Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الأرملة كوديرك" لجورج سيمنون تكثف مئات النصوص

حكاية عائلية لرسم أخلاقيات مجتمع منعزل في فضاءات أنانياته

مشهد من فيلم "الأرملة كوديرك" أعد عن رواية سيمنون (اندبندنت عربية)

هل كان جورج سيمنون كاتباً كبيراً حقيقياً أم تراه كان ظاهرة مدهشة تستحق لاستثنائيتها أن تُذكر في كتاب غينيس للأرقام القياسية أكثر مما في الموسوعات والتواريخ الأدبية؟ الحقيقة أن السجال حول هذا الموضوع لم يتوقف طوال نصف القرن الذي ظل سيمنون خلاله سيداً كبيراً من سادة الكتابة القصصية والروائية في القرن الـ 20. وحتى رحيله في العام 1983 لم يقف السجال، وكيف يفعل وفتوى أندريه جيد المبكرة لم تتمكن من ذلك.

لقد قال جيد منذ أواسط القرن الـ 20 أن جورج سيمنون هو أكبر كاتب باللغة الفرنسية في ذلك القرن، لكن هذا التأكيد لم يبدل من الأمور شيئاً، وكيف يفعل والأرقام في حد ذاتها تتحدث عما يمكن أن يكون "أعجوبة" إبداعية غريبة امتدت من أول ثلاثينات القرن الـ 20 لتتواصل حتى موت صاحبها: حوالى 240 رواية نشرها خلال حياته، حوالى 150 قصة وأقصوصة، مئات المقالات والدراسات، نصوص عدة في السيرة الذاتية إضافة الى أكثر من 170 فيلماً اقتبست من نصوصه، وعلى يد بعض عتاة المبدعين السينمائيين من مارسيل كارنيه إلى غرانييه دوفير ومن كلود شابرول إلى برنار تافرنييه وجان بيار ملفيل وصولاً إلى الهزلي البريطاني روان إتكنسون (مستر بين) الذي اقتبس عدداً كبيراً من حلقات للتلفزة البريطانية من نصوص له.

ولنضف إلى هذا أن الحكاية تقول لنا إنه كان يكتب ما بين 70 و80 صفحة يومياً، والنتيجة: كاتب حقيقي كبير أم ظاهرة؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

احتفال مثلث

لأننا عاجزون عن الإتيان بجواب قاطع، قد يكون من الأنسب هنا أن "نحتفل" بمرور 90 عاماً على إنجاز سيمنون روايته الأولى في العام 1930، لنتوقف عند واحدة من رواياته وهي تلك التي أوصلتها السينما إلى ذروة الشهرة حين حُوّلت في العام 1970، قبل نصف قرن من الآن، إلى فيلم من بطولة آلان ديلون وسيمون سينيوريه، ونعني بذلك "الأرملة كوديرك" التي خطّ سيمنون على صفحتها الأخيرة حين أنجزها "الأول من مايو (أيار) 1940" أي أنها كتبت قبل 80 عاماً.

تدور الرواية حول الشاب جان الآتي لاجئاً إلى المكان هارباً من ماض وضعه على مسافة من حياته العائلية المرفهة، وها هو الآن يُستخدم في منزل ومزرعة آل كوديرك من قبل "الأرملة كوديرك" الملقبة بـ "تاتي"، والتي تهيمن على البيت الريفي المعزول بعد أن مات زوجها وبقيت هي ترعى أباه العجوز المريض وتعيش صدامات يومية مع شقيقتين للزوج الراحل منزعجتين من سيطرة "تاتي" على البيت والمزرعة لارتباطها بالأب، ومن هنا، ما إن يدخل جان إلى حياة هذه العائلة ويبدو واضحاً أن "تاتي" قد استأثرت به وصولاً إلى إقامة علاقة معه مانعة الأختين من الاقتراب منه، حتى تبدأ هاتان في محاولة انتزاعه منها.

ومن هنا تتمحور الحكاية على هذا الصراع الذي بعدما يبدأ صامتاً يتطور إلى صراع مكشوف متحولاً أحياناً إلى اشتباكات بالأيدي ينتج منها ذات لحظة وقوع "تاتي" مريضة، ما يجعل جان قادراً على مد شبكته إلى فليسي صغرى الشقيقتين والحسناء الوحيدة في البيت، وطبعاً سيحدث بعد حين أنّ "تاتي" تتنبه لما حدث وتجابه جان الذي يجد أن الوقت قد حان لمصارحتها بأنها لا تملكه، وهنا يجن جنون "تاتي" وتهجم عليه فلا يكون منه إلا أن يخبطها بالمطرقة ويصيب منها مقتلاً.

"أغرب من غريب كامو"

من الواضح أن سيمنون، في ما هو أبعد من الحدث الروائي نفسه، عرف كيف يكثف هنا عدداً كبيراً من التيمات التي كثيراً ما وُجدت في رواياته الأساسية الأخرى، من سيطرة النساء على الحدث، في السراء والضراء، إلى غربة البطل والمسافة التي يقيمها بينه وبين العالم (غربة شبهها أندريه جيد نفسه هنا بغربة ميرسو بطل "غريب" كامو، مفضلاً غريب سيمنون على ذلك الأخير)، والبحث المستحيل عن الحرية، ناهيك بتكثيف الأحداث زمنياً ومكانياً، ما يجعل من "الأرملة كوديرك" عملاً يكثف جزءاً كبيراً من عمل سيمنون ككل.

والحقية أن سيمنون، في اشتغاله على مواضيعه منطلقاً من أحداث اجتماعية تبدأ بسيطة لتتعقد تراجيدياً أو بوليسياً ولا سيما اجتماعياً من منطلق السبر النفسي لما يصنع أخلاقيات المجتمع، وهي كلها عناصر نجدها مكثفة في هذه الرواية، وجعل من المهام المنوطة بالنقد، على صعوبة في أدغال رواياته والشخصيات التي تملأها، والبحث عن تلك المعاني التي تأخذ وقتها قبل الظهور بكل وضوح في خلفية ما يبدو أول الأمر حدثياً لا أكثر.

جمع المجد من طرفيه

في فرنسا، بدأ اهتمام النقاد بسيمنون إذاً باكراً منذ أصدر روايته الأولى الموقعة باسمه في العامين 1930 و1931، والتي كان التحري "ميغري" الذي سيكرر حضوره في عدد كبير من روايات سيمنون الأخرى ليصبح منافساً رئيسياً لبوارو آغاثا كريستي وهولمز آرثر كونان دويل، شخصيتها المحورية، يومها وفور صدور الرواية، أقبل عليها القراء بحماس اضطر الكاتب إلى كتابة 17 رواية أخرى تروي مغامرات التحري نفسه، خلال الأشهر الـ 17 التالية.

في ذلك الحين، كان سيمنون في الـ 28 من عمره وتمكن باكراً بالتالي من أن يجمع المجد من طرفيه: نال حظوة لدى القراء وحظوة لدى أساطين الحياة الأدبية، وساند ذلك كله قدرته الهائلة على الإنتاج، فأضحى واحدة من أكبر وأهم الظواهر الأدبية في القرن الـ 20، ومع هذا لم يكن سيمنون من الذين يضفون طابع العظمة على أعمالهم، بل كان لا يفتأ يردد أنه إنما يغرف دائماً من خمسة أو ستة مواضيع كبيرة لا وجود لغيرها في عالم الأدب "الفارق ينبع من نظرة الكتاب المختلفة إلى هذه المواضيع نفسها".

بين بلجيكا وفرنسا

ولد جورج سيمنون في لياج ببلجيكا من أسرة فرنسية بلجيكية مختلطة وبدأ عمله في الصحافة المحلية، وهو بعد في الـ 16 من عمره، وكان في الـ 19 حين ارتحل إلى باريس بحثاً عن مستقبل له، وبدأ الكتابة بالفعل عام 1922 حيث راح ينكبّ على طباعة ما يصل إلى 80 صفحة على الآلة الكاتبة يومياً، وظل ذلك هو دأبه حتى عام 1936 حيث كان قد أنجز أكثر من 1500 قصة قصيرة، فراح يركز أكثر على الروايات الطويلة وعلى مغامرات "ميغري".

في العام 1945 رحل سيمنون ليعيش في الولايات المتحدة ردحاً من الزمن ثم تنقل بعد ذلك بين فرنسا وسويسرا غير أن تنقله لم يمنعه من مواصلة الكتابة والإنتاج بشكل يومي ومنتظم، وإن كان قد دفعه إلى التقليل من الروايات التي تحكي عن مغامرات التحري "ميغري"، وإلى الغوص أكثر وأكثر في الروايات ذات البعد الدرامي والنفساني، ونجده في تلك الروايات، وقد تمكن من إبداع شخصيات ومواقف تستند إلى تكثيف لغوي هائل وإلى اقتصاد مدهش في الإمكانيات.

دراسة نفسية أخلاقية

وتأتي في مقدمة تلك الروايات طبعاً، "الأرملة كوديرك" التي تعتبر دراسة نفسية أخلاقية في العلاقة بين الشخصيات، كما أشرنا، ونتوقف خصوصاً عند "الأضواء الحمر" و"موت الجميلة" وهما روايتاه الأشهر اللتان كتبهما انطلاقاً من جولته الأميركية، وفيهما حلل أولويات مجتمع الاستهلاك وتأثيره في النفوس البشرية، قبل نصف قرن من الزمن، على الأقل، على فورة سنوات الـ 60 السوسيولوجية التي ركّزت على مثل ذلك التحليل.

أما روايته "الرئيس" فإنها دراسة ثاقبة حادة عن عالم النظم البرلمانية، غير أن هذا لا يعني أبداً أن سيمنون لم يعمد، حتى في رواياته البوليسية العادية، إلى وضع معالم تحليلية حول عالم السياسة والبورجوازية والسلطة والمال وغيرها، وهو ما يجعل من مجمل أعماله نظرة تأملية في أخلاقيات القرن الـ 20 ويعطي المشروعية لأولئك الباحثين الذي وصفوه بكونه بلزاك الأزمنة الحديثة.

المزيد من ثقافة