدي إلى هجرة كثير من المجتمعات.

وقال ستيفن شيروود، عالم المناخ في جامعة "نيو ساوث ويلز" الأسترالية: "تشير تلك القياسات إلى أنّ بعض مناطق الأرض أقرب كثيراً من المتوقع إلى بلوغ حرارة متواصلة يتعذّر احتمالها. سابقاً، كان يعتقد أنّنا نحظى بهامش أمان أكبر بكثير".

وقالت كريستينا دال، وهي عالمة مناخ في "اتحاد العلماء المهتمين"، إنّ بعض المناطق قد تشهد فعلاً ظروفاً أسوأ ممّا توحي الدراسة، لأنّ محطات الأرصاد الجوية لا ترصد بالضرورة النقاط الحارة في أحياء المدن المثقلة بالإسمنت. يُشار هنا إلى أنّ مدناً عدة شرعت في تركيب "أزقة خضراء" مصنوعة من مواد تمتص الحرارة بسهولة أكثر مقارنة بالإسمنت والإسفلت، وفي طلاء الأسقف باللون الأبيض ليعكس أشعة الشمس.

© The Independent

المزيد من بيئة وجيولوجيا